أجهد محركاتي إلى أقصى طاقاتها وأنا أتبع كوراخ. يلصق نفسه بالأرض ولا يسمح لنفسه أبداً بتجاوز قمم تلال الخردة. لست أدري أيفعل ذلك لأتمكن من تتبعه، أم أن هناك سبباً آخر. نُعبر خردة متروكة في الغالب، منعطفاً إثر منعطف، ونتسلق كومة تلو كومة. وفي غضون ذلك، تزداد أصوات ملاحقينا اقتراباً.
"كوراخ! هذا لا يجدي!"
أصيح بأعلى صوت أرجو أن يسمعه، ودون أن يبلغ ملاحقينا.
"اركض!"
يصيح بي مجدداً. لماذا تخلّصت من أسلحتي؟ صحيح أنني ما زلت أحمل رمحي، لكنه لن يقتل سوى شخص واحد في أفضل الأحوال. وحسبما تبدو الأصوات، ربما كان هناك اثنا عشر شخصاً أو أكثر يتبعوننا. صحيح أنني أحمل في رأسي سيلاً من المعلومات عن القتال، لكن مواجهة اثني عشر شخصاً في قتال التحام قريب؟ هذا إن تمكنت من مباغتتهم أساساً؟ ودون سلاح؟ لا أمل لي بالفوز بذلك. ربما أستطيع التسبب بانهيار أرضي في مكان ما؟
غالباً لا، دون جهد مضنٍ. فهذه الكومات تصمد أمام عواصف رملية تتجاوز سرعتها مائة ميل في الساعة، ودون رافعة بطول ميل، تستحيل زعزعة أي شيء. أقل ما يمكنني فعله هو التقاط قطع زجاج حادة وإلقاؤها في طريقهم. ربما لا يرتدي بعضهم أحذية. تباً، إنهم يقتفون أثر خطواتي غالباً، فأنا أرسم لهم طريقاً مباشراً إلينا.
"كوراخ! أبعدنا عن الرمل! بإمكانهم تتبع خطواتي!"
ينفذ كوراخ توجيهاتي رغم حالة الذعر التي تعتريه. يبطئ هذا من سرعة تقدمنا إذ يتوجب علي تسلق أرض غير ثابتة باستمرار، لكنني أرجو أن يستحق الأمر عناءه. أكتشف فوراً أنه لا يستحق شيئاً. حتى مع انعدام صوتي تقريباً، لا يواجهون أي صعوبة في تتبعنا كلبينا. لا بد أنهم يملكون طريقة أخرى لتعقبنا، لكن كيف؟ نفد وقت التفكير على أي حال. يتخذ كوراخ منعطفاً أخيراً فنجد أنفسنا في طريق مسدود وطويل.
يتوقف كوراخ عند النهاية تماماً، قرب كومة حديد ملقاة على الأرض.
"اختبئ."
يحاول يائساً رفع إحدى قطع الحديد. تخونه الرافعة عن تحريك أي شيء. أهرع للمساعدة وأزيح بعض الخردة لأعثر على عش صغير تحته. أكان يعيش هنا؟ أتسلق للداخل وأمد يدي لأجذبه معي.
"لا. أنت."
ينقر على يدي مجبراً إياي على إسقاط المعدن فوق رأسي. ألمحه من بين الشقوق وهو ينطلق عمودياً نحو السماء. وما إن يجتاز قمة أحد التلال حتى ينطلق شبكة من الأعلى، هوت بكوراخ محطماً نحو الأرض في اللحظة التي استدار فيها ملاحقونا. يحيط نحو اثني عشر رجلاً وامرأة يرتدون ملابس ممزقة ويحملون وفرة من الأسلحة والسكاكين بكوراخ المتخبط بسرعة. يقفون على بعد أقدام قليلة من مخبئي.
"يا هؤلاء، الطائر الصغير فقد صوابه."
ينحني فوق كوراخ رجل ممشوق ترتبط بجسده ملابس ممزقة تكاد تسقط عنه. يغطي جسده تقاطع فوضوي من الأسلحة والسكاكين. إنه قريب بالقدر الذي يتيح لي مد يدي لالتقاط سلاح، لكن ماذا بعد؟ لا يمكنني قتلهم جميعاً. وماذا إن لم تكن أسلحتهم ملقمة؟ لا بد أن يلحظني أحد إن حاولت، لكني هل أتركهم يأخذون كوراخ هكذا؟
"كيس كان قلقاً للغاية بشأنك في العاصفة الأخيرة. لمَ لا نأخذك إلى البيت أيها الطائر الصغير؟"
يلتقط الشبكة التي ما زال كوراخ يصارعها ويقف. لقد زالت فرصتي الوحيدة للقتال. خذلته. تماماً مثل كل شخص آخر. يستدير أولئك النفر للمغادرة وهم يضحكون ويمزحون، غير مكترثين أو غافلين عن الرعب المخيم في عيني كوراخ الجامدتين. توقف عن المقاومة وصار يحدق في مخبئي فحسب. أنا آسف يا كوراخ. أنا آسف حقاً. ينعطفون ويختفون. وللمرة الثالثة أفقد صديقي الوحيد. أجلس هناك متجمداً دقيقة تلو أخرى، أملي ناظري في آخر موضع رأيت فيه كوراخ، محتفظاً بتلك الذكرى في طليعة عقلي.
مجرد شخص آخر لن أسمح بنسيانه. تمتد يد من الأعلى لتنتزع صفيحة المعدن التي أختبئ تحتها. وتمتد يد ثانية لمساعدتي على النهوض، يد مألوفة.
"أسترخِ وتدع ذلك يحدث؟ أم سنفعل شيئاً حيال الأمر؟"
وجه فينس مظلل بالشمس من خلفه. أخذت بيده فجذبني نهوضاً وضمني إلى صدري.
"يسعدني رؤيتك يا أزرق الصغير."
"أنت ميت."
أقف مكاني وهو يضمني. لا يمكن أن يكون هنا. إنه ليس حقيقياً.
"هذا لا يعني أنني لا أستطيع مساعدتك، أليس كذلك؟"
يهز كتفيه بابتسامة عريضة على محياه.
"ألسْت غاضباً؟"
أسأله في صدره.
"كلا، لم تكن تلك هي النهاية التي توقعناها تماماً، لكننا تصالحنا جميعاً مع حقيقة أننا سنموت عاجلاً أو آجلاً. والآن، تعال، ريثما تشغل آيفي وكاسي شياطينك الآخرين."
"شكراً لك."
أبادله العناق. يبدو حقيقياً للغاية. يسحبني عبر الممر إلى المنعطف الذي حمل منه كوراخ.
"والآن، أتعرف كيف تقتفي الأثر؟"
ينحني فوق خطوات الأثر في الرمل والخردة.
"نعم، لقد زرعوا الكثير من المعلومات العسكرية في رأسي حين ولدت."
"قد إذن! أنا عديم الجسد بعض الشيء."
يمد يده نحو الآثار لتعبر الأرض من دون أن تمسها. أهذه خدعة ما؟ أسيساعدني في إنقاذ كوراخ، ليعود ويجعلني أقتله بيدي؟ أم أنه...
"هي، يا أزرق الصغير."
يضع فينس كلتا يديه على جانبي وجهي ويجبرني على النظر إليه.
"ليست هذه خدعة. وليست مناورة. دعني أساعدك، حسنٌ؟"
أيقرأ فكري؟ أم أنه يشبه كوراخ، ويستطيع استشعار تداعي نفسي؟ لا مبالاة على ما أظن. يتوجب علي الوثوق به. نشرع في مسيرنا البطيء على طول الدرب. أياً يكن هؤلاء القوم، فلم يحاولوا إخفاء أثرهم البتة. أحرص على أن نتحرك بهدوء وببطء يجنبنا الاصطدام بهم. أفضل قتالهم في قاعدتهم لا في العراء.
"ستكون بخير في قتالهم، أليس كذلك يا أزرق الصغير؟ لا أستطيع حمل سلاح تماماً."
"لقد قتلت ثلاثة أشخاص لإنقاذ كوراخ في المرة الأولى. لم أستوعب الأمر تماماً حتى الآن، فما بالُ بضع آخرين؟"
"تلك ليست أكثر الأفكار سلامةً في سمعتها، لكن لا بأس، سنمضي معها."
يقول فينس. لست متأكداً أذلك مزحة أم لا. ألتقط أنبوباً معدنياً صلبأ أثناء سيرنا. أظن أنه يجدر بي التأهب لأي طارئ. لا نستغرق وقتاً طويلاً حتى بلوغ وجهتنا. أسترق النظر من أحد المنعطفات لأرى ثلاثة حراس مسلحين يحرسون باب ملجأ محفور مباشرة في إحدى كومات الخردة.
"علينا الانتظار حتى حلول الليل قبل الدخول."
يقف فينس في العراء تماماً بجانبي.
"لا أستطيع الإبصار جيداً في الليل. يجدر بي الدخول الآن، أليس كذلك؟"
"أتود اقتحام المكان علانية ونحن نعلم يقيناً وجود أكثر من اثني عشر شخصاً بالداخل؟ أفضل ما يمكن فعله هو إيجاد مخبأ ومراقبة الموقف لأيام عدة. وتكوين فكرة عن عددهم الإجمالي، ثم الضربة حين يغيب معظمهم."
"أتريد مني ترك كوراخ هناك لأيام؟ من يدري ما يفعلونه به في الداخل!"
يتطلب الأمر جهداً كبيراً لألا أرفع صوتي فألفت انتباه الحراس.
"حسناً يا أزرق الصغير، الأمر برمته قرارك. لكنني أود منك أن تعيش لفترة أطول قليلاً."
"كنت أقل مكرًا وأنت على قيد الحياة."
أزحف مبتعداً عن الحافة وأقضي دقائق في استطلاع كل كومة تطل على المدخل. أظن أن أي مكان تقريباً يصلح للاختباء، فمع غياب نصف صفائحي يمكنني الاندماج تماماً كخردة مرمية. لا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى أستقر على موقع. ثمة ما يبدو سيارة شبه محطمة في منتصف إحدى الكومات تقريباً، ولا يبرز من المنعطف سوى غطاء المحرك وطرف الزجاج الأمامي تماماً. هيكل السيارة بعيد عن أنظار الحراس.
سيكون تسلقها يسيراً ودون أن يراني أحد، تماماً كالزحف إلى مقعد السائق. سأحظى بمخبأ رائع، ورؤية أوسع. يتضح أن تسلق تجمعات الخردة المتراخية أمر شديد الخطورة، لا سيما حين تعلق أسلاكي المكشوفة أو أنابيب التبريد بآلاف القطع الحادة، مما قد يؤدي بي إلى الهلاك بسهولة بالغة. لا يعاني فينس بالطبع من أي مشكلة في التقدم أمامي، بينما أترك أنا لأختبر بعناية كل موضع ليدي وقدمي قبل أن ألقي بثقلي عليه.
أستغرق وقتاً طويلاً في ذلك التسلق المحفوف بالمخاطر وجر نفسي عبر النافذة الخلفية المحطمة. يمتلئ جوف السيارة بالرمل حتى النافذة تماماً، لكنه يترك مساحة كافية لأجر نفسي بين المقعدين الأماميين. يجلس فينس بعفوية متصالبة الساقين على غطاء محرك السيارة، ممسكاً بوعاء طعام في يده.
"أتعلم أنه يمكنك تناول ما تشاء حين تموت؟ لم أتناول هذا الحبوب منذ ثلاثين عاماً."
"كان بإمكانك مساعدتي على الصعود."
أتذمر.
"كلا، لم أستطِع. عديم الجسد، أتذكر؟"
حقاً.
"إذن كيف ساعدتني على النهوض من ذلك المخبأ؟"
"مجرد ظنك أنك رأيت شيئاً، لا يعني أنه حدث."
يقول بعفوية.
"هكذا تعمل الهلوسات إلى حد ما."
"وكيف لي أن أعرف إذن؟ كل ذكرى مررت بها تبدو حقيقية للغاية. حتى جلوسك هنا يبدو حقيقيًا. لا يمكنني قضاء كل لحظة مشككاً فيما أراه."
"عدل بما يكفي على ما أظن، ظننت فقط أنه أمر جدير بالتفكير."
يعود للاستمتاع بحبوب طعامه. نجلس هناك في صمت لفترة، نراقب الحراس الثلاثة الواقفين بكسل عند فم قاعدتهم. يتنامى قلقي مع كل لحظة. لعلهم يفعلون به أي شيء في الداخل، وعقلي لا يفتأ يملأ رأسي باحتمالات لا تنتهي.
"أنا ذاهب للداخل. لا تحاول منعي."
أقول لفنس وأبدأ هبوطي السريع. إنه أسهل بكثير من الصعود.
"لا أخطط لذلك. سأعلمك إن أبصرت شيئاً ينبغي معرفته. وظهرك محمي مني إن بدأت بالتداعي."
"شكراً لك يا فينس. فقط تأكد من ألا تصل إليّ كارا والبقية وسأكون بخير."
"ماذا، أتظن أن آيفي وكاسي ستخسران معركة؟"
يبدو فينس مهاناً تقريباً.
"أتذكر واحدة خسراها."
أقول بصوت قاتم.
"حسناً يا أزرق الصغير، لا حاجة لهذا القتامة. امضِ لقتل بعض القומ واسترجاع صديقك."
"تلك هي الخطة."
أقفز الأقدام الأخيرة نحو الأرض وأرفع أنبوبي المعدني في يدي. ها نحن ذا مجدداً.