مولودة السيليكون الفصل 98

اقرأ مولودة السيليكون الفصل 98 باللغة العربية على مانجا تايم.

تتسع الغرف في الوادي لجميع القاطنين لكي يأخذ كل واحد منهم غرفته. تبدو كلها خالية، سوى من حصيرة نوم صغيرة في الزاوية. لا أعرف إن كان هؤلاء الأشخاص بلا شيء حين ماتوا، أو أن أحدهم مرّ وأخذ كل ذي قيمة من دون العبث بالجثث. لست متأكداً أيهما أشدّ إيلاماً. تجتاح عاصفة المكان في تلك الليلة. يزمجر السقف العالي فوقنا بفعل الرماح، وتندفع الرياح داخل الوادي لتخلق صوتاً صَفيريّاً عالياً ودائماً.

صيغت الأبواب بثقوب صغيرة ومنحوتة بعناية. لا تفعل تلك الثقوب سوى تضخيم الضجيج، لكنّ آيفي تأتي بحزام لاصق لإصلاح ذلك لحسن الحظّ. لا يكفي هذا لإيقاف الصوت، لكنّه يهدأ بالقدر الذي يجعلني أستطيع فهم كوراكس. ضوء لوكاس هو الشيء الوحيد الذي يطرد الظلام. إنه خافت، لكنني أستطيع الرؤية على الأقلّ. ومن الناحية الإيجابية، أنا متأكد تقريباً من أن دماغي متضرر بما يكفي لكي لا يهلوس.

أُخرج بطانية كوراكس من حقيبتي وألقيها فوق حِجري. يبشرع بالعمل سريعاً ليُتقن عُشّه ويندسّ بعمق في داخله.

أقول مضطراً لرفع صوتي نصف صرخة كي يُفهم وسط الصوت المستمر: "آسف لأنني لست بصحة جيدة بما يكفي للقراءة. عليّ التركيز على إصلاح نفسي".

فيطمئنني: "حسناً".

أمرّر أصابعي ببطء على رأسه المعدني وأسند ظهري إلى الجدار. أوجّه تركيزي أخيراً إلى الداخل، نحو عقلي. أنا كارثة. لا يبدو عقلي متصدعاً كما كنت أتوقع، بل إنه قد تلاشى. تضيع أي خيوط تحاول التحرك إلى ما بعد مركز عقلي. ما زالت تثقل كاهل عقلي وتولد حرارة، لكن لا سبيل لي لتقليمها. تُحفظ الذكريات في صميم ذاتي، وتلك لم تُمَسّ لحسن الحظّ. وما عدا ذلك؟ الفراغ الذي أحاط بعقلي يوماً قد اختفى، وصارت المساحة التي تتحرك فيها الخيوط وتلتفت وتفكر غير متاحة.

تُسرع الخيوط التي أملك حق الوصول إليها بالعمل على توسيع المساحة المتاحة في عقلي لحسن الحظّ. تتداخل الخيوط معاً لتشكل شبكة، وتكون أساساً لأستعيد الأجزاء المفقودة من عقلي. مع نمو الطرف الأقصى للشبكة، تكشف عن أفكار تائهة في الفراغ المفقود منذ زمن طويل. إنها ملتوية ودخيلة وغير مفهومة. أقطعها حتى من دون معالجتها. لم تعد أفكاري، ولا أريد ولا أحتاج لمعرفة ما تقوله. إنها عملية بطيئة، إصلاح عقلي.

ومع نمو الطرف الأقصى لوعيي، تتحرر الأجزاء الداخلية من الشبكة لتتفكك، وتترك الفراغ المألوف المعروف. وتترك مساحة إضافية صغيرة لأفكر فيها. بعد منتصف الليل بكثير، يُطرق بابي. أكاد أخطئه وسط صوت العاصفة، لكنني أضع كوراكس وعُشّه جانباً وأفتح الباب. تقف كاسي أمامي، وتتطاير خصلات شعرها البنيّ الشاحب بفعل الشمس من جراء العاصفة، وتتقي بيديها عيناها من الرمل الذي حملته الرياح.

لا تقول شيئاً، بل تحاول الدخول، فأتحرك لأفسح لها المجال. تُطبق الباب خلفها بعنف وتسحب قناعاً يغطي فمها وأنفها إلى الأسفل.

تلقي بنفسها على الأرض وتضع حقيبتها بجانبها وتسحب كتاباً: "الأمر سيء بحقّ هنا".

أخمّن: "لا تستطيعين النوم؟"

تقول بجمود: "كلا".

أسمع الإرهاق في صوتها، ولا أستطيع تخيل مدى سوء الأمور بالنسبة لها الآن.

"أتمانعين أن أقرأ هنا حتى أغطّ في النوم من شدة الإرهاق؟"

يبدو أنها قد حسمت أمرها بأن الجواب نعم. وأنا أقدّر الصحبة لحسن الحظّ.

"بالطبع لا، أتمنى أن تستطيعي النوم".

تقول وتغوص في كتابها: "وأنا أيضاً".

أعرض: "أذناكِ صناعيتان، أليس كذلك؟ يمكنني محاولة إيقافهما".

من نبرة صوتها، أنا متأكد أنها حاولت: "إنهما تحت الجلد. ليس هناك زر للإيقاف، ولا منفذ للوصول".

"حسناً".

لا تعتذر. قُل أي شيء آخر حرفياً. لا يمكنني التفكير في شيء آخر، حتى الصمت أفضل.

تسأل بعد ثوانٍ قليلة: "هل تشعر بتحسن الآن؟"

"قليلاً، لكن سيستغرق الأمر بضعة أيام لأعود بنسبة مئة بالمئة".

ترفع عينيها عن كتابها لأول مرة: "أبدو بحال جيدة بما يكفي لأصرخ في وجهك؟"

أنظر إلى كوراكس بحثاً عن إجابة، لكنه مشغول جداً بإعادة عُشّه إلى حالته المثالية: "أظن ذلك؟ سأخبرك إن أصبح الأمر يفوق الحدّ".

تضع كاسي علامة ورقية في كتابها وتضعه جانباً برفق: "رائع".

وتنطلق كلماتها وكأنها تدربت عليها: "أستتوقف بحقّ عن تعريض حياتك للخطر لكيلا نضطر نحن لتعريض حياتنا للخطر؟ نحن محترفون، دَعنا نقوم بأعمالنا اللعينة! لقد مللت ورئست من رؤيتك تكاد تموت كل بضعة أيام".

لا تعتذر، اشرح. يتبادر إلى ذهني أحد الدروس الأولى التي علمتني إياها آيفي.

"لا أظنني أستطيع العيش مع نفسي إن مات أحدكم وكان بإمكاني إيقاف ذلك. كان اختراق الآلي الخيار الأنسب للأمان".

تلين عينا كاسي قليلاً، لكن وجهها يبقى جاداً.

تطرح سؤالاً بلاغياً قبل المضيّ قدماً: "هل كان اختراق ذكاء اصطناعي لأندرويد مُصمَّم خصيصاً لقتل الذكاء الاصطناعي هو الخيار الأنسب للأمان؟ لا أقتصر على ذلك فحسب. لم يكن عليك اختراق بنتهاوس إيت. دَعنا نحل مشاكلنا بأنفسنا".

أقول بهدوء: "لم أرد لكم قتل المزيد من الناس. وحين سمحت للجميع بذلك، لم أستطع تحمُّل الأمر، وكان يمكن أن تفقدوا أكثر بكثير من ذراعكم".

تبدأ الدموع في السقوط من عيني رغماً عني.

تقف وتمشي نحوي وتجلس بجانبي: "فقدت ذراعي بسبب غبائي. كنت متسرعة، إنه خطئي لا خطؤك. لكن إن واصلت القفز أمام كل رصاصة تراها، ستفقد أكثر من ذراع أنت أيضاً".

لقد اختفى أي غضب كان في صوتها تماماً.

أقول بهدوء: "سأحاول. الأمر مرعب فحسب".

تقول وهي تنظر إلى ساقيها لا شعورياً حين تنطق بذلك: "أعلم، لكنه درس عليك تعلمه قبل فوات الأوان".

تنظر بعيدا بينما أمسح الدموع عن وجهي.

"آسف على كل شيء".

"لا بأس".

تنفض اعتذاري قبل أن تقف وتلتقط كتابين. تعود إلى مقعدها المجاور لي مباشرة، وتضع أحد الكتابين على الأرض بيننا وتبدأ في قراءة كتابها.

"أنا بخير، لكن شكراً لك. القراءة ستجعل شفائي يستغرق وقتاً أطول فحسب".

"حسناً، لكنه لك إن احتجت إليه".

أسند ظهري وأحول كامل تركيزي مرة أخرى نحو إصلاح عقلي. أترك أذني مفتوحتين، تحسباً لأن تحتاج كاسي إلى شيء، حتى وإن كانت معالجة الرياح تستهلك العشرات من الخيوط. لن يبطئني ذلك كثيراً.

أكسر الصمت المريح بعد ساعة: "هل هناك ما يمكنني فعله لمساعدتك على النوم؟"

تُجيب: "أحتاج فقط إلى ما يحجب هذا الصفير اللعين".

"يمكنني أن أقرأ لك".

ورغم علمي أنها لن تقبل، إلا أن المحاولة تستحق العناء.

تقول بحماس وتبعد عينيها عني: "نعم! أعني، أجل، قد يساعد ذلك".

"حسناً".

آمل أن تكون منهكة للغاية بحيث لا تلاحظ المفاجأة في صوتي وعلى وجهي. ألتقط الكتاب الذي وضعته بيننا وأبدأ بالقراءة. ورغم أن هذا سيُبطئ شفائي قليلاً، إلا أنه يستحق العناء لمساعدتها على النوم. تفُك كاسي كيس النوم الخاص بها من حقيبتها، وتنفض عنه بعض الرمل، وتستلقي على الحصة الصغيرة في الزاوية. بعد الكثير من التقلب والتلوّي، تستقر أخيراً في نوم مضطرب. لكنني لا أتوقف عن القراءة، حتى بعد أن تستغرق في النوم.

في كل مرة أحاول فيها، يزداد نومها اضطراباً. علاوة على ذلك، إنها قصة رائعة حقاً، ومن الجميل أن أستطيع القراءة لكوراكس مرة أخرى. بالطبع، لا يمكن لليلتنا الجميلة أن تدوم إلى الأبد. بعد ساعات قليلة من شروق الشمس، يُوقظ طارق على الباب كاسي بفجأة، والشخص الذي في الخارج يسمح لنفسه بالدخول. يغلق فينس الباب خلفه ويدفع قبعته عن عينيه ويعيد منديله إلى عنقه.

يقول فينس بصوت عالٍ يعلو الصوت الدائم وبابتسامة: "صباح الخير أيها الثلاثة".

تسرع كاسي للخروج من كيس النوم.

"سنتناول الإفطار في غرفة آيفي إن اردتما الانضمام".

تقول كاسي بسرعة: "سأكون هناك خلال دقيقة".

"لا ينبغي لكوراكس وأنا مغادرة هذه الغرفة".

يسأل فينس: "لم لا؟"

أشرح: "بناء كوراكس شديد التعقيد. إن أجبرت العاصفة ولو حبات رمل قليلة على التسلل بين ريشه، فقد يتعطل. لن يكون ذلك مؤلماً للغاية فحسب، بل لا أظن أنني سأكون قادراً على إصلاحه بالأدوات المتاحة لدي".

حتى وإن لم يكن حدوث ذلك مرجحاً للغاية، فأنا لست محظوظاً أبداً.

"حسناً، ما رأيك أن أذهب لإحضار آيفي ونتناول الطعام هنا إذن؟"

"لا يتعين عليك فعل ذلك. سنكون كوراكس وأنا بخير وحدنا".

ما زلت بحاجة للعمل على عقلي، والمحادثة الكبيرة ستشغل الكثير من خيوطي الحرة. بغض النظر عن مدى روعة قضاء الوقت مع الجميع، فهو ليس التصرف المسؤول.

"ليس مشكلة بالنسبة لي أن أذهب لإحضارها. علينا توصيل الطعام للجرحى على أي حال، لذا لن كأنكم تجبروننا على الخروج إلى العاصفة".

"حسناً".

لا يمكنني الجدال في ذلك، فمنطقه معقول. بالإضافة إلى أنني متأكد من أنهما يريدان التحدث عن سير عملية شفائي. لا أريد الإصرار على البقاء وحدي وجعلهما قلقين.

يسحب فينس منديله، ويخفض قبعته، ويعود إلى العاصفة: "أراكم بعد ثانية".

أسأل كاسي: "كيف هي الأجواء في الخارج؟"

تهز كاسي كتفيها وتجلس على مسافة مناسبة مني: "ليست سيئة بحقّ كالقدر الذي ستكون عليه العاصفة الحقيقية، إنها مزعجة لكنها لا تسلخ جلدي على الأقلّ".

"هل تفعل العاصفة ذلك؟"

هذا مرعب.

"بلا مأوى؟ أجل. حتى مع ملابس سميكة بما يكفي، فالاحتمال الأكبر أن ينتهي بك الأمر مدفوناً".

أظن أن لوكاس قد قال إن الرمل ليس رملاً حقيقياً، بل شيئاً شبيهاً به وأكثر حدة بكثير من الحقيقي. ماذا سيُحدث ذلك لإنسان؟ يبدأ عقلي في توليد صورة.

يتحدث كوراكس من عُشه قبل أن تنتهي الفكرة: "حذار".

إنه محق، لا أريد أن أرى أي شيء يصنعه عقلي.

تتحدث كاسي: "هي، يا أزرق؟ لا تخبر آيفي أو فينس بما فعلته البارحة".

أسأل: "تعني أنني قرأت لك؟"

"نعم، في الواقع، لا تقل ذلك مرة أخرى أبداً".

لا أستطيع استخلاص مشاعرها من صوتها. أياً يكن سبب رغبتها في ألا أُخبر أحداً فهو لغز.

"قُل فقط إنني لم أستطع النوم، وجئت إلى هنا لأنني كنت أعلم أنك ستكون مستيقظاً".

"لا أريد أن أكذب".

تقول دفاعاً عن نفسها: "ليست كذبة! هذا هو السبب الوحيد الذي جعلني أتي إلى هنا".

"حسناً".

بعد دقائق قليلة فقط، يسمح فينس وآيفي لنفسيهما بالدخول ومعهما حفنة من الجرار المغلّفة المليئة بالطعام. شعر آيفي متشابك من الرياح والرمل، وتجلس فوراً وتبدأ في العمل على إصلاحه.

تُشاكس آيفي كاسي: "هل تعاني الآنسة المثالية صعبة المراس وقتاً عصيباً؟"

تعترف: "قليلاً. أنا مسرورة لرؤية أنك قضيت ليلة ممتعة على الأقلّ".

يتحول وجه كاسي إلى اللون الأحمر فوراً.

"لم أستطع النوم فحسب".

تُلقي آيفي نظرة على كاسي، لتتلقى غطاءً يُقذف عليها في المقابل: "آه-ها".

يتجاهل فينس الاثنتين تماماً ويسألني: "كيف تشعر أيها الأزرق الصغير؟"

"أتحسن، لكن إصلاح عقلي عملية بطيئة. في المرة الأولى التي تحطمت فيها استغرق الأمر ثلاثة أيام من العمل المخصص لأعود إلى حالة عاملة، لكني أتعامل مع الأمر بشكل أفضل هذه المرة".

يبدو فينس قلقاً: "متى حدث ذلك؟"

"قبل".

أقول أقل قدر ممكن للشرح.

يهدأ قليلاً، ويجلس إلى الوراء ويفتح جرة حساء الخضار الخاصة به: "آه، صحيح".

أسأل: "أين الرضيع؟ كنت أظن أنك ما زلت تواسيه".

"مع بايج، المرأة التي اضطررت لقطع ساقها. إنها تصر على العناية بالصغير. يبدو أنه كان طفل صديقتها المفضلة".

"أه".

لست متأكداً تماماً كيف أعالج ذلك الآن. إنه أمر محزن بالطبع، لكن ربما يكون أسهل قليلاً نظراً لأن لديها ما تذكره بصديقتها؟ أم أنه أسوأ، تذكير مستمر بالشخص الذي فقدته؟ ليس لدي ما يكفي من المساحة الفارغة في عقلي للوصول إلى استنتاج.

يدع فينس المحادثة تموت ويركز على طعامه: "نجل".

أسند ظهري وأعمل على عقلي بينما يتناول الجميع طعامهم. لا يتحدث فينس مرة أخرى إلا عندما تصبح جرته نظيفة.

"حسناً، سأذهب للاطمئنان على الباقين، وأرى إن كان بإمكاني التقاط إشارة راديو لبعض البلدات الأخرى. كاسي، تمنحينني يداً؟"

"بالتأكيد".

تسند كاسي ظهرها وتجرع بقية طعامها في جرعة واحدة كبيرة. يغادر اثناهما، ليتركا آيفي وأنا وحدنا.