بورن أوف كوشن: حياة حارس حديقة حيوان في عالم البوكيمون الفصل 35

اقرأ بورن أوف كوشن: حياة حارس حديقة حيوان في عالم البوكيمون الفصل 35 باللغة العربية على مانجا تايم.

للمرة الألف فيما يبدو، يرفع لي يده لتطرق مفاصلها الباب أمامه، الباب المفضي إلى غرفة الاجتماعات رقم ثلاثة في مركز بوكيمون موفيل. ثم يفرّ منه شجاعه فيخفض يده ثانية. وعلى كتفه، تجلس فولبيكس بهدوء، لا تشجعه على التقدم ولا تحثه على الإحجام. في وقت مبكر من ذلك الصباح، فعل الأستاذ بيرتش ما وعد به، فأرسل بريداً إلكترونياً يحوي كل تفاصيل الاجتماع. سيلتقي مابل لين، المعالجة المعتمدة من الرابطة، في غرفة الاجتماعات رقم ثلاثة عند العاشرة صباحاً.

ولن يستغرق الاجتماع سوى ساعة واحدة، وسيكون لي حراً في إنهائه متى شاء. ولكن، تباً لهذا الجحيم كله، لم لا يستطيع طق الباب فحسب؟

قال لي لنفسه متنهداً: "ليس الأمر من أجلك يا لي. إنه من أجل أصدقائك. من أجل فولبيكس، وشاينكس، وگروفايل، وكورفي، وبرندان، وزينيا. أنت مدين لهم جميعاً بأن تتحسن، وبوكيموناتك خصوصاً".

والتفت يمنة ليرى الساعة في ممر المركز، فلاحظ أنه متأخر دقيقتين بالفعل. تضغط فولبيكس خطمها على خده في مؤازرة صامتة. ويغدو أنفها المبتل ونَفَسها الحار تذكرة بأنه ليس وحيداً. يستجمع لي شجاعته للمرة الأخيرة، فيرفع يده ويوجه للباب طقتين حادتين.

قالت امرأة من الداخل: "آتية!".

وسمع صوت مكتوم لأرجل كراسي تتحرك على السجادة، وبعد ثانية أخرى من الانتظار، نقر الباب وانفتح.

وقف امرأة تبدو في خريف العمر، ترسم على وجهها العجوز ابتسامة لطيفة، وتلك التي لا بد أن تكون مابل تحييهما قائلة: "أهلاً، السيد هنسون والآنسة فولبيكس. اسمي مابل، لكنكم كنتم تعلمون ذلك. تفضلا بالدخلول واستريحا تماماً! يسعدني رؤيتك اليوم".

"شكراً لك"، عاتب لي نفسه سراً لضعف صوت، ثم خطا إلى الداخل خلف المعالجة.

تطلع لي حوله، فإذا غرفة الاجتماعات كأي غرفة موجودة في أي مكتب للشركات. الجدران بياض بيضوي بسيط، ومثلها بلاط السقف. الطاولة والكراسي التي توقعها غير موجودة، وقد استبدل بها كرسي منجّد مفرد، وأريكة ناعمة المظهر من الطراز نفسه، وتتوسطهما طاولة قهوة زجاجية. أأُعِدّت هذه الغرفة خصيصاً لهما، أم إن هذه الغرفة بالذات مرتبة هكذا دائماً؟ وما إن جلس على الأريكة، حتى أخذ لي وقته في تفحص معالجته الجديدة.

مابل امرأة تغادر منتصف العمر باتجاه سنوات الشيخوخة بثبات. وخصلات شعرها المسحوب للخلف في كعكة سوداء مهنية تتخللها خيوط رمادية، ورغم أن التجاعيد وخطوط الضحك على وجهها تخفيها بشرتها السمراء قليلاً، إلا أنه يمكن تبينها ببذل بعض الجهد. وتتألق عيناها العسليتان بطاقة شبابية، في تباين حاد مع جسدها المتقدم في السن والمدملج قليلاً. وفي يدها اليسرى حلقة زواج ذهبية بسيطة، وعلى المعصم المقابل سوار مليء بالتمائم.

ويكمل مظهرها بلوزة بيضاء يعلوها سترة أرجوانية، تشارك تنورتها وكعبها العالي اللون نفسه. استقرت مابل في الكرسي وشبكت يديها في حجرها، وما زالت ابتسامتها راسخة.

"إذن يا لي. أيمكنني مناداتك بلي؟ كيف حالك اليوم؟"

فرك الرجل مؤخرة رأسه وهو يتحرك على الأريكة.

"بخير. متوتر قليلاً، بصراحة".

أومأت مابل وكأنها توقعت تلك الإجابة.

"وهذا حسن تماماً. لا بأس البتة في أن يش المرء توتراً عند فعل شيء جديد، خصوصاً إن كان ذلك الشيء هو الحديث إلى غريب. ولا داعي لمناداتي يا أيتها السيدة إن لم ترغب في ذلك أيضاً. مابل صالحة كأي لقب".

تزلجت فولبيكس عن كتف لي وتمددت عرضاً على حجره، مما جعل لي يركن إلى ظهر الأريكة محاولاً أن يريح نفسه.

"بالتأكيد، يا سيدة- مابل".

تعثر لي في كلامه لبرهة وتنحنح محاولاً تدارك الأمر.

"إن كان يوافقك، فلدي بضع أسئلة قبل أن نخوض في الأمور حقاً".

ابتسمت المعالجة.

"بالتأكد. تفضل تماماً وسأكون سعيدة بالإجابة!"

عاني عالم الحيوانات لي ليجد الكلمة: "أأُخبرتَ بـ..."

ثم استطرد: "حجم الأحداث التي قادتني إليك؟"

أصدرت المرأة همهمة عارفة.

"أتقلق من العواقب إن تسربت المعلومات؟"

رفعت يدها ونقرت جانب رأسها بإصبع واحدة.

"حسن، لا داعي للقلق بشأن ذلك أبداً يا عزيزي. لدى العجوز مابل حجب نفساني من الفئة إكس واي في هذا الرأس. قد لا يعني هذا الكثير لك، لكن لا يمكنني البتف النطق بكلمة عما نناقشه هنا. قد يصرخ رؤسائي ويصيحون، أو قد يفعل الأشرار أفعالاً سيئة ليحاولوا حملي على الكلام، أو ربما يحاول شخص خبيث حقاً جعل بوكيمون ينتزعها بالقوة. لا يمكنك حقاً هزيمة الفئة إكس واي، لأنهم أصلحوها بإحكام وعمق".

ولم تكن ابتسامة مابل سوى ثقة رغم جملتها التالية.

"يريدون تخطيها؟ سيكون عليهم تحطيم الكثير للوصول إلى هناك، ولكن حينها لن يهم الأمر لأن الميت لا يحكي شيئاً".

اقشعر شعر رقبة لي. وفي مؤخرة عقله، استشعار ذعر فولبيكس القلق أيضاً.

"أنت جادة حقاً بشأن مهنتك، أليس كذلك؟"

"مساعدة الناس شغغي يا لي. وأحياناً، يجب على المرء تقديم بعض التضحيات في سبيل السعي وراء شغفه".

وتألقت عينا مابل كبرياء.

"لكن الأمر يستحق العناء في النهاية".

رغم عنه، بدأ لي يشعر بالاسترخاء حقاً.

"نعم، أستطيع تفهم ذلك"، أجاب وهو يربت على ظهر فولبيكس مستمتعاً بالدفء المتسرب إلى رجليه.

حتى الآن، لم يكن هذا التحقيق المجهد الذي تخيله.

"أراهن أنك تفعل"، نظرت مابل إلى فولبيكس بإعجاب واضح.

"لست خبيرة بصحة البوكيمونات يا لي، لكن فولبيكس هنا متألقة حقاً! انظر إليها فحسب! أرى من خلالها ذلك الدافع، ذلك الشغف الذي تمتلكه أنت".

بادله لي الابتسام.

"لا يمكنني نيل كل الفضل في ذلك. فهي تعمل بجد قدر عملي".

هزت المعالجة رأسها في ضيق مبالغ فيه.

"لا لا، حقاً! انظر إليها وامتثلها! ارى شغفك أنت منعكساً من خلالها".

نزولاً عند رغبة المرأة، خفض لي نظره إلى الثعلبة في حجره، والتي بدورها رفعت بصرها إليه. كانت فولبيكس جميلة كعهدها دائماً. بمعطفها البرتقالي المحروق، وذيولها الستة اللامعة، وخصلة رأسها المجعدة ببرتقال المغيب، وبطنها اللوني الكريمي، ومخالبها المغطاة بجوارب من الفراء البني الترابي، بدت ملفتة بصرياً. وكان فراءها ناعماً كدمية محشوة، وكانت خصلة الفراء المنفوشة على صدرها متعة لليدين.

وتجذب العيون البنية العميقة المتألقة بالذكاء نظر الناظر بعد أن ينال معطفها اللامع ومروحة ذيولها الإعجاب المستحق. وفي خلف أذنها يقع الشذوذ الوحيد، وهو لطخة من الفراء الأبيض على شكل قلب، العلامة نفسها التي منحها إياها في اللعبة قبل أن تبدأ هذه المغامرة برمتها. وتحت السطح جمال آخر، جمال الأداء. فجسدها حزمة من العضلات المدربة، بما يكفي للتغلب على رجل بالغ بسهولة. ووبقفزة، يمكنها تخطي مبنى،وبنَفَس، يمكنها استدعاء جحيم.

ومع وجودها في حجره، استطاع الشعور بالنار في جوهرها، الهادئة وتحت السيطرة تماماً. تق- انقطعت أفكار لي عندما أدارت فولبيكس رأسها فجأة بعيداً. وشعر منها بنبضة من الفخر والخجل معاً. وفي الوقت ذاته، اسودّ باطنا أذنيها في حمرة خجل.

"المظهر ذاته الذي توقعته".

رُسِم وجه مابل في ابتسامة عريضة.

"ذلك التعبير المذهول على وجهك. الآنسة فولبيكس بوكيمون مذهل يا لي، لكنها لم تصل إلى هناك وحدها. تذكر ذلك".

أصلح لي تعابير وجهه بخجل.

"والآن"، شبكت مابل أصابعها ووضعت ساقاً فوق أخرى.

واكتست بمسحة أكثر جدية، بينما ظلت الابتسامة الودودة قائمة.

"لنبدأ، أليس كذلك؟ فيما يمكنني مساعدتك اليوم؟"

عاد وخز من التوتر، لكن عالم الحيوانات دفعه بعيداً وصفى أفكاره.

"لست على ما يرام يا مابل. ولا أتحسن أيضاً. أنا... لا أعرف حقاً من أين أبدأ".

على حزامه، شعر لي بتململ كرة گروفايل. وكانت كرة كورفيسكاير ساكنة، لكن لي لم يساوره شك في أن الطائر كان يركز على المحادثة. أما كرة شاينكس فكانت غائبة، وقد تركت تحت رعاية برندان.

"ابدأ بما يمنطق لك"، أصرت مابل بحزم.

"يمكنك أخذ كل الوقت الذي ترغب فيه، لن أحسبه من ساعتنا هنا اليوم".

ابتلع لي ريقه ونظر إلى فولبيكس.

"أأفعل؟"

كان رد الثعلبة سريعاً كأنها توقعت السؤال.

"نعم. لا أشعر كأنها تكذب".

قابلت فولبيكس نظرته بعينيها المعبرتين.

"أريدك أن تكون بخير".

بتنهدة مرتعشة، بدأ لي.

"ماذا لو قلت لك إنني لست من أهل هذا العالم؟ أو حتى من هذا البعد؟"

سأل، مترقباً الأسوأ. كان رد فعل مابل... لا شيء. لم يختلج وجهها حتى.

"ليست أغرب ما سمعت يا لي"، قالت مبتسمة.

"وليست حتى ضمن العشرة الأوائل. عالمنا هذا زخر بالألغاز، لذا ليس من الصعب تصديق ذلك بشدة. كيف كان موطنك؟ أيمكنك إخباري؟"

ألقى الغياب التام لعدم التصديق بالرجل المثندب وحتى فولبيكس في حيرة.

"آه. ماذا تريدين أن تعرفي؟"

"ما رأيك أن نبدأ بما ترغب؟"

قالت، مسلمة إياه الزمام مرة أخرى.

"ربما عملك؟ هواياتك؟"

أريدك أن تكون بخير.

"أرى ما تفعله".

فكر لي لنفسه، محيطاً فولبيكس بعناق رخو. رفعت الثعلبة رأسها إليه، لكنها لم تتحرك.

"تريد أن تأخذ الأمور ببطء، وتبني الثقة وما شابه. لكن هل أملك هذا النوع من الوقت؟"

أريدك أن تكون بخير.

قال لي في النهاية: "كنت... أود الخوض في المسائل الرئيسية، إن كان ذلك يوافقك".

اتسعت عيناها مابل قليلاً.

"هذا شجاع للغاية، لكن لا داعي لذلك إن لم تكن مستعداً. لا تشعر بأنك تتعرض لضغط هنا، فنحن نقوم بالأمور بالوتيرة الأنسب لك، لا لأي أحد آخر".

"إن لم نفعل، فقد أفقد شجاعتي، لذا أود البدء من هناك"، أجاب لي، معداً نفسه لشرح طويل آخر.

أخذ نفساً عميقاً وأمسك فولبيكس بإحكام أكبر.

"ذلك البعد الذي تحدثت عنه؟ عملت حارساً في حديقة حيوان أرعى الحيوانات. كما تعلم، بوكيمونات لكنها أقل ذكاء، وأكثر دنيوية؟"

"مم-همم"، أومأت مابل موافقة.

"حدثني عنها، الحديقة".

"كان المكان، حديقة حيوان كولومبوس، مشهوراً جداً وواحداً من الأكبر في البلاد، على مساحة خمسمائة أكر تقريباً"، استذكر لي الأيام الكثيرة التي تجول فيها عبر الممرات المعبد، وكيف كان يختبئ في قسم أحواض السمك البارد في أيام الصيف الحارة.

"سبعة آلاف حيوان اتخذتها موطناً".

أطلقت مابل شهقة هادئة.

"هذا كثير من المخلوقات. أكنت ترعاها كلها أم بضعاً منها فقط؟"

قلب لي السؤال في ذهنه.

"أنا ومعلمي أدرنا مناوبة النهار لمعرض الأسود، لكني كنت أدعى مراراً للمساعدة مع غيرها. وغالباً، كانت قططاً كبيرة أو جوارح أخرى".

وكأنها تنتقي كلماتها بعناية، سألت مابل بهدوء: "أأحببت الأسود؟"

"أحببتها بجنون".

شعر لي بضيق في صدره ولم يجؤ على ذكر أي أسماء أو وجوه.

"ربيت عدداً منها بيدي، وتعرفت على طباعها، وصرت جزءاً من حياتها. وأصبحت جزءاً من حياتي أيضاً".

سألت المعالجة، وما زال صوتها رقيقاً: "أحببتها كثيراً، أليس كذلك؟"

"ما زلت".

غرقت المحادثة في هدوء لدقيقة، مما سمح لي باستعادة أيام ولت منذ زمن.

"يبدو الأمر وكأنه مرّ عمر منذ ذلك الحين بالفعل".

حول عينيه إلى الخطين الأبيضين الصغيرين على جانب معصمه، وهما الخطان نفساهما اللذان صنعهما شبل أسد حين وضع مخلبه هناك بينما كان يطعمه. والآن صار شاينكس هو من يضيف إليهما، إذ تحوي الخطوط المتقاطعة بضعة إضافات وردية طازجة من مخالب شاينكس الصغيرة.

"أترغب في الاستمرار؟ يمكننا التوقف هنا إن شئت والانتقال إلى شيء آخر".

أخرج صوت مابل لي من سهوه.

"لا. لا، لنفرغ من هذا فحسب... كان يوماً عادياً جداً في حديقة الحيوان"، استند لي إلى ظهر الأريكة، شاعرأً بعودته إلى ذلك اليوم.

ولم يبقيه متصلاً بالواقع سوى إحساس الفراء الدافئ في يده.

"كنت قد انتهيت للتو من إطعام الحيوانات في المعرض وكنت في طريقي لتناول الغداء. وما يدعو للسخرية أنه بينما لم تكن البوكيمونات موجودة في موطني، إلا أنها كانت امتيازاً إعلامياً شائعاً كنت من معجبيه. قد يبدو الأمر طفولياً بعض الشيء، لكن كانت لدي لعبة بوكيمون على هاتفي كنت ألعبها أثناء الاستراحات أحياناً".

نقر مابل بلسانها.

"هذا ليس طفولياً البتة يا عزيزي. إن كان يسعدك، فلم لا؟"

أطلق لي زفيراً مستسلياً.

"حقاً. صحيح. على أي حال، كنت في طريقي لتناول الغداء وجلست للتو لآكل، وأعبث بلعبة البوكيمون تلك بينما فعلت. ثم انطلقت كل قطعة إلكترونية في غرفة الاستراحة دفعة واحدة، مطلقة إنذار طوارئ".

"إنذار طوارئ؟"

"نظام تنبيه الطوارئ"، كبح لي ارتعاشة.

مجرد التفكير في الصوت يجعله يشعر بالمرض، وما زال يظهر في أحلامه.

"شخص ما، لا أعرف من أو لماذا، قرر ألا يبالي وأطلق وابلاً من الصواريخ على موطني. وكانت هذه الصواريخ تحمل رؤوساً نووية، قنابل قوية بما يكفي لتحويل مدينة إلى زجاج وتسميم الأرض حولها لسنين. وقد أعطونا قائمة بالأهداف المعروفة، وكنا في أحده تماماً".

شعر بفولبيكس تضغط نفسها على بطنه، مذكرتاً إياه مجدداً بأنه هنا وليس هناك.

"لم يكن أحد يدرك ما ينبغي فعله. لم تكن هناك أماكن محصنة ضد القنابل في حديقة حيوانات من بين كل الأماكن، وسدّ الضيوف الذعرون موقف السيارات، لذا كان الركض مستحيلاً. كان علينا... أن نجلس هناك وننتظر فحسب".

حاولت مابل المقاطعة: "يا لي، يمكنناـ"

مضى مقدماً: "كان الضغط هائلاً. كان الناس ينهارون. أراد الحارس المناوب أن يرحل بلا ألم فأطلق النار على نفسه هناك أمام الجميع".

راحت الكلمات تتفجر قبل أن يستطيع كبحها.

"أخذ أحد المتدربين مسدس الحارس الميت وتبعه. هذا... لقد صدم الجميع بشدة حتى توقف الذعر. راح الجميع يتكومون وينتظرون".

في عقله، استشعار محاولة فولبيكس التسلل للداخل وتخفيف وطأة الذكرى، لكنه صدها عنها. هذا الألم له، وليس لها.

"يا لي!"

دوّى قلبه في أذنيه، محجباً أي شيء آخر.

"أنا... فكرت في إطلاق النار على نفسي أيضاً، لكني جبنت. جلست وحسب وحاولت إلهاء نفسي بلعبة البوكيمون على هاتفي. وفي ومضة، حدث الأمر".

احترقت ندوبه.

"ضربت القنبولة. أحرقت الضوء النافذ عبر الستائر وجهي وشوهته، ثم مزقت الموجة الصدمية المبنى، ناثرة الزجاج في كل مكان، ثم بلغتنا كرة النار وـ!"

"توقف!"

أخذت يد كتفه وهزته لتخرجه من الذكرى.

"هدئ روعك الآن"، كانت مابل جالسة بجانبه، ولم يكن وجهها مصدوماً أو خائفاً، بل هادئاً بمسحة مهدئة وهي تفرك كتفه.

لم يلاحظ حتى تحركها.

"خذ الأمر بلطف وببطء، حسناً؟ لقد مررت باسترجاع ذكريات، لذا خذ نفساً عميقاً واهبط مجدداً".

فعل لي ما طلبت، مستنشقاً نفساً خالياً من النار والرماد. وبينما هدأت الرجفة في أطرافه، خفض نظره إلى فولبيكس. كانت أذناها ممسوكتين للوراء وذيولها منكمشة. وكانت تلك العيناك الشوكولاتيتان تتبعان بصره بألم مزق صدره وكأن طعنة أصابته.

"أتحسنت حالتك؟"

سألت مابل، وقلقها واضح. أومأ لي صامتاً، ومسح على رقبة فولبيكس بظهور أصابعه.

"عذراً يا حبيبتي. لم أقصد إزعاجك".

هدأته موجة الغفران التي غسلت عقله. نهضت مابل ببطء وعادت إلى مقعدها قبل أن تجلس بثقل. ووضعت ساقاً فوق أخرى وشبكت أصابعها في حجرها.

"لي، قبل أن نمضي قدماً، أريد إرساء قاعدة أساسية واحدة. قاعدة واحدة فقط".

"وما هي؟"

حارب لي الإرهاق الناتج عن نوبته لكي ينتبه. وبدت أجفان كأنها صنعت من رصاص وسيطر عليه إرهاق عميق الجذور رغم مبكرة الساعة.

"سنفعل الأمور بالوتيرة الأنسب لك".

وشددت على عبارة 'بالوتيرة الأنسب لك'.

"لقد اندفعت برأسك نحو صدمتك قبل أن تكون مستعداً، وكل ما يفعله ذلك هو إيذاؤك. من الطبيعي أن تشعر ببعض عدم الراحة عند الحديث عن أحداث مزعجة، ومن الطبيعي أن ترغب في التحسن بأسرع ما يمكنك، لكن يجب ألا تندفع".

عارض لي قائلاً: "أفضل وتيرة لي هي الوتيرة السريعة. الأنسب لأصدقائي وبوكيموناتي".

"لا".

للمرة الأولى، تلاشت ابتسامة مابل.

"يا لي، نحن نفعل هذا بالوتيرة الأنسب لك. ليس لأي أحد آخر. أرجو ألا تسيء فهم ذلك".

استندت إلى ظهر مقعدها، ناظرة إليه بحدة.

"لقد قابلت الكثير من الرجال أمثالك؛ النمط الذي يفكر في الآخرين أولاً. وهناك القليل من الناس في هذا العالم أفضل منهم، لكن يأتي يوم يتعلمون فيه درساً، درساً ينظرون إليه دائماً بقسوة وينكمشون منه. أتعرف ما ذلك الدرس؟"

بخدر، هز لي رأسه نفياً.

"أنهم مهمون تماماً كأي شخص آخر".

"ماذا؟"

رف طرفه بعدم تصدق، وبالكاد يصدق ما يسمعه.

"أتظن أنني أرى نفسي هكذا؟ أنا أعرف قيمة نفسي".

رسم فم مابل خطاً رفيعاً.

"لا أظن ذلك يا عزيزي، بل أعرفه. حبك لبوكيموناتك يقول الكثير من الأمور الطيبة عنك، لكن متى كانت آخر مرة فعلت فيها شيئاً من أجل نفسك؟"

"أنا..."

تلعثم لي.

"حسناً، أنا... مثل ماذا؟"

"مثل الجلوس والاستمتاع بفيلم، أو قراءة كتاب للمتعة، ربما القيام بنزهة عند الغروب، أو شراء شيء جميل لنفسك أو جلب شيء إضافي لنفسك وقت العشاء لأنك فكرت 'أنا أستحق هذا'. أي شيء حقاً"، شرحت مابل.

"شيء فعلته لنفسك لأنك أردته".

"أم..."

كافح لي، محولاً بصره بعيداً إلى زاوية الغرفة.

"كنت في سلاتيبورت قبل أسبوع فحسب".

"مم-همم"، ابتسمت مابل مشجعة.

"زرنا السوق هناك، وأنا..."

تردد لي مجدداً. أعليه القول إنه تبنى شاينكس؟ أكان ذلك أنانياً؟

"...التقطت بعض لوازم العناية عالية الجودة لبوكيموناتي".

لم تسقط ابتسامة المرأة ذات الملامح الأرجوانية، لكن بدا الأمر كذلك للي.

"وهذا كان شيئاً ليسعدك؟ لا بوكيموناتك؟"

كاد يكذب ويقول نعم، لكنه ظل صامتاً.

"جرب واحدة أخرى"، لوحت مابل بيدها في إشارة ليمضي قدماً.

"أمعن البحث. متى فعلت شيئاً لنفسك فحسب؟"

'حسناً، ربما..؟ لا، لكنت شعرت بالسوء إن لم أستغل تذكرة خيمة المعارك تلك التي أنفقت زينيا مالها الخاص عليها'. 'صيد إيفي الخاص بي؟ هذا مرتبط بالعمل نوعاً ما...' 'لم أعر تلك الأفلام في سلاتيبورت أي اهتمام حقيقي'. وكلما عمّق لي البحث، قل ما استطاع إيجاده. بلع ريقه حين برزت ذكرى أنانية واحدة.

"صطدت تريكو قوياً استثنائياً في غابات بيتالبرغ. كنت أعرف بشأنه مسبقاً وأردته لمدى قوته".

وحتى مع دراية گروفايل بالقصة الكاملة، ظل الاعتراف بها مؤلماً. على حزامه، ظلت كرة گروفايل ثابتة. همهمت مابل لنفسها.

"لكنك تشعر بالذنب حيال ذلك".

"كيف...؟!"

توقف لي فجأة بعد أن كشف أمره بالخطأ. انتظر. أأفشى أمره؟ إنه لا يشعر بالذنب حيال ذلك! لقد تجاوز الأمر!

أجابت مابل بلطف: "الأمر كله مرسوم على وجهك يا عزيزي. لماذا يشعر مدرب رائع مثلك بالذنب لاصطياد بوكيمون قوي؟"

توقفت برهة، وحين لم يجب لي، تابعت: "أتشر بالذنب لأنك تشعر بأنك لست كفئاً بما يكفي لبوكيمونك؟"

أطلق لي هسيساً وفتح فمه لدحض قولها. لكن الكلمات أبت مغادرة طرف لسانه. استندت مابل للخلف، مخففة الحدة.

قالت ببطء: "الدرس الأول الذي يجب على الرجال الذين يهمهم الأمر أكثر من اللازم تعلمه هو تقدير أنفسهم والغفران لها. أنت أسوأ ناقد لنفسك يا لي. أستطيع رؤيتك تحطم نفسك حتى ونحن نتحدث".

رد بحدة: "لا، لست كذلك. أنا أنتقد نفسي، وبكمية واقعية، تماماً كأي شخص آخر".

في حجره، تململت فولبيكس بعدم ارتياح. تأملت المعالجة فولبيكس، ثم نظرت إلى لي بشك ظاهر.

"أمتأكد أنت؟"

جعل الرد الشك يبدأ في التجذر ببطء داخل لي.

"نجل؟"

أومأت مابل.

"دعني أطرح هذا من منظور قد يقدره المدرب إذن. لنقل إنك ومدرب آخر تتواجهان. بوكيمون المدرب الآخر يطيع التعليمات حرفياً، وبوكيمونك يقرر عدم الاستماع. وبسبب ذلك، تخسر المعركة. من الملام؟"

عقد لي ذراعيه.

"الإجابة البديهية هي البوكيمون، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. على المدرب تحمل أخطاء بوكيمونه، ولا يمكن لوم البوكيمون بحق إن دُرّب بشكل خاطئ أو بطريقة تغذي الاستياء. في هذا الافتراض، الخطأ يقع علي أنا، المدرب".

سألت مابل بصبر: "لكن هذا ليس عاملاً في الحالة هنا. من الملام؟"

عقد لي حاجبيه: "لأي سبب آخر قد يقرر بوكيمون رمي مباراة؟"

"إن عوملوا جيداً، ودُربوا بطريقة صحيحة وجذابة، وأحبوا المدرب، فلن يحدث ذلك. لكان لا بد أن يكون هناكـ"

"هنا تماماً، أوقف هذا التمرين".

أشارت مابل بإصبعها للأمام، وجعل الفعل سوارها يجلجل.

"أنت تحاول عقلنة الموقف للوصول إلى استنتاج غير موجود، استنتاج يتيح لك تحمل اللوم".

خفضت يدها.

"لنعد للوراء لحظة. أتظن أنك مهم؟"

"أنا كذلك".

أجاب بلا تردد.

"بقدر أصدقائك وبوكيموناتك؟"

"...نعم".

اضطر للتفكير في الأمر لجزء ضئيل من الثانية. اخترقته عيناه العسليتان برفضهما.

"يا لي، أكان ذلك ما تعتقده، أم ما تظن أنني أود سماعه؟ كن صادقاً معي".

"كيف لي أن أقول ذلك وأؤمن به؟"

تنهار لي ورفع ذراعيه في ضيق. لقد فاتته صدمة فولبيكس المفاجئة.

"ها أنا ذا في ما قد يكون عجائب الدنيا، أقوم بوظيفة أحلام طفولتي بعد أن تحول كل ما عرفته إلى رماد نووي. ماذا فعلت لأستحق ذلك؟ لست شخصاً استثنائياً أو عبقرياً، لست فاضلاً، لست شيئاً! تبا، لم أذهب حتى لأقول وداعاً لحيواناتي للمرة الأخيرة حين استطعت، بل بقيت متكوماً على الأرض أتألم وأنتظر الموت! لماذا لم ينتهي الأمر بمعلمي أاسير إلى هنا؟ لكان قد صار مدرب بوكيمونات بطلاً بسهولة! يكاد أي شخص من حديقة الحيوان يفعل أفضل مني، ويربي فولبيكس والبقية أفضل مني! أو والداي؟ لكانت أمي استقرت وأحيت مجتمعاً، وأنا متأكد من أن أبي كان ليجد موطئ قدم له في ديفون ويجعلهما منافساً لـ سيلف في أي وقت بحيل تجاري وحدها".

وارتفع صوت لي علواً فعلو، وشعر بوجهه يحمر وقبضتيه تنقبضان حين انفجر كل ما تم كتمانه لأشهر ببساطة.

"لماذا أنا؟! هذا كل ما أريد معرفته! لماذا؟! لماذا تضعني هنا؟! لماذا تجلب فولبيكس إليّ؟! لماذا مات الجميع سواي؟! لم أرد قط التواجد هنا!"

كان واثقاً من أن صوتة يخترق الجدران، لكنه لم يهتم البتة.

"تباً!"

منهكاً ويلهث، سقط لي بثقل على الأريكة، غير مدرك أنه وقف وهو ينفس عن غضبه المشبع بالمرارة. ووخزت الدموع عينيه، ولمحاولة إخفائها، أسقط وجهه بين يديه وغرز مرفقيه على ركبتيه.

"لماذا؟ هذا كل ما أريد معرفته".

لم تتوقف الدموع وتعثر نَفَسه، لكنه كبح شهقة حاولت الانفلات، عازماً على الاحتفاظ ببعض الكرامة. شعر بمخلب صغير يلمس ساقه ببطء وتردد. ثم مخلب آخر. ثم عادت فولبيكس لتتسلل ببطء إلى حجره، ضاغطة نفسها ضده قدر استطاعتها.

"أريدك أن تكون بخير".

انكسر السد.

لا يعلم لي كم دمشق عيناه بالدموع كالأطفال، لكن حين تجف آخرهنّ، لا يتبقى منه سوى... التعب. تعب من عيش الشعور نفسه. تعب من الرعب الكامن دوماً تحت السطح. تعب من الاتكاء العاطفي الدائم على فولبيكس. تعب... وحسب.

"لي؟"

بعينين محمرتين ومتهيجتين، يرفع لي بصره نحو مابل. تحمل في يديها دفتر ملاحظات لم يره قبل قليل، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة خفيفة لكنها منتصرة.

"كان ذلك كثيراً مما أخرجته. أتشعر بتحسن؟"

يأخذ عالم الحيوانات نفساً عميقاً ويضم الثعلبة إلى حجرها، بينما ترفض هي التقاط نظراته. أيعشعر بتحسن؟ بعد أشهر من التسويف والمضي قدماً، أشهر من التظاهر بعدم حدوث شيء يقطعه انهيار عابر، يبدو التلفظ بأفكاره أخيرًا وإخراجها إلى النور لنفسه ولشخص آخر... يشعر... بأن صدره صار أخف. يتنفس بسلاسة أكبر للمرة الأولى منذ سنوات بدت طويلة. الأمر جيد.

"أجل"، يتمتم لي، مدركاً أنه يعاني عطشاً شديداً.

"أفضل قليلًا."

"يسعدني هذا."

تبدو ابتسامة المعالجة صادقة بقدر اتساعها قبل أن تعود إلى جديتها الخفيفة السابقة.

"ما تشعر به حيال هذا الأمر يُسمى ذنب الناجين. أنت منزعج لأن الآخرين ماتوا بينما عشت أنت، وتشعر وكأن شخصاً آخر كان سيؤدي بصورة أفضل في مكانك، أليست هذه هي الحال؟"

يومئ لي ببطء، محولاً بصره إلى الأرض.

"إليك الحقيقة يا لي."

يصدر عن سوار مابل رنين حين تعيد تشابك أصابعها فوق دفتر ملاحظاتها.

"لا بأس بالحزن. لكنت سأقلق أكثر لو لم تكن منزعجاً، فلا تلعب لعبة ماذا لو مع نفسك. أَتظن أن أصدقاءك سيكونون سعداء لأنك عشت؟"

"أجل"، يهمس.

"وعائلتك؟"

"أجل"، يكتسب صوتُه قوةً أكبر.

"أَتظن أنهم سيوافقون على طريقتك حتى الآن؟"

تنظر مابل إلى دفترها.

"أتمنى ذلك..."

يتنشق لي الهواء من أنفه ويرجع رأسه إلى الوراء ليحدق في السقف الأبيض المعقم.

"إذن حول ذاك الأتمنى إلى تأكيد بأن تعيش حياتك بكاملها."

تداعب مابل خاتم الزواج في يدها اليسرى بطريقة تبدو حزينة تقريباً. يراقبها لي وهي تطيل النظر إلى الخاتم البريء، محزراً القصة من وراءه مسبقاً. ...لكن المرأة تنظر إليه بفرح هادئ ومقنع. لا شيء في تعابيرها يحمل مسحة حزن أو حتى مرارة حلوة.

"أنت مدين بذلك ليس فقط لأصدقائك القدامى، بل لأصدقائك الجدد أيضاً، أن ترفع رأسك وتواجه اليوم بابتسامة حقيقية. والخطوة الأولى نحو ذلك"، تتألق عيناها بحكمة مكتسبة.

"هي أن تدرك أن رغبات لي هنسون واحتياجاته تهم تماماً مثل أي شخص آخر. آخر ما يريده أي صديق هو أن يعذب صديق نفسه معتقداً أنه بلا قيمة."

"أمن الحق معها؟"

يتساءل لي، لا يزال مطبقاً بصره على السقف، ثم على أحد مصابيح الفلورسنت الطنانة.

"أنا لا... أنا لا أقسو على نفسي كثيراً، أليس كذلك؟ أأملك نوعاً من العقدة الغبية؟ لا أظن هذا. أأؤذي الجميع بعدم إدراكي لهذا؟"

"بلى."

بفزع، ينظر لي إلى فولبيكس التي لا تزال متكومة على بطنه. يشعر في قاع دماغه بوخز خفيف صادر عن تركيزها.

"أنت عالمي. وعالم غرافايل. وعالم كورفيساكوير، وعالم شينكس. أنت لا تقاس بثمن. أرجوك أدرك ذلك."

ترفع بصرها نحوه، رافعة مخمباً دافئاً لتضعه على صدره. تصبح عينا لي حائرتين، ويصارع لئلا تشرق غصّة أخرى في حلقه. يتدفق من الثعلبة طوفان من الحب من عقلها إلى داخله، ليتغلغل في جسده، وفي عقله، ثم في شيء أعمق. يلامس الحب شيئاً بدائياً، شيئاً يتجاوز الكلمات، ويدرك فجأة.

"أنا مدين لهم بذلك حقاً."

"مابل"، تنشط المعالجة حين يخاطبها لي بصوت يكاد يكون صامتاً.

"لا أظن أنني أفهم تماماً كيف أتعلم كل هذا، لكني سأبذل فيه قصارى جهدي."

تتألق ابتسامتها بلا حدود.

"هذا هو العزم الذي عرفت أنك تمتلكه. أنت رجل صلب يا لي. لقد احتملت تغييراً هائلاً وم مأساة مروعة، وها أنت ذا تواجه مشاكلك بشجاعة. هذا الموقف الشجاع والمحب سيوصلك بعيداً في الحياة، عليك فقط أن تخصص وقتاً لعنايتك بنفسك وأن تتذكر أن ليس كل شيء خطأك، وخاصة الأمور الخارجة عن إرادتك. وما إن تظفر بهذا الإيمان المستحق بنفسك، فحينها يمكنك الوقوف بقامة منتصبة ومعالجة القضايا الأخرى في حياتك بصورة أفضل. سنعمل على تلك الأمور تدريجياً."

ترفع مابل بصرها نحو الساعة الجدارية.

"يا الهول، لقد مضت تلك الساعة بسرعة. أتخيل أنك منهك وتحتاج إلى ما ينعشك. أيمكنني أن أوصيك بمتجر الحلويات في الشارع الخامس؟ كعكة المخمل الأحمر لديهم تستحق الموت في سبيلها!"

يلحظ لي الساعة بنفسه ويطرف جفنيه بدهشة حين يرى أن الوقت لم يبقَ عليه سوى دقيقتين حتى الحادية عشرة.

"أكانت تلك ساعة حقاً؟"

يبتلع ريقه لتجاوز الجفاف الذي لا يزال يعصف بفمه.

"سألقي نظرة على ذلك المكان. أ... سنلتقي مجدداً؟"

"بالتأكيد"، تومئ مابل مطمئنة.

"سنلتقي مرة كل أسبوع طالما سمح جدولك بذلك. أعلم أن حياة مدرب رحالة هي حياة مشغولة، لكن مابل لين لا تتوقف حتى يصبح مرضاها مستعدين لمواجهة كل يوم بثقة. خذ هذه"، تصل يدها إلى داخل سلتها وتسحب بطاقة عمل من جيب مخفي قبل أن تضعها على الطاولة الزجاجية بينهما.

"إن احتجت يوماً، يمكنك الاتصال بي أو مراسلتي عبر البريد الإلكتروني. سنعبر هذا كله معاً!"

بابتسامة متعبة، يأخذ لي البطاقة ويحشرها في جيبه.

"أجل، يبدو هذا جيداً. شكراً لكِ مرة أخرى على اليوم"، يقول منحني الرأس.

وبعد أن يسمح لفولبيكس بأخذ مكانها المعتاد على كتفه، يبدأ لي بالنهوض لكنه يتوقف في المنتصف.

"مابل؟ قبل أن أذهب، لدي أمر واحد أريد طرحه عليك..."

"تفضل تماماً!"

تبتسم وهي تقف بدورها وتغلق دفتر ملاحظاتها.

"عندما يتطور كورفيساكوير الخاص بي، فقد وافق على أن يطير بي إلى ليتلروت كي أصنع قبراً صغيراً للجميع. كما تعلمين، من أجل بعض السكينة."

يقف لي ويستحضر المشهد في ذهنه. سيكون موقعاً نائياً صغيراً في مرعى البروفيسور بيرتش، حيث سيزرع لوحة صغيرة منقوشة بأسماء كل من تركوا خلفهم.

"أترى... كما تعلمين؟ أهي فكرة جيدة؟"

"فكرة رائعة"، تبتسم.

"فكرة مدروسة للغاية أيضاً. من الجيد توجيه أولئك الذين يُحزن عليهم نحو الراحة، لكن لا تسمه قبراً."

تلوح بإصبعها.

"إنه نصب تذكاري، مكان تتذكر فيه الأوقات الجميلة أيضاً، أفهِمتَ؟"

يبتسم لي بدوره، واجداً ابتسامتها معدية.

"فهمت."

يفتح باب غرفة الاجتماعات ويمسكه لها.

"شكراً لكِ."

"في أي وقت يا لي. في أي وقت. وداعاً."

تومئ له برأسها وتلوح قليلاً وهي تمر، ثم تستدير وتتوغل في مركز البوكيمون، محدثة بأحذية كعبها العالي صوتاً إيقاعياً يتردد صداه وهي تمشي وتنعطف عند الزاوية. يراقبها لي وفولبيكس وهي تبتعد. وبينهما واقفان، يعيد لي تشغيل الاجتماع في ذهنه ويشعر بنفسه يتعثر حين يتذكر عبارة واحدة بالذات. لم أرد قط أن أكون هنا!

"الحب؟"

يهمس لفولبيكس بصوت عالٍ.

"بعض الأشياء التي قلتها..."

تقاطعه بجهد زفير متأفف وتلعق جانب أنفه. 'أنا أتفهم.' يمد الرجل يده ويجذبها إلى عناق قصير ومحكم بذراع واحدة. بعزم متجدد، يأخذ لي كرتَي كورفي وغرافايل من حزامه ويهرول عائداً إلى مقدمة مركز البوكيمون وإلى المنطقة المشتركة. على جانب من غرفة الاستقبال الرئيسية توجد بضعة أرائك مرتبة على شكل حرف يو، وتجلس على إحداها بريندون، وزينيا، ومارشتمب، الذي يلف ذراعه اليسرى بعدة ضمادات.

عندما ترفع زينيا بصرها عن مجلة تحملها بين يديها، تبتسم وتلوح للي وفولبيكس.

"إذن، كيف كان اجتماعك السري للغاية؟"

يسأل بريندون بينما يجلس لي على الأريكة المقابلة له ولزينيا.

"كنت أعلم أننا قلنا إننا سنكون هادئين بشأن الانتظار، لكن أحمقاً ما مع ماراكتوس أراد التفوه بكلام مهين عن الأنواع المائية، فتقاتلنا معه سريعاً."

يرفع مارشتمب يده المصابة بنبرة رضا خافتة.

"أفترض أنك فزت؟"

يبتسم لي.

"طبعاً!"

"سررت لسماع ذلك."

يعكس لي ابتسامة بريندون، ثم يهدئ من نفسه قليلاً.

"إذن، ذلك الاجتماع السري للغاية هو أمر أريد حقاً التحدث للجميع عنه."

يمدد كرتي بوكيمون غرافايل وكورفي، واحدة في كل يد، ويفتحهما معاً. في ومضتي ضوء بيضاويتين، يظهر بوكيمون السحلي والغراب أمام المجموعة.

"أفترض أن كلاكما كان يستمع؟"

يومئ غرافايل ويضع مخمباً حراشفيا على ركبة لي. بينما يكتفي كورفي بلعب عينيه، في إشارة واضحة للوضوح الصامت.

"يبدو أمراً خطيراً للغاية، دوليتل"، تغلق زينيا مجلتها، وهي نوع من مجلات النميمة بصورة كلير بلاكثورن في الصدارة، وترميها جانباً.

ترمق لي بنظرة جادة تشوبها عصبية.

"ليس عليك إخبارنا إن لم ترد ذلك."

"من أجل مصلحتي الخاصة، ينبغي لي حقاً"، تبدو كلمات لي مفاجأة لكل من صديقيه.

"لم يكن هذا الاجتماع شيئاً جنونياً كبحوث سرية أو هراء عصابات النخبة. كان اليوم..."

يصلب عزيمته وينظر إلى فولبيكس، التي تمنحه ابتسامة ثعلبية صغيرة مليئة بالتشجيع. 'زينيا ذكية بما يكفي لتخمين ما يجري، وبريندون ناضج تماماً للتعامل مع الخبر.' يغلق لي عينيه ويجبر الكلمات على الخروج.

"كان اليوم جلسة مع معالجة نفسية، وربما تكون الأولى من جلسات كثيرة."

يطرف بريندون جفنيه كأنه لا يفهم.

"معالجة؟"

بجانب الصبي، ينظر مارشتمب بين لي وبوكيمونه، ثم يعود لينظر إلى لي، مركّزاً على الندوب في وجهه. وبعد دورتين، يشرق الفهم في عينيه الصغيرتين. لا تقول زينيا شيئاً، مكتفية بجعل فمها يسترخي في خط مستقيم.

"أجل"، يفتح لي عينيه ويومئ بشيء من الشتات.

"لن أملّكم التفاصيل، لكن..."

يلقي نظرة حوله، فلا يجد أحداً في مرمى السمع. إذ تطغى ثرثرة مجموعة كبيرة بجانب مكتب الاستقبال على كل شيء آخر.

"منزلي؟ لقد ذهب."

"ذهب؟"

تسأل زينيا بحدة، متضيقة العينين.

"أتعني...؟"

"ذهب. احترق تماماً حتى أساسه. على حد علمي، أنا الناجي الوحيد. لا أعلم من فعل ذلك، ولا لماذا، لكني أعلم أن الأسلحة الخارقة المستخدمة تعني أن العودة باتت بلا جدوى."

الشرح قصير وليس لذيذاً، لكنه ينأى بنفسه عن الذكريات ويخرجه بعبسة.

"من هناك جاءت حروقي في الوجه. عندما همت إلى ليتلروت والتقيت بك يا بريندون، كان ذلك مباشرة بعد أن أفقت في مكان مقطوع والتقيت بفولبيكس."

يرتكن الصبي إلى الخلف، وتبدو تعابيره مشوشة قليلاً.

"يا للهول، يا لي..."

تشيح زينيا بوجهها. وفي كفها المقبوضة، تتكور عباءتها ككرة.

"قالت إنني مصاب باضطراب ما بعد الصدمة وذنب الناجين."

يدفع مشاعر الحرج ليعترف بذلك.

"أنا لا أقول كل شيء، لكن تلك التفاصيل حديث لوقت آخر."

يشد عالم الحيوانات ياقَة قميصه، مدركاً للتو كم العرق المتشرب في قميصه الداخلي بشيء من التبرم.

"فيما تحدثت عنه مع تلك المعالجة اليوم؛ أأبدو ناقداً لنفسي أكثر من اللازم في نظريكما؟"

"أقصد، أجل، نوعاً ما."

يبدو بريندون غير مرتاح، وبدا كأنه لا يدري اين يضع يديه، فيعبث بهما.

"تبدو أحياناً وكأنك تنزعج من لا شيء، وبعد تلك المعركة مع ذلك المدعو تايسون..."

يتلاشى صوت وريث بيرتش. أما زينيا، فكانت أكثر فظاظة بكثير.

"نعم. مئة مرة نعم"، تعقد ذراعيها.

"أتريد رأيي؟"

يومئ لي متردداً.

"الفتى محق تماماً. كلما رأيت تلك السحنة الشبيهة بالتمثال تتغير بلا سبب، تنتقل من التأمل، إلى الانزعاج، إلى الاستسلام. تفعل هذا طوال الوقت وأعلم أن السبب هو أنك تنتقد نفسك، وربما بقسوة شديدة."

تشكل كلمات زينيا مرآة فظة لملاحظات مابل.

"بجدية، أنت تأخذ الأمور بقسوة بالغة. أنت مدرب جيد وشخص محترم، فلماذا توبخ نفسك؟"

ينظر لي إلى غرافايل وكورفي، مسائلاً إياهما صمتاً عن رأيهما. يومئ نوع العشب متردداً بينما ينعق كورفي بموافقة غير آبهة.

"حسناً..."

يعض لي شفته.

"أ الأمر واضح إلى هذا الحد؟"

يفكّر في سؤاله التالي.

"أيزعجك أن أفكر بهذه الطريقة؟"

يمكن تلخيص تعابير زينيا متضيقة العينين ومفتوحة الفم ببساطة في عبارة 'أنت تمازحني؟'. أما بريندون فأكثر انفجاراً بكثير.

"طبعاً!"

يكاد الصبي يقف على قدميه من شدة غضبه.

"لم أقل شيئاً لأنه بعد سلاتبورت... ظننت..."

يخفت صوتُه.

"لم أرد أن أتعرض للصراخ..."

يقول بصوت خافت.

"تباً للجحيم، يا لي، طريقة رائعة لـ..."

يقطع لي تمتمته الناقدة لنفسه بقوة وينحنح.

"حسناً! انظرا، هذا يتوقف هنا. أكرره طلباً للمساعدة منكما، لكني أعتقد أن علي فعل ذلك. متى ما ظننتما—يمر بعينيه سريعاً على بريندون وزينيا وكورفي وغرافايل وفولبيكس—أنني أخوض حفلة شفقة على نفسي، فأرجو أن تقولا لي أن أبتلع الأمر وأتجاوزه. سأبذل قصارى جهدي لأقوم بذلك بمفردي لأن هذا ما قالته المعالجة إنني بحاجة لفعله كخطوة أولى للتحسن، لكني قد أتاج المساعدة إن تعثرت. أذلك مقبول؟"

تبتسم زينيا علانية.

"يا للهول، أنت تطلب المساعدة حقاً بدلاً من فعل الأمر بعناد بمفردك. حسناً، لم تكن لتتخلص مني على أي حال يا دوليتل، لذا فاعددني معك!"

ثم تضيف بهدوء؛

"إن شعرت برغبة، يمكنك التحدث إلينا عن أي شيء تريده. ليس عليك حمل أعباء كهذه وحدك. أليس كذلك يا فتى؟"

"أبداً!"

يبتسم بريندون ويقف بحيوية متجددة.

"نحن نسانيدك بمئة وعشرة بالمئة! هذا ما يفعله الأصدقاء!"

يبتسم لي، شارعاً بانتفاخ صدره.

"هذا..."

يشهق ثم يلقي برأسة إلى الوراء ضاحكاً بصراحة.

"هذا ابتذال شديد، لكني لا أظن أنني أستطيع قبوله بطريقة أخرى. شكراً لكما."

بينما يتجادل المدربون الثلاثة حول وجهة الغداء المبكر، نقاش يعبر فيه لي عن رأيه بندية تامة مع الآخرين، تنظر فولبيكس من كتف مدربها إلى رفيقيها. يبتسم غروفايلي بخبث ويعقد ذراعيه. يلاحظ أي عارف به مدى سروره. يكتفي كورفيسكواير بالتأفف وإدارة وجهه، لكن من دون لدغته الحاقدة المعتادة. تبتسم فولبيكس بدورها وتطلق تنهيدة خفيضة. كأن حملاً ينزاح عن كاهليها مع هذا الزفير. بشريها يمضي أخيراً على درب التعافي.