عملنا لدى سكوفิลد بضع سنوات. لقد أحسن معاملتنا بالطبع. دفعنا إلى أقصى طاقاتنا، وتطلب الأمر الكثير، لكنه لم يطلب شيئاً لا نقدر عليه. عمليات تسليم، وتسليم شحنات، وترهيب، واغتيال، واختطف, صرنا عنصراً أساسياً في عملياته. كنا نجيد الأعمال الهامشية. ارمنا في أي موقف جديد، وسننجزه، ثم ننصرف. هذا لا يعني أننا لم ننخرط في المتاعب أبداً، بالطبع. بندقيتي القديمة هذه، كانت لها عادة مزعجة بتلقي الرصاص، أو الالتواء من صد هراوة، أو التحطم.
باختصار، أي شيء قادر على كسرها كان يفعل. بدأت عاطفة مارا تغلبها. أول رجل كسر بندقتها؟ لم يستحق ما حل به. شرعت في التصنيع، وأعدت القطعة للعمل. ثم كررت ذلك. مراراً وتكراراً. سأتفاجأ إن بقي أي جزء منها أصلياً. كنا نحتفل بعد كل مهمة. أنا لأنساة ما اقترفناه، ولأضيع في شيء ما. وهي لتتحتفل. صنعنا أصدقاء، وفقدناهم، وقضينا عليهم حين خأنوا سكوفيلد. كانت لاس فيغاس فوضى عارمة، فالكثيرون يتصارعون على القليل جداً من السلطة.
كانت الخيانة شائعة، وحرص سكوفيلد على تزويدنا بكل ما قد نشتهيه.
"أنا مللة".
حين تراجع بريق السنوات الأولى، غدت تلك مشكلة مألوفة لدى مارا. وحين تسللها الملل، كانت أمور سيئة تقع. كم سيستغرق الأمر قبل أن تقرر رغبتها في انتزاع وظيفة سكوفيلد؟ لم تكن تود إدارة أي شيء، ولهذا تركنا المناجم للعبيد. لكن خطر رغبتها في التجربة ظل قائماً. تحولنا إلى مرتزقة. كلما هدأت لاس فيغاس لفترة، أُرسِلنا إلى الخراب. زرنا كل مكان. هيوستن، لوس أنجلوس، وبلغنا فانكوفر مرة.
مع ذلك، لا أظن أن معظم تلك المغامرات تستحق التذكر. صنعنا اسماً لأنفسنا على الأقل. إحدى المهمات التي سارت على أفضل نحو ممكن كانت حين تواجدنا قرب لوس أنجلوس، في تسليم لسكوفيلد. انطلق بث عبر كل القنوات، ليخبرنا عن غزاة يهاجمون بلدة صغيرة متوسطة في صدع بجبال سييرا نيفادا. كان الأجر مجزياً، وكنا قريبين، والوحيدين المستعدين لمخاطرة العالق في عاصفة لنيل ذلك الأجر. تأخرت العاصفة، ويمكن أن تضرب في أي ساعة.
غيرنا اتجاهنا، مدركين وجوب السرعة. ضغطنا الإطارات بأكثر مما ينبغي، لكننا امتلكنا بضع قطع غيار. بدأت كل مهمة لنا بسؤالين: كم سنقبض، وكم من العتاد سنستهلك؟ كانت الإجابات هذه المرة: بالكثير والكثير. كان أجراً طيباً، وكنا في عجلة من أمرنا. سمعنا الصدع قبل أن نراه. إطلاق نار بعيد، طلقات متفرقة فحسب. طلقات عشوائية، ونار تغطية منهجية، لا معركة يائسة من أجل البقاء. امتلكنا وقتاً، بالمعنى المجازي على الأقل.
عثرنا على تل يعلوهم، وأوقفنا السيارة بعيداً عن الأنظار، واستعددنا. حُزنا طقمين من الدروع الثقيلة، وحواجز متنقلة. اتخذنا مواقعنا، واندفعنا إلى قمة التل، وتحصنا هناك. رمى كل منا قنبلة، وأعقبناها بوابل من الرصاص. استغرقهم الأمر لحظة للرد، ليدركوا مصدر النيران. استغللنا تلك الفوضى. تحصن بضعة منهم معاً، ووضعت مارا متفجرة أخرى عند أقدامهم. بقي رستي في السيارة. مهما اشتدت رغبته في المساعدة، فإن أرض الهالك تلك لن تقوده سوى إلى حتفه.
لم يدُم القتال سوى دقائق معدودة. تلقينا بعض النيران بالطبع، لكن شيئاً منها لم يخترق حواجزنا. هدأ العالم، وسكن. خرج بضع أشخاص من البلدة. لم نستطع المكوث، ولم نفعل ذلك لأجل أي نوع من التقدير على أي حال. كانت وظيفة، وما زالت لدينا مهمة لإنجازها. حزمنا أمتعتنا ورحلنا قبل أن يبلغنا أحد. حتى حينها تأخرنا، فضربت العاصفة فور بلوغنا المدينة، وبالكاد نجحنا في العودة إلى مرآب السيارات.
أجزم أنك تخمن، لكن يبدو أن لانس وروبين كانا في تلك البلدة. أو هذا ما رووه لي على الأقل. تركت السنوات أثرها على رستي، بأكثر مما فعلت معنا. تراكمت الإصابات علينا جميعاً بالطبع، لكنه كبر بسرعة فائقة. أزعجته الجروح القديمة يومياً، وتسلل إليه التهاب المفاصل المبكر. فعلت كل ما بوسعي لأريحه، لكنه لم يكف عن محاولة المساعدة. عملنا مع رجل على ساحل الخليج عدة مرات. امتلك مجمعاً صغيراً يضم بضع عائلات.
دفاعات متينة، ومنظومة تحلية، وزراعة، وقوارب صيد. أفضل مكان يمكن أن تطلبه لعجوز ليقضي بقية أيامه فيه. أرجو ألا أخوض في تفاصيل وداعنا، إن كان ذلك مقبولاً. لا لشيء سيء وقع، بل لأنه ذكرى عصية على التحمل، وليست مهمة لحكايتي تحديداً.
"لا بأس".
أطمئنه.
"أتفهم عدم الرغبة في استعادة ذكريات بعينها".
"شكراً لك، أيتها الزرقاء الصغيرة".
على أي حال، بعد قرابة عقد كامل، فقدت أكبر مرساة لي. حين ارتكبت فعلاً شنيعاً، لم يعد هناك من يقف إلى جانبي مهما حدث. توغلت أعمق فيها. أخفيت كل شيء تحت وطأة الغضب. ارتديت قناعها، والتصق بروحي. فقدت نفسي في العام الذي تلى رحيل رستي أكثر مما فعلت منذ قيامة الخراب. مع كل أَوْبة لنا إلى الديار، كانت لاس فيغاس قد تغيرت. الأنفاق تحت الرمال التي تربط المباني؟ كانت بشرية بالكامل.
بدأت كمجرد أنفاق صيانة، لكن الحاجة ماسة لتمكين الناس من التنقل بين المبنى والآخر حتى أثناء العواصف. بالطبع، لم تضاهِ ما سيبتكره زيرو لاحقاً، لكنها ظلت رائعة. تحسنت الغرفة تدريجياً، وساءت أكثر، تبعاً لرخص الغرفة. تحسنت غرفتنا. وكما قلت، أحسن سكوفيلد معاملتنا. لا شك أننا لكنا واصلنا تلك الحياة حتى مماتنا لولا الذكاء الاصطناعي. سمعنا شائعات عن هذا المكان، مدينة آرك. لم تثق أي منا به.
أبسط من أن يُصَدَّق. ولم يمر وقت طويل حتى بلغ تأثيرهم لاس فيغاس. بدأت الشائعات تنتشر حول صاعد في المدينة، ثنائي يكسب نفوذاً بسرعة: زيرو ووان. بالطبع، لم أكن أعلم أنه ذكاء اصطناعي حينها. مكثنا في لاس فيغاس بعد ظهورهما. أرادنا سكوفيلد بقربه، تحسباً لأي تحرك قد يقوم به زيرو ضده. ويُحسب له أنه كان محقاً. كنا في حفلة حين دس أحدهم رسالة إلينا ومضى صامتاً. تضمنت موقعاً، ووعداً بعرض.
كان الإقدام على ذلك خطوة حمقاء، لكننا كنا في قمة المجد. أكثر من عقد من الخروج من أي مأزق وجدنا أنفسنا فيه؟ أجل، سنخوض التجربة، لكننا لن نذهب عزلا. عدنا إلى البيت وتسلحنا بالكامل. بنادق، مسدسات، دروع كاملة للجسم، بلا شبر واحد مكشوف من الجلد. لم نكن أذكياء بالضرورة، لكننا كنا آمنين. انطلقنا، وتسللنا عبر أنفاق الرمل السفلي، وبلغنا كازينو آخر. امتلكوا غرفة مرتفعة إلى حد ما.
لم يُحَظَ حتى بفرصة الطرق قبل أن ينفتح الباب. دلفنا إلى غرفة غاصة بالتكنولوجيا. حواسيب على كل سطح، متصلة بشبكة واحدة. شاشات مبعثرة هنا وهناك، تعرض بالفعل غرفاً خفية. بل أتيحت لها إطلالة على غرفة طوارئ سكوفيلد. كان استعراضاً سافراً للقوة، لكنه فعال. التف حول طاولة رجلان، مع كاميرا متحركة على الجانب. تعرفت على أحدهما، مارك، الرجل الثاني في قيادة سكوفيلد. والآخر لم أعرفه آنذاك، لكنه كان وان.
كان عادياً، متوسطاً في كل شيء تقريباً. لم يبدو ثرياً، ولا قوياً، لكنه حمل تلك الهيبة. لا أعرف حتى كيف أصف ذلك. أخيراً، بدأ الذكاء يشق طريقه إلى القمة.
غرجت الكاميرا: "لكت كنت سأفضل مقاربة أكثر دقة".
ردت مارا بحدة، واقتربت من الطاولة: "إذن كان عليك تدوين ذلك في رسالتك".
خلعت بندقيتها عن كتفها وأسندتها إلى الحافة. تخلفت للوراء، وبندقيتي في وضع الاستعداد.
"لما كنت لتأتي".
"إذن لعلمت مسبقاً أنني أعمل وجهاً لوجه فحسب".
قال وان: "أنتما وجهاً لوجه بالفعل. هذا زيرو، ذكاء اصطناعي. ليس له جسد مادي".
التفتت مارا بين الثلاثة، متحدية إياهم بأن يكونوا بصدد تدبير مقلب لها. لم يرتجف لأحدهم جفن.
"تباً لذلك، حسناً. أمتعاني".
جلست.
سأل زيرو: "هل أنتما على دراية بباسيلوك روكو؟"
لطمت مارا الطاولة بيدها وهتفت: "لا تلعب معي. ادخل في صلب الموضوع. ماذا ترغبان بحق الجحيم؟"
أعلن: "حسناً جداً. في غضون ثلاث سنوات سأحكم لاس فيغاس بأسرها. أعرض عليكما فرصة لنيل جزء من ذلك بإحدى طريقتين. الأولى هي إدارة كازينو خاص بكما. ستمحى أسماؤكما، وتستبدل بأرقام. لن يتذكركما التاريخ، وتغدو أفعالكما أفعالي. تضحية ضرورية لمنع الناس من الالتفاف حول من هم تحتي. في المقابل أمنحكما سلطة بلا حدود. ملكة ومُلّاك يحكمان مملكتكما. قوانينكما هي قراراتكما، ومصير من يخدم تحت إمرتكما رهن بأصابعكما".
"تباً لهذا. وماذا غير ذلك؟"
قال زيرو: "مساعدة مارك، الذي سيصبح تو قريباً، ليحل محل سكوفيلد. لقد أصر على أنكما ستكفيان للمهمة".
هزت مارا كتفيها: "لقد كان سكوفيلد خيراً معنا. سيستغرق الأمر-"
قاطعها زيرو: "مليون ومئتي ألف رقاقة. ومسكن دائم. دخول لكبار الشخصيات، وأرقى غرفة أستطيع منحكما إياها، وثروة لاس فيغاس بين أيديكما. طعام، ماء، كحول، كلها تتدفق مجاناً، وبلا حدود حتى يوم مماتكما".
جذب ذلك انتباه كلينا. حتى اليوم يعد ذلك مبلغاً ضخماً، ناهيك عن ذيك الأيام. ما يكفي لعدم القلق إزاء أي شيء مجدداً. ما يكفي لألا يقلق أطفالكما أبداً، ولا أطفالهم إن توخيتم الحذر.
يسأل لوكاس: "لماذا إذن نعمل في جمع الخردة؟"
"حسناً، لقد تنازلت عن حصتي لصالح كاسي، ومولت حصة سيلفر هذا المكان. فضلاً عن أنني أفضّل ألا أُكافأ على ما ارتكبته. لكنني أسبق الأحداث".
سألت مارا: "ما الذي تحتاج إليه؟ اغتيال؟ اختطاف؟ تلفيق تهمة؟"
"أحتاج إلى اختفائه، وإلى صعود تو إلى القمة".
"إذن اغتيال. زرع قونبلة في مكتبه، وانتظار اجتماع مع غريم، والتفجير بعدها بقليل. تلفيق مثالي".
صمت زيرو لبرهة، وارتفعت سرعة المراوح في الغرفة. لا يمكنني سوى تخيل ما يدور في ذهنه.
"يمكنني دمج تلك الخطة في أخرى. أنا أدعو شخصاً آخر إلى هذه المحادثة".
تساءلت مارا: "من؟"
لقد امتلكنا عدداً هائلاً من الأعداء.
"سيلفر".