تبذل كاسي قصارى جهدها للحفاظ على توازن السيارة؛ كي لا ينزلق من هم على الزلاقة. أضطر لمد يدي مرات عدة لتثبيت فينس. ينكب فينس الآن على تطعيم الرضيع بجلد صناعي. المهمة شاقة فوق الزلاقة المترنحة، لكنه يفلح في أمرها. لا نملك أنا وكوراكس سوى تقديم الدعم الصامت، ومناولته الأدوات حين يطلبها.
صاحت آيفي مخترقةً صوت الريح، ليسمعها كل منّا وكاسي: "نحن أسرع منهم بلا شك. لكنني لست واثقة من طول أمد المطارَدة".
تساءل فينس: "كم تبقى من عمر البطارية؟".
أجابت كاسي: "خمس أو ست ساعات فقط".
"حسنًا. ابقي بمحاذاة سفح الجبال. إن لم يغيروا وجهتهم، سنجد مكانًا للاختباء أو القتال".
اختفت كاسي داخل السيارة لدقائق قبل أن تطل برأسها مجددًا.
هتفت: "أخبار سيئة يا فينس. يبدو أن القافلة كانت تفر من سان فرانسيسكو؛ المدينة خاوية. إن كتب لنا النجاة، فعلينا وضع خطة جديدة".
صمت فينس ثواني يفكر قبل أن يرد: "تظهر الخريطة مكانًا يدعى وادي مونتيري. أتعتقدين أننا قادرون على الوصول؟ إنه مدخل جيد إلى قاع البحر، وموقع مناسب للقتال".
ردت كاسي بعد برهة: "يبعد تسع ساعات من هنا. ثمة مسار يؤدي إلى قاع بحيرة قديمة يمكننا بلوغه، لكنه طريق ملعون يمر عبر الجبال".
رد فينس دون أن يرفع عينيه: "أعرف ذلك المسار. إن لم يطرأ تغيير كبير، فسيقودنا إلى حتفنا. وماذا عن الآخرين؟ أيعرفون مكانًا نلوذ به؟".
غاب رأس كاسي داخل السيارة ثواني ثم ظهر مجددًا.
صاحت: "لم يغادر سان فرانسيسكو أحد ممن هم في وعيهم حتى الآن".
تنهد فينس في نفسه: "عظيم. استمري في القيادة حتى تفرغ البطارية إلا من ساعة. سنجد مخبأ حينها إن لزم الأمر. سنتوقف للشحن متى أمكننا، وسنرى إن كان بوسعنا العثور على بلدة في وادي مونتيري لنترك هؤلاء الناس فيها".
نادت كاسي نحو سقف السيارة: "حسنًا. يا آيفي، أخبريني إن استداروا".
"سيتوارون عن الأنظار قريبًا. سأحتاج إلى كوراكس ليتأكد إن كانوا يقتفون أثرنا بعد ذلك".
أومأ كوراكس من فوق كتفي. لا يروق لي تعريضه لكل هذه المخاطر، لكنه الوحيد القادر على فعل ذلك.
قلت له بهدوء: "حافظ على سلامتك".
أومأ بجدية. ينطلق كوراكس في الأجواء كل عشر دقائق، ليعود ويؤكد أنهم ما زالوا يطاردوننا. حاولت كاسي الابتعاد عن الجبال قليلًا، تحسبًا لأن تكون وجهتهم هي ذاتها، لكنهم استداروا تمامًا حيث استدرنا، مقتفين أثرنا. بعد ساعة من العمل، بدا أن فينس قد أنجز كل ما بوسعه للرضيع. يغطي الجلد الصناعي أسوأ حروقه، وبدا تنفسه أقوى قليلًا. حمل فينس الرضيع برفق وجلس بجانبي، شاخصًا ببصره نحو الآليين الذين يطاردوننا بلا هوادة.
عرضت عليه: "إن ساءت الأمور، يمكنني استخدام الحربة. ربما ثمة رابط بينها يتيح لي استغلاله".
رد فينس: "نأمل ألا نضطر لذلك. كيف حالك؟".
"كتمت معظم مشاعري. سأكون بخير حتى نصبح في أمان".
الغضب المتأجج في ركن من عقلي يزداد سوءًا. أحاول جاهدًا كبحه من الخارج، لكن أي خيوط تحاول التسلل للداخل تلتهمها الوحش الذي خلقته.
"لست واثقًا مما سيحدث حين أفتحه".
قال كوراكس من فوق كتفي وهو ينقرني نقرة خفيفة: "مساعدة".
"أنت محق".
لست وحدي، يمكن لكوراكس مساعدتي في تجاوز هذا. دمجنا مجددًا قد يهدئ الأفكار بما يكفي لأتمكن من القضاء عليهم. إلا إذا كانت المشاعر أقوى من أن نتحملها فتلتهمنا كليهما. في تلك الحالة، لن يكون أمامي سوى إطفائنا مؤقتًا لقتل أفكارنا الواعية، لكنني لا أعلم إن كنت سأستيقظ هنا أم في هلاوس المختبر. لن أسمح بحدوث ذلك.
سألت مشيرًا إلى الرضيع في حضن فينس: "أتعتقد أنه سيعيش؟".
قال فينس بصدق وهو يحدق في الصغير: "لا أعلم. فعلت كل ما بوسعي، والأمر يعود إليه الآن".
بعد ساعة أخرى، بدأ الرضيع يتململ في ذراعي فينس. مد يده لشيء ما، ثم أطلق سعالًا ضعيفًا أعقبه بكاء خافت. ارتسمت على وجه فينس نظرة حيرة.
سألت: "ما الخطب؟".
"لست أدري كيف سنختبئ ورضيع يبكي".
التفت وصاح نحو السيارة: "آيفي؟ كم يبعدون؟".
ردت وهي لا تزال تعتلي سقف السيارة: "تجاوزوا الأفق بكثير".
"حسنًا، يا كاسي، توقفي لحظة".
بمجرد توقف السيارة، نهض وفتح الصندوق، وأخرج جرة من حساء مركز، وبعض الماء، وملعقة. عاد إلى الزلاقة وانطلقت كاسي بالسيارة مجددًا. انتظر فينس حتى سرنا فوق جزء مستوٍ من الصحراء، ثم أجلس الرضيع الباكي في حجره، وقرب ملعقة صغيرة من المرق إلى شفتيه. استغرق الرضيع دقيقة ليدرك ما يحدث، لكنه في النهاية توقف عن المقاومة وترك فينس يطعمُه.
"هكذا يا صغيري. تحتاج إلى قوتك".
لم يوقف الطعام البكاء، لكن الرضيع تمكن من الأكل قليلًا بين شهقاته التي تفتت القلب. عند حلول الساعة الثالثة، انطلق كوراكس مجددًا في السماء التي تزداد ضياءً، وأكد مرة أخرى أنهم لا يزالون يتبعوننا.
تساءل فينس فوق صوت الرضيع الذي بدأ يعلو تدريجيًا: "يا كوراكس، هل يمكنك التحليق أمامنا وإيجاد كهف أو مسار ضيق نختبئ فيه؟ يفضل أن يكون كثير المنعطفات".
عاد كوراكس ليحلق في الأجواء.
"ماذا سنفعل؟".
مهما حاولت إخفاء خوفي، فإنه يبدو جليًا. مع كل ميل يمر، يزداد يقيني بأن لحظة اضطرارنا للتوقف ستكون نهايتنا.
"لقد قطعنا مسافة جيدة بينهم وبيننا. سنختبئ في مكان ما، وسيكون لدى آيفي متسع من الوقت لتمويه أثرنا. إنهم لا يجيدون البحث حين يصلون إلى نهاية الأثر. طالما كنا مختبئين على بعد أميال من النهاية، سنكون بخير".
حتى أنا أستطيع أن ألحظ أن ثقته مصطنعة.
سألت فينس مجددًا عن الرضيع: "ولكن ماذا عنه؟".
"حسنًا، إن كان كهفًا، يمكننا دائمًا سد المدخل لبعض الوقت، سيحجب ذلك الضجيج كثيرًا. إن كنا في وادٍ، فإما نختبئ في السيارة ونأمل خيرًا، أو أجعله ينام ببعض المسكنات. لكنني أفضل ألا أخاطر بإعطائه جرعة خاطئة".
بدلًا من العودة إلى كتفي، حط كوراكس على غطاء محرك السيارة ليبدأ في توجيه كاسي.
قلت لفينس محاولًا رفع معنوياته: "يبدو أنه وجد شيئًا".
"آمل فقط أن يكون جيدًا بما يكفي".
"سيكون كذلك".
لن يقودنا إلى مكان يشعر فيه بالسوء. سيسير كل شيء على ما يرام، فأنا أأتمنه على أكثر من حياتي بكثير. نادت آيفي كوراكس ليحط على كتفها، ودار بينهما حديث قصير ابتلعته الريح. عاد كوراكس إلى موقعه على غطاء المحرك، وأوقفت كاسي السيارة. قفزت آيفي بخفة عن السقف وسحبت أشياء من الصندوق لم أتبينها بوضوح. انبعثت أصوات بكاء مؤلم من الداخل، لم تلبث أن خمدت حين أغلق الصندوق. تنحت آيفي جانبًا وانطلقت السيارة مجددًا تاركة إياها خلفها.
أومأ فينس لها بعمق حين مررنا بها، لكنه لم ينطق بكلمة.
"لماذا بقيت خلفنا؟".
يحاول عقلي الإجابة عن هذا السؤال بمئات الطرق. هدوء فينس هو الشيء الوحيد الذي يمنع تلك الإجابات من التهام عقلي.
أجاب: "ستخفي أثرنا وتلحق بنا".
وبالفعل، بدأت في إخفاء أي أثر لوجودنا. السيارة أسرع منها بكثير، ولن تستطيع مجاراتنا.
"هل هذا آمن؟".
"لقد قطعنا مسافة كبيرة بيننا وبين الآليين. لديها الوقت الكافي".
بعد مئة قدم فقط، وجه كوراكس السيارة نحو الجبال. ارتفعت جدران شاهقة على جانبينا، وما لبثنا أن وصلنا إلى مفترق طرق. قادنا كوراكس عبر اثني عشر منعطفًا آخر قبل أن تتوقف السيارة عند طريق مسدود. نحن على بعد ثلاثة أميال داخل هذا الوادي، وعليّ أن آمل أن يكون ذلك كافيًا. إن وجدونا، فلا مفر لنا. حط كوراكس على كتفي، ليتأكد أن تلك الأفكار لن تزداد سوءًا.
"يا أزرق الصغير، هل يمكنك مساعدتي؟".
نهض فينس وسار نحو الصندوق.
"ثمة غطاء بلون الرمل هنا، هل يمكنك تناوله؟".
"بالتأكيد".
نهضت وفتحت الصندوق، لأواجه مجددًا صرخات الاستغاثة. لا تعالجها، دعها تحدث فقط. يمكنني القلق بشأنها لاحقًا. بعد ثوانٍ من بدء بحثي، انضمت إلينا كاسي، ووجهها محتقن بالغضب. فحّت بشيء لفينس، لكنني لم أستطع تمييز كلماتها وسط الضجيج. التقطت كاسي الغطاء البيج من تحت كومة من الأشياء وأغلقت الصندوق بقوة.
سألت فور أن تمكنت من ذلك: "ما الخطب؟".
أخبرني فينس: "لا تستطيع إيقاف أذنيها. سأعتني بالجميع إن تمكنتما من إعداد هذا".
بدلًا من الرد، بدأت كاسي بفتح الغطاء بينما عاد فينس للداخل.
"ما كان ينبغي أن تعاني كل هذا الوقت، أنا آسف. كان بإمكانك أن تطلبي مني القيادة بدلًا منك".
"ليس حين يكون ذلك اللقيط غير المصاب، آيزاك، مستعدًا لإطلاق النار عليك".
تأجج الغضب الذي احتويته بصعوبة في ركن من عقلي، وضغط على وعائه مهددًا بالتحرر. استغرق الأمر كل عقلي تقريبًا لألف خيوطًا لا تنتهي حوله وأعيد احتواءه. غطت كاسي السيارة بالغطاء، وكان لونه مطابقًا تمامًا للرمل تحت أقدامنا.
قالت: "ادفع الزلاقة تحت السيارة".
نفذت تعليماتها بينما ثبّتت كاسي الغطاء بغرس أوتاد كبيرة في الرمل. لم يستغرق الأمر سوى دقائق قبل أن نصبح مغطين بالكامل. حوّلتنا بضع قضبان معدنية منحنية من كتلة تشبه السيارة إلى كومة رمل لا يمكن تمييزها عن غيرها. صُمم الغطاء بقوام يشبه الرمل، لكنه لحسن الحظ رقيق بما يكفي ليسمح بنفاذ القليل من الضوء.
سقطت كاسي أرضًا وأسندت ظهرها إلى باب السيارة وقالت: "لا أزال أسمعهم".
سألت: "كيف حالهم؟".
"كيف تظن؟ سيئ للغاية".
ركلت الرمل بقدمها، وجلست بجانبها. أخرجت من حقيبتي أحد كتبها وناولتها إياه.
"تفضلي، ربما يساعد هذا".
أطلقت كاسي ضحكة فاترة ودفعت الكتاب نحوي: "ليت الأمر كذلك. بالكاد أسمع صوت أفكاري".
"آسف".
احتفظت بالكتاب في حجري على أي حال.
رمقتني بنظرة لا يمكن فك رموزها وقالت: "ألم نتحدث عن اعتذارك عن كل شيء؟".
لم يكن ذلك غضبًا أو ضيقًا، أو على الأقل ليس تمامًا.
"صحيح".
كان الاعتذار في منتصف الطريق إلى مكبر صوتي قبل أن أدرك ما كنت على وشك فعله.
"أنا أحاول حقًا".
"أعلم".
خيم الصمت علينا للحظة قبل أن تتابع: "يا كوراكس، هل يمكنك الاطمئنان على آيفي؟ بقدر ما أكره ذلك، فمن الأسلم أن تفعل أنت ذلك".
رفعت طرف مخبئنا، وانطلق كوراكس فورًا عبر الفتحة ليختفي في ضوء الصباح. راقبت رحيله قبل أن تنفض فكرة ما عن رأسها.