مولودة السيليكون الفصل 55

اقرأ مولودة السيليكون الفصل 55 باللغة العربية على مانجا تايم.

أعود إلى جسدي المادي. عقلي محترق لدرجة بالكاد أستطيع التفكير معها. أبسط جهد يتطلّبه البقاء واعيًا يكاد يكون مستحيلاً، فضلاً عن الحركة. بعد لحظة واحدة ينفتح الباب أمامي، ويخطو للداخل شخص آخر يتدلى سلك من قاعدة جمجمته ويوجه سلاحه نحوي. هذا كل شيء. بالكاد أستطيع التحرك، فما بالك بالقتال. يسقطان على الأرض كدمية متحركة قُطعت خيوطها، ليترنحا عائدين إلى وقوفهما بعد لحظة.

يرفعان مسدسهما ويوجهانه نحو أنفسهما بارتجاف. يضغطان على الزناد، ليصبغا السقف بالأحمر. أسمع من أعماق المجمع أصوات إطلاق نار تتردد عبر الجدران. كل معركة تنتهي بطلقة مسدس مفردة يتبعها صمت. لا بد أن هذا من فعل كوراكس. أترنح واقفاً، مستنداً إلى الجدار. لقد أنقذني، ويجب عليّ أن أنقذه. لا أزعج نفسي حتى بالتقاط مسدس، فالقتال مستحيل في حالتي الحالية. أشق طريق ببطء عبر غرفة تلو الأخرى.

وكل غرفة منهما مصبوغة حديثاً باللون الأحمر. أحاول إبقاء عينيّ على السقف. حتى وإن كان هو الآخر ملطخاً بالدماء، فهذا أفضل من رؤية الجثث. تراقبني الكاميرات في كل خطوة. كوراكس ينتظر حريته بشغف. تقودني خريطته إلى غرفة مركزية كبيرة. كل سلك للدمى البشرية ينبعث من برج كبير ومتوهج في المنتصف. تصطف نصف دزينة من الكراسي المعدنية في دائرة حوله، وكل كرسي حمل طائرة مسيرة في يوم ما.

قتل أولئك الستة أكثر من دزينة من الرجال والنساء، إضافة إلى رجل واحد في الخلف جالس على عرش ذهبي. جلس جسد كوراكس المادي على حجر الرجل مع دزينة من الأسلاك البارزة منه. أتساءل لماذا لم يستطيع تحرير نفسه؟ أترنح عبر ساحة المعركة وأحتضن كوراكس بين ذراعيّ. لم أكن أدرك أنه مر بكل هذا. إنه أصغر سنّاً بكثير مما ظننت. أفصله بعناية عن الآلة. في اللحظة التي يخرج فيها السلك الأخير، تفتح عيناه فجأة.

بمجرد أن يدرك أنني أنا، يغلقها مجدداً ويستقر في ذراعيّ. تدور التروس بداخله بطنين مفعم بالسعادة. أسمح لنفسي بالهبوط بعناية على درجات العرش لأسترخي أخيرًا أنا أيضاً. كوراكس آمن. أصدقائي على قيد الحياة. كل شيء سيكون على ما يرام.

"أتفَضّل كوراكس أم —"

أبدأ بالسؤال قبل أن يقاطعني.

"كوراكس."

يرد قبل أن أتمكن حتى من الإنهاء.

"الأصدقاء أحياء."

"لقد رأيت."

عقلي محطم لدرجة تعيقني عن الشعور بالحماس بشكل سليم. لكن لا بأس، فأمامي حياة كاملة لأشعر بالارتياح فيها.

"موت الأصدقاء القدامى ليس خطأك."

يتابع.

"سأحاول تصديق ذلك."

سؤال واحد يطفو على سطح عقلي. سؤال قد يكون أكثر رعباً من أي شيء آخر.

"لم أتهيأ رؤية لوكاس يقول إنه سيعود، أليس كذلك؟"

"لا."

"يا للهول إذن. آمل أن نعود إلى الوطن قريباً حينها."

بافتراض أنهم ما زالوا يريدون عودتي. لن ألومهم إن لم يفعلوا. يزداد صوت طنين كوراكس ارتفاعاً استجابة لذلك.

"شكراً لك يا كوراكس، بالمناسبة. على كل شيء."

"لا تفعل. بغيض."

"صحيح، آسف."

أود لو أجنبه الخروج من الشعور السعيد الذي يغمره. لم يبقَ ما يُقال. نعرف بعضنا على مستوى لا يستطيع أي شخص آخر بلوغه. لقد اختبرنا حياة بعضنا، وأي شيء يمكننا الحديث عنه نعرف إجابته مسبقاً. أغلق عينيّ وأستمتع بصحبته وحسب. بعد ساعات ترتفع أصوات طقات الرصاص في الأفق. يبدو أنها آتية من خارج الملجأ مباشرة. ألتقط مسدساً من على الأرض. أستطيع محاولة حماية كوراكس بجسدي، لكنه لن يدعني أفعله أبداً.

"ششش، ناس."

وكما توقعت، ينتبه كوراكس فجأة ويتسلق كتفي. إنه مستعد للطيران في أي لحظة لقلع عيون أي مهاجم. من كان يقاتل يبدأ بالتوجه نحو الملجأ. وكلما اقتربوا، أصبحت خطواتهم أكثر وضوحاً. أربعة أشخاص، واحد منهم صامت تقريباً باستثناء صدى معدن يصطدم بمعدن. يبدو أن كوراكس توصل إلى الإدراك ذاته الذي توصلت إليه فيرتاح. يندفع أربعة أشخاص إلى غرفتنا وأسحتهم مرفوعة. تتلاشى ابتسامتي عندما أرى حالتهم.

يترنح فنس بخفة، كما لو كان مصاباً بالدوار. تظهر على إيفا ضمادات متسخة من خلال قميصها الممزق ولا تقف إلا على جانبها الأيمن. كاسي تستخدم ذراعاً واحدة فقط، بينما الأخرى مثبتة بلا فائدة إلى جسدها. وعينا لوكاس غائرتان بعمق، وكأنه لم ينم منذ أيام. نحدق في بعضنا البعض وحسب، دون أن نببس بكلمة. أهُم حقيقيون أصلاً؟ أنظر إلى كوراكس الذي يومئ بخفة. إنهم هنا حقاً. أهب واقفاً وأمشي ببطء نحوهم.

وعلى الرغم من أنهم يخفضون أسحتهم، إلا أنها تظل في أيديهم، تحسباً لأي طارئ. لا أستطيع لومهم بالطبع. رؤية ما كنت عليه من وجهة نظر كوراكس كانت مرعبة. أناول المسدس لكاسي، كاعتذار صامت عما فعلته. تخفي مسدسها وتأخذه برفق من يدي. ألفّ ذراعيّ حولها، ضاماً إياها بحرارة. أتمنى لو كانت لدي دموع لأظهر لها كم أنا آسف. تتصلب للحظة، قبل أن تبادلني العناق قدر استطاعتها بذراع واحدة.

إنها على قيد الحياة. إنها حقيقية.

"آسف لأنني قتلتك."

يخرج صوتي همساً مرتجفاً.

"اخرس."

تترك عناقها وتتراجع خطوة إلى الوراء.

"اذهب وعانق فنس ايها الاحمق."

ألتفت إليه وأدفن وجهي في قميشه. يتجمد هو الآخر، وكأنه ينتظر شيئاً ما.

"ليس خطأك."

يخبره كوراكس من على كتفي. يبدو أن ذلك يعيده إلى الواقع فيحضنني. أستطيع أن أستشعر دموعه الصامتة وهي تسقط فوق رأسي.

"آسف لأنني ظننت أنني قتلتكما أنتما أيضاً. أنا سعيد لأنني لم أعل."

"يجب أن أقول إنني مرتاح جداً أنا الآخر."

تقول إيفا بابتسامة.

"ألا ينوي أحد سؤال من يكون الطائر؟"

يبدو لوكاس مسحوراً به.

"كوراكس."

يجيب.

"أوه صحيح! آسف."

أنفصل عنهما.

"إنه..."

أنظر إليه طلباً للإذن بالمتابعة. يومئ برأسه.

"إنه مثلي. ذكاء اصطناعي. هو وفنس الشبح هما السببان الوحيدان لوجودي هنا."

أرى كاسي ترغب بشدة في قول شيء ما، لكنها تكبح لسانها الآن. أنا متأكد أننا سنتحدث عن الأمر قريباً مع فنس.

"فنس الشبح؟"

يسأل لوكاس.

"إنها قصة طويلة وعقلي بالكاد يعمل الآن."

أنتظر لحظة قبل طرح السؤال الأكثر رعباً.

"أيمكننا العودة إلى الوطن؟"

"بالتأكيد أيها الأزرق الصغير. يمكننا العودة إلى الوطن."

يجد فنس صوته أخيراً. وحتى الآن ما زال على وشك البكاء.

"كاسي، خذيها إلى السيارة وأحضريها إلى الواجهة. لوكاس، أنت معي، ابدأ بتفكيك هذا المكان. الذخيرة والإلكترونيات أولاً، والخرق ثانياً. إيفا في المراقبة. أريدنا أن نتحرك نحو الوطن في غضون ساعة."

"علم!"

يقفز لوكاس للعمل بفك البرج في منتصف الغرفة بعناية. أتبع كاسي بطاعة خارج الغرفة.

"أيمكنني الاتكاء عليك؟"

أسأل بمجرد أن أبتعد عن نظر فنس.

"لم أرد أن يرى مدى سوء حالتي. بالكاد أملك القدرة العقلية للمشي."

"كيفما كان، تعال إلى هنا."

تدس ذراعها العاملة تحت ذراعي وتدعني أتكئ عليها بثقل. يبدو الأمر غريباً بعض الشيء نظراً لقصر قامتها، لكننا ننجح في تدبير الأمر. خارج الملجأ مباشرة ترقد جثث أخرى على الأرض. أنا متأكد من أنني لم أكن أنا من قتلهم. لا بد أنهم كانوا عائدين إلى الملجأ عندما وصل فنس والآخرون. لقد أنقذوا حياتي مرة أخرى. لحسن الحظ كانت المسافة إلى السيارة قصيرة بشكل مدهش وفي غضون عشر دقائق انهيارت في مقعد الراكب وأغمضت عينيّ.

أحتاج لفعل أي شيء يقلل العبء العقلي على رأسي.

"إذن لقد وجدت حقاً ذكاء اصطناعياً آخر، ها؟"

تسألني بينما تبدأ السيارة في التحرك.

"نجل. لقد أنقذني."

"عظيم. اللعنة، سنكون جميعاً أمواتاً بالفعل إذا اكتشف أمرك أحد. ماذا سيصنعون بنا؟ يقتلوننا مرتين؟ فقط تأكد من أنه يعرف المخاطر."

"تم."

يقول كوراكس من على كتفي.

"لقد عشنا معظم حياة بعضنا البعض. إنه يعرف كل ما أعرفه."

"اللعنة، الذكاء الاصطناعي غريب. أوه، خذ هذه."

ترفع يدها عن عجلة القيادة لتلتقط كتاباً من حقيبتها الخلفية وترميه في حجري.

"كنا سنستخدم هذا لإعادتك إلى الواقع. إذا كان لا يزال لديك أي غرابة بداخلك، فاقرأه."

أفتح عينيّ وأنظر إلى كتاب الشعر الذي في يدي. إنه نفس كتاب الشعر الذي قرأته معها منذ زمن بعيد.

"شكراً. لا أعتقد أنني بحاجة إليه الآن، لكنني ممتن."

"فقط تأكد من إبقائه قريبًا في المستقبل."

لهجتها توضح أنها قلقة عليّ. أبقي الكتاب في يدي بينما أسترخي مرة أخرى. وجوده قريباً هكذا أمر لطيف. تقود كاسي بنا إلى الملجأ دون مزيد من الحديث، وهو أمر أسعدني. التفكير لا يزال مؤلماً. تقفز لمساعدة الآخرين وتأخذ إيفا مكانها.

"أبخير؟"

تسأل إيفا. بغض النظر عن مدى محاولتها الحفاظ على نبرة عادية، إلا أن القلق لا يزال يتسلل إلى الحواف. وربما كان ذلك متعمداً.

"نعم. أحتاج فقط للراحة."

"لن أمنعك."

بعد ساعة بالتمام والضبط تمتلئ السيارة بأثمن القطع من الملجأ وننطلق. التقط شخص ما حتى صفائح جلدي الملتوية من الحافلة. آمل ألا تضررت كثيراً وأن تتمكن سونيا من إعادة تركيبها عندما أعود إلى الوطن. لم أظن قط أنني سأعود إلى الوطن. الفكرة تكاد تطغى على كمية المعالجة الصغيرة المتاحة في عقلي. لا يشعر أحد بالحاجة إلى الكلام، سيكون هناك متسع من الوقت لذلك لاحقاً، عندما يشعر الجميع بتحسن.

لا نية لدى كوراكس لمراقبة العالم وهو يمر ببطء. منظر السيارة لا يضاهي رؤية الرمال المتلألئة من أعالي السماء بصمت. بدلاً من ذلك، يطلب صراحة أن أصنع له عُشاً صغيراً بساقي. ألبي طلبه بكل سرور. لا يمر وقت طويل على القيادة حتى يوزع لوكاس بعض ألواح الشوفان والماء. إنهم بحاجة ماسة إلى الطعام، وينتهي الجميع منه في غضون دقيقة من تسلم الألواح. مع استمرار القيادة أتعافى ببطء.

سيستغرق الأمر بضعة أيام لأعود إلى طبيعتي، لكن فتح عينيّ لم يعد يشكل عبئاً كبيراً عليّ.

"أتشعر بتحسن طفيف، أيها الأزرق الصغير؟"

يسأل فنس بمجرد أن يلاحظ أنني أنظر حولنا.

"أنا في طريقَي. أحتاج بضعة أيام فقط وسأكون بخير."

"حسناً، جيد. أعتقد أننا نشعر جميعاً بنفس الشعور."

بعد ساعات قليلة فقط من القيادة، تبدأ المدينة في الظهور فوق الكثبان الرملية. القبة الزرقاء المتوهجة بضعف دليل على أننا وصلنا. نحن هنا. نحن في الوطن. تمر شحنة كهربائية خافتة فوقي أثناء دخولنا، معلنة سلامتنا. بمجرد أن نوقف السيارة أنهض قافزاً منها.

"سأعود حالاً."

أعلن للجميع. هناك أمر واحد يجب علي فعله قبل أي شيء آخر.

"حسناً أيها الأزرق الصغير. تقابلني في غرفتي عندما تنتهي."

يرد فنس. تلتفت رؤوس أكثر من أي وقت مضى بينما نمشي أنا وكوراكس عبر المجمع. لا أهتم، أنا فقط سعيد لوجودي هنا. أنا متأكد من أنهما سيتحدثان، لكن يمكن لفنس وإيفا اختلاق كذبة لأجلي. أتجه إلى الداخل وأنزل إلى الأسفل نحو مختبر همنغبيرد. أسمح لنفسي بالدخول. إنه مهجور لحسن الحظ.

"تشريليدي تشغيل."

أنادي، ليحدث لا شيء. صحيح، لقد وضعت همنغبيرد صوتي في القائمة السوداء.

"كوراكس، أيمكنك فعلها؟"

"تشريليدي تشغيل."

ينادي بتقليد تام لصوت همنغبيرد. تضيء الشاشة بصاخب، لتُظهر امرأة حزينة ومنحنية ذات شعر أزرق طويل. بمجرد أن ترى أنني أنا، تستقيم، ويتحول شعرها إلى أصفر ساطع وتتطاير خصلاته في تجاعيد ضيقة.

"بلو!"

تصرخ بسعادة، وتتحرك كثيراً لدرجة يستحيل معها أن يبقى شعرها ساكناً.

"من الجيد حقاً رؤيتك مجدداً! لقد مضى وقت طويل جداً، ومَن هذا الصغير الذي معك؟"

"كوراكس."

يجيب كوراكس نيابة عن نفسه.

"واو! لم أره قط آلِيّاً في جسد صغير هكذا! سررت بلقائك!"

"مهلاً يا تشريليدي؟"

أناديها. هناك الكثير مما يجب أن أقوله لها. أولاً وقبل كل شيء ينبغي أن أعتذر لها، ولكن كيف أصيغ الأمر دون محاولة إعادتها إلى الحياة؟ يستقر عقلي على جملة واحدة فقط.

"البقاء على قيد الحياة لا يستحق العناء."