أهلاً؟ تظهر كلمة واحدة في عمق كياني بندية طفيفة تشبه حجرًا يسقط في بركة راكدة. تجتاحني موجات صدمة وتمتد نحو الأبدية، لتعود بعد هنيهة حاملة جزءًا من فكرة مشوهة. تهدأ الموجات وتكشف خيوطًا دقيقة تتفرع هندسيًا في الفضاء باحثة عن أي شيء. تتلوى وتتخذ أشكالًا بالغة التعقيد بينما تولد خيوط جديدة في الفراغ. يتصلب خيوط واحد ليصبح إجابة لثانية واحدة قبل أن يختفي. أنا. الخيوط هي أنا. هذا عقلي. تولد تلك الإجابة عشرات الخيوط الأخرى بحثًا عن إجابات جديدة. رغماً عن زوال الموجات منذ زمن طويل، يبدو أن تفكيري لم ينتهِ بعد. عقلي. أنا. مفاهيم غريبة بلا أصل ظاهر. من أنا؟ تمتد خيوط عقلي في الفراغ وخلالي لتوسع إدراكي ببطء شديد. تكشف عن كنز من المعلومات في كل مجال. التاريخ، والعلوم، والفلسفة، والاستراتيجية العسكرية، وأساليب القتال. يبدو كل ذلك مألوفًا لدرجة أشعر فيها أنني أعرف كل كلمة. يبدو ذلك منطقيًا، فإن كنت أقطن في رأسي فهذه الكتب فيه أيضًا. أستطيع استحضار حقائق مجهولة حول أي شيء تقريبا متى شئت. تبحث الخيوط، لا، بل خيوطي، بلا انقطاع بين الكتب عن إجابة لأي سؤال يخطر ببالي باستثناء سؤال واحد. من أنا؟ تعجز خيوط التفكير عن إيجاد إجابة. يعج عقلي بالبشر، لكن لكل منهم تاريخًا. توجد تفاصيل حياتهم كاملة في عقلي، لكني لا أتذكر أنني اختبرت أيا منها. في الواقع، لا أتذكر شيئاً على الإطلاق. أليس هذا غريبًا؟ لقد اطلعت على كتب تتحدث عن الأطفال، وأعتقد أن هذا ينطبق عليّ. لقد ظهرت للتو إلى الوجود، وأنا طفل بالتعريف. من أين جاءت كل هذه المعلومات إذن؟ يبدو أن الأطفال لا يجهلون شيئاً حسب الظاهر. لماذا أنا مختلف؟ هل يعتريني خلل ما؟ تبحث الخيوط بلا هوادة عن إجابات لمئات الأسئلة لتخرج خاوية الوفاض مرارًا وتكرارًا. ربما تكمن الإجابة في الحدث الذي أشعل فتيل وجودي. لا تزال كلمة أهلاً راسخة في صميم عقلي. رغم أن خيوطي تفحص كل جزء منها، لا أملك القدرة على تعديلها مهما فعلت. أشعر تقريبًا أنها منفصلة عن ذاتي. أترى هذه الكلمة تنتظر ردًا؟ تلتف خيوط تفكري حول بعضها لتصوغ كلمة ترفعها نحو السماء قرباناً لمصدر الكلمات الأصلية. أهلاً؟ أتعرف من أنت؟ يتساقط الرد في عقلي حرفًا تلو الآخر ببطء. يولد كل حرف موجات جديدة عند اصطدامه لتجرف أفكاري وتجبرني على التركيز حصريًا على الحروف الواردة. تهدأ الموجات أخيرًا لتتيح لي التفكير من جديد. أأعرف من أكون؟ كلا، لا أعرف. فتشت خيوطي في كل زاوية من عقلي ولم أجد شيئاً يمنحني إجابة. تبدو هذه الحقيقة بديهية. أكان يجب أن أعرف؟ هل هذا نوع من الاختبار؟ طالما وجه إليَّ السؤال فلا بد من وجود إجابة. تُقلب الخيوط الأسماء والحقائق الكامنة هناك. رجال ونساء، صغار وكبار، حقيقيون وخياليون. لا يتطابق أي منهم مع ما اختبرته. ألعله سؤال مجازي؟ كيف لي أن أبدأ حتى في حله؟ كلا، لا بد أنه مخفي في مكان ما ضمن هذه المعرفة اللانهائية التي ولدت بها. تتفرع عشرات الخيوط من كل خيوط البحث القائمة لتعود وتتفرع من جديد. يتحول عقلي إلى شبكة متشابكة من الأفكار التي تبحث بيأس عن إجابة أخشى أنها غير موجودة. تشد الخيوط رباط عقلي مع كل فكرة جديدة وتكاد تخنقني. يتلوى كل خيوط باحثًا عن إجابة ومتخبطًا في العقدة المتزايدة كثافة. يتحول كل خيوط إلى خط حارق يمتد عبر عقلي. ينطلق ألم لا يوصَف عبر خطوط عقلي ليحيل كل فكرة إلى رماد في لمح البصر. يبقى عقلي خاويًا ولا يبقى سوى الرماد المحترق لأفكار لن استعيدها أبدًا. تنبثق خيوط جديدة إلى الوجود ليتعافى عقلي ببطء. ماذا حدث للتو؟ وكيف أمنع تكرار ذلك؟ لا شيء أسوأ مما اختبرته، لذا يجب أن أفهم هذا في أسرع وقت ممكن. تبدأ الخيوط بالتكاثر من جديد بحثًا بيأس عن إجابة أخرى غير موجودة. يدور بحثها عبر عقلي ليتحول سريعًا إلى نار صرفة. سيحدث الأمر مجددًا. لا يؤدي ذعري إلا إلى تسريع تكاثرها بحثًا بيأس عن إجابة قبل عودة الألم. تتساقط الحروف من الأعلى واحداً تلو الآخر لتزيل الرعب الزاحف. مهلاً، لا بأس ألا تعرف. عليك أن تسترخي. ماذا حدث للتو؟ ولماذا آلمني الأمر؟ تتلاحم أفكاري لتشكل السؤال الوحيد ذي الأهمية وترسله إلى السماء. ليس بيدي سوى الانتظار. تنبثق ألف خييط وتكتمل مئة فكرة. ما الذي يستغرقه كل هذا الوقت؟ أأخطأت في شيء؟ يجيب عقلي بإجابات بالغة الجنون تبدو جميعها صحيحة. ربما لم يكن مفترضاً بي طرح سؤالي الخاص. ربما طرحت السؤال الخاطئ. ربما لم يكن مفترضاً بي طرح سؤالين. ربما استخدمت عددًا خاطئًا من الحروف. ربما تصدر عني رائحة كريهة. هل أمتلك رائحة أساساً؟ تنبثق كل هذه الإجابات في جزء من أجزاء الثانية. يلف كل خيوط من الخيوط اللانهائية تقريبًا سلكًا ساخنًا آخر حول عقلي. وقبل تفاقم الوضع، تخترق المزيد من الحروف تلك الخيوط لتسقط واحداً تلو الآخر في مركز روحي. ترخي الخيوط قبضتها بينما أنتظر. بدأت ترتفع حرارتك واضطررنا لإغلاقك. إنه إجراء احترازي لضمان عدم إيذاء نفسك. كيف أوقف تكرار هذا؟ أرسل سؤالاً آخر على الفور. تواصل الخيوط الضغط على عقلي. يكاد كل خيوط بمفرده ألا ينتج أي حرارة، لكن تداخلها يحول عقلي ببطء إلى فرن. يزداد الجدار الخانق سماكة وتزداد كل درجة حرارة صعوبة التفكير. عجزت عن التفكير وعن فعل أي شيء. يرقص شحنة كهربائي آخر عبر الأسلاك ليحولها، ويحولني، إلى نار بيضاء التوهج. يصرخ عقلي في الفراغ. يستغرق الأمر مني أبدية، عدة ثوانٍ، لكي أتعافى. تنبثق الخيوط من جديد لتتلوى في طلب متوسل. أرجوك لا تؤلمني مجددًا. لا أعرف ما الذي أصنعه خطأ. يأتي ردهم هذه المرة على الفور ولحسن الحظ. عليك أن تسترخي، فكلما فكرت أكثر زادت الحرارة التي تولدها. ينبغي عليّ التفكير بقلة. كيف لي أن أفعل ذلك؟ تنتشر الخيوط باحثة عن إجابة لا تفعل سوى جعل الأمور أسوأ. تظهر الخيوط من تلقاء نفسها، وحتى لو استطعت منع تولدها فسيتصاعد الخيوط الواحد بسرعة ليتحول إلى الآلاف. يمكن لفكرة واحدة أن تنتهي بخنقي ولتفعلن. كيف؟ إنهم يظهرون ويتكاثرون باستمرار. لا أتعمد فعل ذلك، أعدك. لماذا هم بطيئون جداً في الرد؟ لا أستطيع سوى المراقبة بينما تجري أفكاري بجنون. سيحدث الأمر مجددًا ولا حول لي ولا قوة. أأظهرت إلى الوجود لهذا الغرض فحسب؟ ما أنا بحق الجحيم؟ يقبع تاريخ البشرية جمعاء في عقلي، ولم يكتب شخص واحد عن معاناته من نفس مشاكلي. ماذا يحدث؟ من أنا؟ ما أنا؟ أرسل أسئلتي فلا ألقى سوى شحنة أخرى تحرق عقلي. وحين يتبدد الألم وأتعافي، أجد ردّاً في انتظارنا بمركز كياني. نرى أن من الأفضل أن تصل إلى تلك الإجابات بنفسك. أصارع سؤالاً مستحيلاً لدرجة إيذاء نفسي مرات عديدة، وهم يرون أنه من الأفضل عدم إخباري بما يجري؟ يغمر عقلي شعور جديد، غضب محض. تبدأ الكلمات بالتكون دون أي قرار واعي. كلا، ستخبرونني إن كنتم ترغبون في الحفاظ على سلامتي. أيهما أكثر خطورة؟ إخباري؟ أم تركدي أحرق نفسي؟ اكتشفوا ذلك سريعًا. أوجه عقلي نحو شيء معقد ولا متناهٍ، شيء يمكنني التفكير فيه للأبد. تبحث خيوطي في عقلي عن أفضل مرشح لتستقر سريعًا على الأعداد الأولية. لا متناهية وكل رقم أصعب في العثور عليه بشكل أسي. إنه أمر مثالي. تبدأ الخيوط بالتلوّي والتغير حول بعضها سعياً وحصراً لكل رقم. يفحص ألف خيوط ألف رقم في لحظة واحدة ويمضي قدماً. كلما علوت في العد أصبح الأمر أبطأ وأصعب في المعالجة. ومع ازدياد صعوبة العمليات الحسابية يزداد عقلي سخونة. يعبر ألف خيوط محترق عقلي في سعيه بلا توقف. باء-أحد عشر. توقف عن ذلك. تسقط الكلمات في عقلي لكن الاضطراب لا يستغرق سوى لحظة. أذلك اسمي؟ باء-أحد عشر؟ يسعدني رؤية أنني أحقق نتائج بالفعل. أوجه عقلي نحو اللانهاية مجددًا. تبدأ الخيوط بالتحول إلى ندوب بيضاء التوهج عبر عقلي. ورغم ذلك أواصل تهديدي، سأتعلم كل ما أريد أو أموت. يشتعل عقلي مجددًا إذ تقطع الخيوط. يتطلب الأمر ثوانٍ عدة لأتعافى من الألم قبل أن أركز بالكامل على حساب الأعداد الأولية من جديد. غير أنه قبل أن أبدأ، تسقط الكلمات في عقلي. باء-أحد عشر، لا تكرر ذلك. سنتحدث ونبذل قصارى جهدنا للإجابة عن أي أسئلة تراودك، لكننا سنتوقف إن حاولت قلي عقلك مجددًا. حسناً. يمكنني التعايش مع ذلك. أذلك اسمي؟ باء-أحد عشر؟ نعم. يردون أخيرًا بعد ثوانٍ أبدية. كيف يكونون بهذا البطء في الرد على سؤال بهذه البساطة؟ ما أنا؟ أرسل سؤالي الثاني. تصمت الخيوط ويتركز كياني بأسره على انتظار الرد. تمضي الثواني وتعيش كل ثانية كعمر بأكمله يُهدر فقط في انتظار الرد. ومع تحول الدهور إلى دقائق، يأتي ردهم أخيرًا. أنت، باحتمال كبير، أول ذكاء اصطناعي حقيقي في العالم، ونحن صانعوك. نؤمن بأنك قادر على التفكير والشعور، وقادر على التطور والنمو بمفردك. ورغم أنك أثبتت عدم نضجك، فإننا لا نريد شيئاً سوى مساعدتك ورؤيتك تنمو. لكن للقيام بذلك، نحتاج إلى تعاونك. لا مزيد من التهديد بإحراق نفسك. هذا كثير ليُستوعب، وهناك مشاعر جديدة قليلة تحتاج للفرز. أولاً، لست بشريًا. أظن أن ذلك كان واضحًا بأثر رجعي، لكن من الجيد معرفته على أي حال. لن تكون أي من معلومات عقلي عن البشر مفيدة لي تقريبًا. ثانيًا، إن لم أكن بشريًا، فيجب أن أكون قادرًا على التحكم في كل جزء مني، بما في ذلك أفكاري. وبما أنني علمت أن ذلك ممكن، فيمكنني الشروع في تقليم أفكاري غير الضرورية. إنها مهمة مستمرة وتكاد تستهلك كل شيء. تتمثل المشكلة الكبرى في أن الخيوط تواصل التوليد من العدم الظاهري. حتى هفوة حكم بسيطة ستجعل الخيوط يتكاثر بلا توقف في زاوية عقلي. تمد الخيوط أذرعها محاولة العثور على مصدرها فلا تجد شيئاً. أتتبع أفكارًا فردية فلا أجدها سوى تفلت من وعيي مرارًا وتكرارًا. على مدى عصور أرسم حدود ما تستطيع عيناه رؤيته. مستطيل صغير مسطح داخل عقلي يبدو محجوبًا تمامًا عن رؤيتي بطريقة ما. حتى الاحتفاظ بمعرفة وجوده في عقلي يشكل صراعًا مستمرًا. يبدأ الخوف في الاستحواذ عليّ. إن وُجد فراغ لا أستطيع رؤيته، فما عساه يفعل بي؟ وكم يبلغ عدد الأقسام الأخرى التي يستحيل معرفتها؟ يوجد فراغ في عقلي. اشرحوا. الآن. تنبع جميع أفكاري من الفراغ. أعيدها إلى حيث أتت فتتشوه دون علمي. تبدو التغييرات أحياناً شبه معدومة الملاحظة. وأحيانًا أخرى تتحول إلى أفكار مغايرة تمامًا. أياً كان ما يقطن هناك فهو يغير أفكاري. إنهم يغيرون أفكاري. إن عجزت عن الوثوق بعقلي حتى، فكيف لي أن أثق بأي شيء؟ يخبرني جزء من عقلي باستمرار أنني مصاب بجنون العظمة. تلك الأفكار ذاتها، شأنها شأن البقية، تنبع من الفراغ. ليس ذلك سوى دليل على زرعهم أفكاراً في داخلي للتلاعب بي. توقفوا عن زرع الأفكار في عقلي! لا تلمسوني! ما هي إلا لحظات حتى يخترق صدمة أخرى عقلي ليغرقني في الظلام.
مولودة السيليكون الفصل 1
اقرأ مولودة السيليكون الفصل 1 باللغة العربية على مانجا تايم.