مولودة السيليكون الفصل 31

اقرأ مولودة السيليكون الفصل 31 باللغة العربية على مانجا تايم.

أجلس مع فينس فوق السطح لنراقب المدينة ساعة كاملة قبل أن يستأذن وينصرف، تاركاً إياي وحدي مع أفكاري. أهذا حقيقي فعلاً؟ لابد أنه كذلك. مهما حاولت حماية نفسي، يستمر أملي في التنامي. أحب هؤلاء البشر، أو معظمهم على الأقل. ما زال عليّ التعامل مع همنغبرد يوماً ما، لكن تلك مشكلة لوقت لاحق. إن لم يكن هذا حقيقياً؟ إن كان مجرد هلوسة في رأسي؟ تبّاً لذلك، فأنا ميتة على أي حال. يجدر بي الاستمتاع بما أتيح لي طالما سمحوا بذلك.

سيتكفل سحبهم لي الآن بتحطيمي بكل تأكيد، ولا أسوأ من ذلك. هذا لا يعني أنني على وشك استجلاب الحظ العاثر وأطرف عينيّ. لست واثقة إلى هذا الحد من الواقع بعد. لا أتطلع قدماً للخروج في مهمة، لكن أي خيار أملك؟ الاختباء في المدينة؟ المجازفة في الرمال؟ لا هذا ولا ذاك خيار واقعي. سأبذل قصارى جهدي لتدارك نفسي. ما يعني أنني بحاجة للاعتياد أكثر على أصوات إطلاق النار. لعل جايد تسمح لي بالوقوف في ميدان الرماية؟

ربما لا، لكن يمكنني الجلوس خلف طاولتها حيث لا أُرى. سيتيح لي ذلك اختبار بعض الأفكار للتعامل مع الذعر، افتراضاً بأن ذلك ممكن أساساً. تبدو هذه خطة مناسبة. أشقّ طريقَي إلى ميدان الرماية. الممرات في مكانها والمستودع يغص بالمتدربين. يداهم صوت إطلاق النار حواسي، لكنني كنت مستعدة لهذا. أنا بخير. ولأول مرة منذ زمن طويل، أنقر بأصابعَي تكرارات من أحد عشر. الآليات لا تفعل ذلك، لكنني لا أبالي.

هذا أفضل من التعرض لانهيار داخلي. تفتح جايد باب الغرفة الخلفية بعد ثانية واحدة من عبوري الباب. أسرع بالمرور. ولا تتكلم إلا بعد أن تغلق الباب وتبتعد عن النافذة حيث لا يراها أو يسمعها أحد.

قالت وهي تلوح لي: "الميدان متاح لك".

"أنا هنا لسبب آخر في الواقع. أحتاج للاعتياد على صوت إطلاق النار. أيمكنني الجلوس بالقرب من الباب والاستماع فقط؟ لا يجب أن يراني أحد".

قالت وهي تعود إلى مكتبها: "افعلي ما تشائين".

جلست جواره تماماً، خارج الرؤية كلياً وضمن نطاق السمع. أجلس هناك، أستشعر وأستمع إلى كل رصاصة وهمية. وأبدأ بالتجريب. أولاً، إيقاف عمل أذنيّ ببساطة. صحيح أنه ليس حلاً نهائياً، لكنه يستحق المحاولة. يتحول صوت الرصاص إلى ذكرى طلقات نارية مكتومة خلف الجدران. صوت كل رصاصة وهي تمزق أجسادهم وتنهي حياتهم. أصوات صرخاتهم، وهم يصرخون عليّ ومن أجلي بالقدر ذاته. تبّاً، هذا أسوأ بكثير.

أضم ركبتي إلى صدري وأعيد تشغيل أذنيّ. غير أن ذكرى إطلاق النار لا تغادر فوراً. لأدقائق تداهمني توليفة من الاثنين بينما تذوب الذكريات ببطء. هذا أسوأ بما لا قياس له. لست بخير، لكنني قادرة على تماسك نفسي، للحظة فحسب. تتلاشى الذكريات تماماً في النهاية. التعامل مع أصوات الرصاص الوهمي أسهل بكثير من الذكريات. لن أكرر هذا أبداً. تعلمت شيئاً على الأقل، هكذا أظن. كنت آمل حقاً أن تنجح الطريقة.

"أتمتلكين غرفة هادئة يمكنني التعافي فيها سريعاً؟ أحتاج واحدة حقاً".

"الحمّام خلف ذلك الباب مباشرة. خذي راحتك".

"شكراً لك".

أهرول عبر الباب في الجدار الخلفي. الغرفة عازلة للصوت، ويا له من حظ سعيد. أنا بخير هنا، أنا آمنة. كان حريّ بي جلب كتاب معي. لا بأس مع ذلك، فلن يتسنى لي حمل كتاب أثناء القتال. لا يمكنني الاعتماد على شيء لن أملكه في الميدان. أسميه قتالاً، لكن القتل تعبير أدق. أيمكنني فعل هذا؟ أنا أقرصن، لا أطلق النار. لست مضطرة للقتل. بل عليّ فقط معرفة كيفية تقبل حقيقة أن أصدقائي قتلة. أظنني سأكتشف ذلك لاحقاً.

أما الآن، فعليّ معرفة كيفية تجنب الذعر. التكرارات تساعد، لكنها قطعاً لن تحل شيئاً. ماذا عن شيء مختلف قليلاً؟ إن كان الصوت هو المشكلة، فلمَ لا أركز على بصري كلياً؟ لا أوقف أذنيّ، بل أتجاهل الصوت فحسب. صحيح أنه لا فرق عملياً بين الأمرين، لكن لعل عقلي ينطلي عليه الخداع؟ أفتح الباب وأخرج، مركزة تماماً على ما أراه. أدع الصوت يجتاحني دون الالتفات إليه أو معالجته قط. هذه الطريقة تنجح أفضل بكثير مما توقعت.

ترفع جايد رأسها عن لوحيّ رقمي كانت تعبث به وتلتفت لتقول شيئاً، رغم أنني لا أدرك ماهيته. أعير الصوت انتباهاً مجدداً فيصيبني كجدار صلب. تكرارات، أنا بخير. اجتازي هذه المحادثة فحسب ويمكنني الركض عائدة إلى الحمّام.

"عذراً، ماذا قلتِ؟"

أسأل. يبدو صوتي مرتعشاً لدرجة بالكاد أستوعبه معها.

"سألتُ إن كنتِ تشعرين بتحسن".

تبدو جايد قادرة على فهمي على الأقل.

"أظنني وجدت طريقة تجدي نفعاً. لا يمكنني السمع فحسب أثناء تطبيقها".

"حسناً".

تهز كتفيها وتعود للعبث بلوحيها. أحاول مجدداً التركيز حصرياً على بصري ولمسي، على أي شيء عدا الصوت. يفسد وقع كل رصاصة مزيفة كل محاولة للتركيز. والأدهى أن كل محاولة تجعلني أعر بشعور أسوأ. أحاول إيقاف أذنيّ للحظة واحدة فحسب. لوقت يكفيني لأستجمع نفسي.

"أتحسبين حقاً أنني سأسمح بتنجيح هذا؟"

يملأ صوت ماري أذنيّ فوراً، ليخفت ما إن أعيد تشغيل أذنيّ.

"سأعود حالاً!"

أصيح تقريباً وأنا أهرول نحو الحمّام مرة أخرى. تتطلب التهدئة بضع دقائق من التركيز على نقرات أصابعي. أفلح في تهدئة نفسي أخيراً. أظنني مجبرة على إعادة المحاولة. أحول تركيزي إلى كل شيء عدا الصوت. أنا بخير. يمكنني احتمال هذا. أخطو خارج الحمّام مجدداً. إنه ليس صمتاً مباركاً، لكن لا بأس. إنه مريح بذات القدر. تلتفت جايد، وعوضاً عن الكلام تشير إلى أذنها. أهز رأسي فتعود إلى لوحيها من جديد.

لا أعرف مدى جدوى هذا أثناء القتال، لكنه سيساعد بالتأكيد إن علقت سيارتنا في عاصفة أخرى. أتجه بعدها إلى ميدان الرماية الخاص. أبداً بأهداف عادية مصوبة ومطلقة. لا أسمح لنفسي بمعالجة ما أفعله. لست سوى آلة صُممت لإطلاق النار على الأهداف. وكحال عدم معالجة الصوت، فإن عدم معالجة أفعالي يجدي نفعاً. سأترقب إن كان سيستمر في العمل مع أهداف أخرى. أضغط اللوحة على الجدار، محولة أهدافي إلى ظلال بشرية.

صوب واطلق فحسب. لا تفكري فيما تفعلين. ركزي حصرياً على أفعالك. أطلق النار، كرة تلو الأخرى دون أن أشعر بشيء البداهة. أتراجع خطوة إلى الوراء أخيراً، متفرسة في النقاط التي تشير إلى مواضع سقوط رصاصاتي. البشر الذين كنت لأقتلهم. لا أستلطف هذا حقاً. إنه خطير. أنا خطيرة. يتصدع تركيزي ويملأ صوت إطلاق النار أذنيّ. يثقلني إدراك ما فعلته وما أنا قادرة عليه. أهرول مجدداً إلى الحمّام وأنهار على الأرض.

لا أريد أن أكون مسخاً. لن أسمح بحدوث ذلك. لا أمكث طويلاً على الأرض قبل أن أهب واقفة، فهذا لا يساعدني على الشعور بتحسن. عليّ مغادرة المكان. التركيز على بصري. بوسعي فعلها. ترفع جايد حاجبها في وجهي أثناء خروجي لكنها لا تببس بكلمة. لا أسمح لنفسي بالالتفات للنظرات المتواصلة بينما أعبر الفناء. أبقي عينيّ مسمرتين على غايتي، الباب الأمامي. يحاول أوسكار قول شيء وأنا أزحف مروراً بمكتبه، لكنني عاجزة عن الرد.

لا أستطيع فعل أي شيء سوى التركيز على هدفي. ألتقط الكتاب المستعار من غرفتي وأصعد إلى السطح لأقرأ. وحينها فقط أدع تركيزي يرتخي، لتصل أذنيّ أصوات الحديث القادمة من الفناء وشرارة القبة. إنه لأمر ساحق. لكنني بخير، لقد نجوت. أفتح الكتاب وأهوي مجدداً إلى عالم لطيف من الرومانسية والخلو من الهموم. تبدأ محادثات الفناء بالخفوت باطراد مع انقضاء الساعات. ويحل الليل حقاً في النهاية لتتلاشى أصوات المدينة تقريباً.

لست سوى أنا، وكتابي، والقبة المئوية التي تحفظني آمنة. بعد قليل تمر كاسي عبر باب السطح وفي يدها كتاب. تراني فوراً، لكنها لا تستدير.

"عظيم".

تتمتم لنفسها، بصوت خفيض بما يكفي لأظن أنه لم يُقصد إسماعي إياه. تتوجه إلى الطرف المقابل لي من السطح وتشرع في قراءة كتابها. لا أود إزعاجها، لكن سؤالاً يتأجج داخلي. تنمو رغبة ملحة للسؤال بداخلي، وبعد ساعة تقريبا أُجبر على طرحه.

"لماذا ارتأيتِ أنكِ موافقة على مرافقتي؟"

أسأل بهدوء من عبر السطح، واثقة من أن أذنيها حساس بما يكفي لسماعي.

ترد بهدوء دون أن ترفع عينها عن كتابها: "لست بلا قلب كما تعلمين".

"شكراً لك بالمناسبة. لا أريد حتى تخيل ما كان ليحل بي لو رفضتِ".

"فقط لا تجعليني أندم".

تقلب صفحة من كتابها.

"لن أفعل".

نعود إلى كتابينا لبضع دقائق قبل أن تتكلم مجدداً.

"تكذبين بشكل سيء للغاية".

تقول من تلقاء نفسها.

"ماذا؟"

"لهذا وافقت".

"أه. أظن أن هذا جيد؟ أخبرتني أمي أن الناس يكذبون لتسهيل حياتهم على المدى القصير حتى لو صعبها على المدى الطويل. أملك ما يكفي من مشاكل المدى الطويل، لذا أحاول ألا أكذب. حتى لو آلمني، أحاول الإصغاء لما علمتني إياه. على الأقل، قبل أن تبدأ بمطاردتي".

يخرج صوتي طافحاً بالحزن وأدع بضع دموع تتدحرج على وجهي.

تسأل كاسي: "كيف كانت؟".

يبدو في صوتها اهتمام حقيقي.

أقول: "لا أظن أن بمقدوري التحدث عن الأمر الآن. ما زال الوقت مبكراً جداً".

تقول كاسي بحزن: "الوقت لا يخفف الأمر".

"أمكِ رحلت أيضاً؟"

"عائلتي بأكملها. قبل خمسة عشر عاماً".

تبّاً، أربط الخيوط فوراً.

"أثناء حرب الذكاء الاصطناعي؟"

أنا متأكدة أنني أعرف الإجابة، لكن لابد لي من السؤال. تهز رأسها ببطء دون أن تنطق بكلمة.

"أنا آسفة للغاية".

تقول بجدية وهي ترفع بصرها أخيراً عن كتابها: "لا تشفقي عليّ".

تخترقني عيناها الزمرديتان، متحديتين إياي لتكرار الأمر.

"آسفة".

لم أنا غبية هكذا؟

"أفترض أنكِ لا ترغبين بالمشاركة؟"

"كلا".

نعود لقراءة كتابينا في صمت. أعرف سبب كغض كاسي مني على الأقل، لكنني أجهل ما بوسعي فعله حيال ذلك. هل ينبغي لي فعل شيء أصلاً؟ أعني كلا بالطبع. لدي ضلوع في مות عائلتها يعادل ما لها في مות عائلتي. لا ألومها على بغضي مع ذلك، فقد كان بإمكاني التحول لتشبهها بكل سهولة. على الأقل هي تحاول. نجلس متفترقتين لنقرأ حتى وقت متأخر من الليل. وقبل الشروق ببضع ساعات تنهض كاسي وتتجه نحو غرفتها.

أقول بينما تمر بجواري: "تصبحين على خير يا كاسي".

ترد بفتور قبل أن تختفي في بيت الدرج: "وأنتِ من أهلها".

أواصل القراءة وحيدة طوال الليل. أستمتع بكل كلمة أثناء قراءتي، منعمتاً بهذا العالم الوهمي لأطول فترة ممكنة. غير أنني لا أستطيع الاستمتاع إلى الأبد. بعد وقت قصير من موعد شروق الشمس، ينتشلن صوت فينس القادم من الفناء.

"صباح الخير يا جيك".

"فينس، لوكاس. ألكما سيارة جاهزة؟"

يرد الرجل الذي أحسبه جيك. لا أظنني سمعت صوته من قبل.

"أجل!"

ينجرف صوت لوكاس البهيج نحو السطح، يتبعه فتح باب ثقيل وإغلاقه. ربما يجدر بي استطلاع إمكانية المساعدة. أترك كتاب كاسي في غرفتي وأهبط إلى الأسفل. ما زال الوقت مبكراً لدرجة لا تجعل سوى نفر قليل يشق طريقه عبر المجمع. لحسن الحظ لا يقول أي منهم شيئاً وأنا أزحف مروراً بهم. أخرج وأتوجه صوب باب المرآب. رجل عبوس ذو شعر رمادي يسترخي بجواره. يبقي عينيه مسمرتين عليّ أثناء اقترابي ويتكلم قبل أن أقترب جداً.

"ما الذي تريدينه أيها الآلي؟"

يوضح صوته ووجهه تماماً عدم سروره بوجودي. أتوقف قبل الاقتراب منه أكثر، فهو يبدو متوتراً أصلاً. آخر ما أروم فعله هو جعله أكثر فزعاً. لا يمكنني الاكتفاء بالقول إنني أريد الدخول، يجب أن أبدو آلية.

"أُمِرتُ بالقدوم لمعرفة إن كان فينس بحاجة لمساعدة".

أكذب في وجهه. أبذل وسعي للحفاظ على حياد وجهي وصوتي، لكنني لست واثقة من نجاحي. يرمقني بنظرة شك قبل أن يفتح الباب ويصيح في الداخل.

"فينس! أتحتاج الآلية؟"

"أجل! أرسلها للداخل!"

يجرد صوته من أعماق المبنى. يومئ الرجل باتجاه الباب فأخطو للداخل. يضم المستودع دزينة مركبات مصطفة في الداخل، خضعت كلها لتعديلات كثيفة. يبدو المرآب بأكمله خالياً، سوى من لوكاس وفينس. يُطل لوكاس برأسه من نافذة السيارة التي ركبناها المرة الماضية. إنها مصطفة في مؤخرة المرآب مباشرة.

"أزرق! ممتاز! ناولني ذلك المفتاح الانجليزي".

يشير إلى مفتاح على الأرض، تحت النافذة التي يصيح عبرها مباشرة. لابد أنه أسقطه من النافذة بطريقة ما.

يقول لوكاس بصوت أعلى من اللازم ويأخذ المفتاح: "شكراً!"

"أيها الأزرق الصغير، لأي غرض جئت؟"

يدور فينس من الجانب الآخر للسيارة، مسحاً الأوساخ عن يديه بخرقة.

"كنت فوق السطح وسمعت دخولكما. ظننت أن عليّ محاولة المساعدة".

"حسناً، لن أرفض بالتأكيد. أترغب بتعلم كيفية فحص البطارية؟"

يحشر خرقته في حزام سراويله ويتقدم نحو مقدمة السيارة.

"يسعدني فعل أي شيء حرفياً".

العمل معهما يمضي سريعاً. يريد لوكاس إخباري بكل صغيرة وكبيرة عن سيارته. بينما لا يملك فينس سوى تقديم تفسيرات سريعة عما يفعله في النخبة النادرة التي يتوقف فيها لوكاس لالتقاط أنفاسه. يتضح أن جل سيارات المدينة كهربائية. النفط والغاز نادران وباهظتا التكلفة للغاية للاستخدام. حتى جالون وقود واحد سيكلف أكثر من سيارة كاملة مليئة بالخردة. توسع لوكاس في تفاصيل مدى روعة أن الإطارات ليست مصنوعة من المطاط.

بل تصنع غالباً من السيليكا المسحوبة مباشرة من الرمال.

وحسب قوله نملك «فائضاً ضئيلاً»

من الرمال، لذا فاستبدال الإطارات زهيد الثمن. وحين ينتهي لوكاس أخيرًا من خطبته عن الإطارات، يقفز فينس إلى المحادثة قبل أن يشرع في موضوع آخر.

"يقولون إن العاصفة ستمر على الأرجح في الساعات القليلة القادمة. أتشعر بالثقة؟"

يسأل. أحيطه علماً بتجاربي كاملة في الميدان. يصغي باهتمام أثناء حديثي، ولا يرد إلا عند انتهائي من قصتي.

يؤكد لي: "إن كان عدم القدرة على السمع سيساعدك، فسننجح في جعل الأمر مجدياً. فقط أبقني في الصورة".

"سأفعل".

هناك عمل هائل للقيام به، لكننا نحن الثلاثة نحقق وقتاً جيداً. ينتهي بي المطاف غالباً بمناولة لوكاس الأدوات بينما يحمل فينس السيارة بالطعام والماء. لعرضت مساعدته لو أن محركاتي تقوى على حمل أي شيء ثقيل بسرعة معقولة، لكن تحميل جالون ماء واحد في السيارة سيستغرق دقائق. لوكاس لا يتذمر قطعاً من مساعدتي له، يعني ذلك فحسب أنني لا أستطيع الإفلات من دروسه لا المتناهية. ليس وكأنني أرغب في ذلك، فكل كلمة ينطق بها لا تزيد السيارة إلا إبهاراً.

بينما نواصل العمل نحن الثلاثة، تبدأ عدة مجموعات أخرى بشق طريقها إلى المرآب. يكتفي بعضهم بشخص واحد للتحضير، بينما يعمل ما يصل إلى ستة أشخاص معاً لتجهيز سيارتهم للرحلة القادمة. يرمقني كل واحد منهم باستمرار أثناء عملهم. لم أختلط من قبل بعدد كبير من البشر، ولم أسمع قط بكل هذه المحادثات. تندمج كلماتهم ببعضها واضطر لوكاس لتكرار كلامه مراراً لأفهمه. بعد ساعات من بدء عملنا، ينقر فينس على كتفي لجذب انتباهي.

"أيها الأزرق الصغير، لم لا تذهب لإحضار آيفي وكاسي. أخبرهما بالاستعداد والدخول إلى هنا".

يستلزم الأمر تكراره الكلام ست مرات حتى أستوعبه أخيراً.

"حسناً".

لا شيء يسرني قدر الابتعاد عن كل هؤلاء البشر.