تقودنا ئي-واحد إلى الغرفة ذاتها التي نزلنا فيها في المرة السابقة.
"ها قد وصلتم يا أطفال. الغرفة المجاورة مفتوحة لأيفي وفينس، وسأمر عليكم بعد بضع ساعات حين تستقرون."
"حسناً، شكراً لك."
أخطو إلى الداخل وتتبعني كاسي عن كثب. أول ما أفعله هو فتح النافذة والتطلع إلى الخارج. يقف كوراكس عالياً على الجدار برفقة سربه. يرمقني بنظرة ويومئ برأسه ثم يعود لإنصات إلى أحاديث الطيور.
"سنناديكم إن احتجنا إليكم."
تقول كاسي قبل أن تحاول إغلاق الباب.
"أه انتظري، قبل أن تذهبي! فقدت أيفي قدرتها على الكلام، لكنها مترددة بعض الشيء بشأن الجراحة. هل يمكنك الطلب من أحدهم إيجاد طريقة لتمكينها من الكلام، ويفضل أن تكون بلا جراحة؟ تمتلك بالفعل نسخة أساسية لصوتها على حاسوبها اللوحي، ويمكنني توليد نموذج أكثر تعقيداً إن لزم الأمر."
"لقد أرسلت رسالة إلى فرانكنشتاين ليتحدث إليها. سنقوم بتسوية الأمر، لا تقلقا. استرخيا أنتما الاثنين واستقرا."
تغلق كاسي الباب وتترمي على السرير الكبير بعد لحظة باعثة تنهيدة عالية.
"لقد افتقدت هذا السرير."
"أبهذه الدرجة من الراحة؟"
أعني، أفترض أنه أفضل من الأرضية على أي حال.
"أهوَ أفضل من فيغاس؟"
"حسناً، لا، لكنهم على الأقل قد لا يتجسسون علينا هنا، كما أنه مريح. ما زلت أفضّل سريري في البيت، لكن هذا يأتي في المرتبة الثانية بفارق بسيط."
"يمكننا إحضار أيفي إلى هنا للتأكد."
أتسلق السرير معها، مسندة رأسي على كتفها ومحاطة إياها بذراعي وساقي. تلتف ذراعاها حول بإحكام. يطالبني عقلي مرة أخرى بتنفيذ وعد. اللعنة، إن ساءت الأمور فيمكننا ببساطة الحديث عن ذلك كبالغين كما اتفقنا.
"مهلا، بما أننا بأمان الآن، فهناك ما أود إخباره لك."
"يا اللعنة."
"ليس عليّ قوله! لكني حقاً أريدك أن تعرفي."
أقول بسرعة.
"كل ما هنالك أنني لا أود منك توقع الرد بالمثل."
تهمس.
"ليس الأمر أنني لا أكنّ لك شيئاً، قد أكون كذلك، لكنه فقط... كما تعلمين."
"الأمر مخيف، أنا متفهمة. ليس عليك الرد بالمثل."
"حسناً. أفضِ بما في جعبتك إذن وانتهِ."
تتململ بصوت خافت.
"لا! لا أرغب في قوله إن كنت لا تشعرين بالارتياح لسماعه."
"لو لم أكن مرتاحة لأخبرتك. أنا بالغة ويمكنني الرفض."
"حسناً. إن كنت متأكدة."
أنتظر ثوانٍ معدودات لأمنحها فرصة للتراجع.
"أنا أحبك."
"اللعنة. أجل، حسناً. أنا ذاهبة لـ... اللعنة."
تعتصرني بقوة.
"أنا مسرورة حقاً."
تهمس بأخفت صوت تستطيعه.
"سأقولها يوماً ما."
"لا بأس إن لم تقوليها. أعدك بذلك."
أنا لا أرغب حقاً في الضغط عليها لتقوم بشيء لا تبتغيه.
"أعلم أنك ما كنت لتقومي بشيء من هذا لو لم تكوني راغبة، وهذا يكفيني تماماً."
"شكراً لجعل هذا بأكمله سهلاً هكذا."
"طبعاً. كما قلت لك من قبل، لقد كنت صبورة جداً معي. أقل ما يمكنني فعله هو بالمثل."
أمنحها عصرة خفيفة وتبادلني إياها. وينتهي حديثنا هنا، لكن لا بأس في ذلك. نكتفي بالاستمتاع بحضور بعضنا بعضاً. يفقد الزمن معناه حين أكون معها. بوسعي قضاء أربعين سنة أخرى بين أحضانها. لسوء الحظ، ليس لدينا سوى ساعة واحدة.
"علينا الذهاب للاطمئنان على فينس وأيفي."
بقدر ما أكرره من إزعاجها، يجب عليّ ذلك.
"أمرت ساعة كاملة بالفعل؟"
آخ، تلوح في أفق صوتها نبرة نعاس محببة.
"أجل."
"حسناً."
يستغرقنا الأمر لحظة لنتحرر من عناق بعضنا بعضاً. تجلس على حافة السرير، وتفرك عينيها للحظة عابرة، ثم تثب واقفة.
"هيا بنا، لنبحث عن هذين العصفورين."
تفتح كاسي الباب، وأتبعها عبر الممر، وصولاً إلى الفناء. أتعرف على بضع وجوه هنا، من البشر والذكاء الاصطناعي على حد سواء. فأولئك الذين تحدثنا إليهم أنا وكاسي خلال إقامتنا الأولى، وبعض من لم تسنح لنا الفرصة للقائهم، يمنحوننا ابتسامة بينما نمور. ألوح لهم بدوري بابتسامة خفيفة. نسمع فينس قبل أن نراه. يتحدث هو بصوت مألوف، بينما يتوقفان ليتركا أيفي تطبع على الحاسوب.
"أظن أنه سيحتاج إلى استبدال كامل. لم نكلف أنفسنا عناء تجبيره، بل وضعناه في الجبس وانتهى الأمر."
يقول فينس. نعطف من الزاوية لنبصر فينس جابهاً لشجرتنا المفضلة أنا وكاسي، بينما تمددت أيفي على الأرض، مستندة عليه. يخاطبهما جسد روبوتي شبيه بجسدي تماماً في الواقع. إنه مصمم ليطابق شكل أي جسد بشري بدقة، مع ذراع عضوية مزروعة مكان إحدى الذراعين. ينزلق كوراكس وبضع طيور أخرى، حاطة عن كثب في الأغصان فوق فينس وأيفي.
"وهل تفضلين الجراحة والاستبدال التام، أم تفضلين دعامة خارجية؟"
يسأل فرانكنشتاين. تستغرق أيفي لحظة للكتابة بينما نقترب.
"إن كان مستشفيكم مجهزاً بالقدر الذي تزعمون، فلماذا لا يتم استبداله فحسب؟ أليس لديكم مانع في أن أبقى واعية أثناء عملكم، مع السماح لفينس بالبقاء بالقرب؟"
"بالطبع، فتخدير كل ما يقع تحت بطنك أمر زهيد، طالما أنك قادرة على تحمل رؤية المشهد."
"أهلاً كاسي، أيتها الزرقاء الصغيرة."
يقول فينس بينما تطبع أيفي رداً آخر.
"امنحانا دقيقة واحدة فقط."
"لن تكون المرة الأولى التي أرى فيها أعضائي الداخلية. لدي بعض القطع السيبرانية التي يجب أن تكونوا على دراية بها، لكني أفضّل مناقشة ذلك على انفراد."
تقول أيفي.
"حسناً جداً. لدي بالفعل نموذج أولي لجهاز خارجي يتيح لك الكلام. لقد رُفع بالفعل إلى المصنع، وسيكون جاهزاً قريباً. سأقوم بتسليمه فور إنجازه، ويمكننا مناقشة جراحتك المطلوبة بمزيد من التفصيل."
"شكراً لك."
تقول أيفي باقتضاب.
"لست متأكداً كيف يمكننا رد الجميل، لكني سنبذل قصارى جهدنا لإيجاد طريقة."
يقول فينس.
"أه، ألم يخبركم أحد؟ لا دين لكم علينا، فنحن لا نتعامل بالمال هنا. خذوا ما تحتاجونه، وأعيدوا تدوير ما لا يلزمكم، ولا تبذروا. هذا كل ما نطلبه. طاب يومكم."
يلتفت فرانكنشتاين مغادراً. تبدو علامات الدهشة والذهول على وجهي فينس، وحتى أيفي.
"أترون الآن لمَ لم أكن أريد افساد متعة هذا المكان؟"
تسأل كاسي.
"أجل. كيف بحق الجحيم عثرتم عليه؟"
"كنا نعمل لصالح زيرو."
أجيب.
"ساءت الأمور، لكنها كانت تستحق العناء في النهاية."
"كما هي العادة دائماً. مسرور لأن الأمور انتهت بسلام معكما."
تزيغ عينا فينس عنا لتقعان على المساحات الخضراء من حولنا.
"لا أستطيع تصديق أن هذا المكان كان قريباً طوال هذا الوقت. نحن على بعد، كم، بضع مئات من الأميال من مدينة القوس؟"
"مئتا ميل إن تجاهلت الجبل الواقع بيننا وبين بيوتنا. وخمسمائة إن سلكت الممر الجنوبي."
"مع ذلك. عشرون ساعة."
يدع فكرته تتلاشى مع هزّة رأس.
"لو لم أكن قادراً على تقديم نفع أكبر في معسكر سيلفر بتدريب الصغار، لساورتني رغبة جارفة في البقاء."
"يمكننا دائماً القدوم للزيارة."
افتراضاً أن أمور سي-واحد تسير على ما يرام.
"كنت أنوي فعل ذلك على أي حال. لا أريد إبعاد كوراكس عن سربه لفترة طويلة."
"إن كانوا موافقين على ذلك، فسيكون من الرائع القيام برحلة سنوية أو ما شابه."
"ربما مرتين في السنة."
تضيف كاسي.
"ربما. لا أظن أنني أرغب في فعل أكثر من ذلك رغم ذلك. بوسعكما أنتما الاثنان بالطبع، لكن لا تزال لدي وظيفة لأؤديها، حتى لو أنهيت رحلات الخروج."
"قد أرغب في تكرارها أكثر من ذلك. ربما أربع مرات في السنة؟"
يبدو كل ثلاثة أشهر معقولاً.
"احذر."
ترسل أيفي رسالتها بسرعة، وننتظر ريثما تكمل بقية فكرتها.
"سيكون فينس غير قابل للعزاء بينما تغيبان."
"لا أقول غير قابل للعزاء. مجرد قلق طفيف."
يعترف فينس.
"لقد قطعنا، كم، نصف العالم لإعادتك؟ إن استطعنا النجو من ذلك، فيمكننا النجو من قيادة بسيطة."
تقول كاسي. في الواقع، لو قُد لنا القيادة في خط مستقيم، فما النسبة التي قطعناها من محيط الأرض؟ الحساب أمر يسير، كل ما علي فعله هو انتظار استرجاع المعلومة من إحدى وحدات التخزين الخاصة بي.
"لا، عذراً. كان بإمكاننا قطع نحو خمسة عشر بالمائة من محيط الأرض مع ذلك. وثلاثين إن احتسبنا الجزء الذي قطعناه برفقة فينس وأيفي."
"اللعنة، حقاً؟ يا للهول، الأرض شاسعة."
"أجل، إنها كذلك."
يوافق فينس.
"فكرا في الأمر، قبل أن ينتهي العالم، كان بإمكانك استقلال طائرة لتكون في أي مكان على كوكب خلال أقل من عشرين ساعة."
"ولم بحق الجحيم لا نستخدمها الآن؟"
"إنها تتطلب مساحة أكبر من اللزوم."
يهز فينس كتفيه.
"تحتاج إلى ممر هبوط مستو بطول ميل، وهذا يستبعد معظم المدن من الأساس. حتى أولئك الذين يعيشون في ناطحات السحاب، فالقوة البشرية الهائلة المطلوبة للحفاظ على نظافة الممر بعد كل عاصفة أمر مستحيل عملياً. وحتى لو كان ممكناً، فسيظل مطروحاً سؤال أين تخزن تلك الأشياء أثناء العاصفة؟ يخرج أحدهم بفكرة إحياء الأمر كل بضع سنوات، لكنه لم يقلع قط."
"أوف، اصمت."
تنقر ذراعه بخفة. يطلق فينس ضحكة خافتة على مزحته البسيطة، بينما ترفع أيفي عينيها إلى الأعلى بأقصى مدى يطيقه جسدها. كوراكس من جهة أخرى، لا يلمع في عينيه سوى المرح. نجلس ونتحدث قليلاً، مسترخين ومستمتعين بصحبة بعضنا بعضاً. ويقاطع ذلك ضغط خفيف يلامس عقلي، خفيف لدرجة يصعب إدراكها تماماً. وبعد لحظة يظهر كيسمت على الدرب. وما زالت أذرعهما الدقيقة تبدو وكأن لها إرادة خاصة بها، وكل منها ينشغل بمشاريع صغيرة منفصلة.
ينقطع حديثنا ما إن يقتربا. تنطلق أرقاء كوراكس، بينما يحط كوراكس منزلقاً على كتفي.
"نعتذر عن مقاطعة حديثكم، ونأسف لعدم سنح الفرصة لنا للترحيب بعودتكم فور وصولكم. لقد استأثر كلوفر باهتمامنا."
يبدآن حديثهما.
"أزرق، كوراكس، وكاسي، يسرنا رؤيتكم مجدداً. فينس وأيفي، يسعدنا أن نراكم سالمين وبكامل أجزائكم. نحن كيسمت، وقد جلبنا هدية بسيطة."
تمتد إحدى يدي كيسمت إلى مقصورة، لتسحب منها ما يبدو كطوق أنيق.
"هذا تصميم فرانكنشتاين، وقد أقنعنا هيفايستوس بإعطائه الأولوية."
تعقد أيفي حاجبيها بينما تتناول قطعة القماش. إنه أسود خالص مع مشابك مخفية على الجانبين. بعض أجزائه لا تنثني، ولابد من وجود إلكترونيات منسوجة فيه أو مخفية بداخله. تمسكه في يدها للحظة، متفحصة إياه بدقة قبل أن تغلقه حول عنقها.
"هل يعمل هذا الشيء؟"
ينطلق صوت أيفي من الطوق. إنه أكثر استواءً من صوتها المعتاد، لكنه من الرائع سماعها مجدداً بغض النظر عن ذلك. تتبدد تجهمتها لتفسح المجال لابتسامة خفيفة.
"شكراً لك."
تقول باقتضاب. يغرق وجه فينس بمزيج من المشاعر التي لا أستطيع حتى الشروع في تحليلها.
"شكركم مُحال إلى الاثنين اللذين يستحقانه. يعمل الطوق عبر قراءة عضلات الحلق لاستشفاف ما تحاولون قوله، متجاوزاً جراحتكم غير المرغوبة."
يقولان.
"نحن على يقين من إمكانية إيجاد طريقة لتزويده بالطاقة عبر قطعكم السيبرانية الحالية، ولكن إن تعذر ذلك، فهناك بطارية إزالة صغيرة مدمجة تحتاج إلى إعادة شحن مرة في الأسبوع."
"مهلا، أيعني ذلك-"
ينطلق الصوت من طوقها رغم عدم تحرك فمها.
"أه، هذا أفضل بكثير من إصلاحه."
"نعترف أننا لم نأت لتسليم غرضكم فحسب. فأخر ما نبتغيه هو إزعاج استرخائكم، لكننا بحاجة لإجراء محادثة وكلما بكرنا بها أثناء إقامتكم كان ذلك أفضل."
"عَمَّ تدور المحادثة؟"
أسال.
"سي-واحد."