يبدو قضاء أيام قليلة في الراحة أمراً طيباً. تتأقلم كاسي ببطء مع أطرافها الآلية الجديدة، ولا يفوّت كوراكس أيّ فرصة ليستعرض سرعته فائقة الإعجاب. تذهلني الزيادة الهائلة التي منحها إياه ذلك المحرك الجديد في السرعة. بات قادراً على مجاراة أسرع عقول الطيور المستنسخة في المدينة حتى. تبدو جلسات العلاج قاسية، لكنني أظنها ستجد نفعاً في النهاية. ما زلت أرفض تصديقها حين تؤكد أن ما جرى لم يكن خطئي، لكن يبدو أنه ليس عليّ تصديق ذلك حقاً.
قد يفيدني إعادة تأطير ما حدث بتخيل أن كاسي هي من ارتكبت الاختيارات ذاتها، ولكن حتى إن كنت لن ألومها على ما جرى، فلا أستطيع تقبّل أن هذا يعني براءة قراراتي من الخطأ. تقول إي-واحدة إن هذا طبيعي، وإن لومي لنفسي طوال تلك الفترة قد عزز تلك الروابط داخل شريحتي. والسبيل الوحيد لإصلاح ذلك هو اختراع وتكرار أسباب تثبت براءتي من كل شيء، حتى لو لم أصدقها، لنبني مسارات عصبية جديدة تسمح لعقلي بإدراك الحقيقة.
يشعرني الأمر كأنني أكذب، لكن ينبغي لي المتابعة. حين لا أنطفئ أثناء جلسة العلاج أو أقرأ لكاسي، ينتهي بنا المطاف بالبقاء داخل المجمع لا غير. تشعر كاسي براحة أكبر بهذه الطريقة، وتتوقف شيئاً فشيئاً عن الاستعداد لاستلّ سكينها في كل لحظة أثناء وجودنا في الخارج. بل ينتهي بنا المطاف لنتحدث إلى بضع أشخاص. ليس بالقدر الذي يجعلنا نلتقي بأصدقاء، لكن من الجميل القدرة على تمييز وجوه قليلة.
لا نعود إلى بستان الكرز أبدا. في المرة الوحيدة التي لمحناه فيها أثناء إحدى نزهاتنا، كادت كاسي تتقيأ. غير أننا نجد شجراً أخرى لنجلس بين أغصانها ونقضي وقتاً مع الطيور الأخرى. يسرني أن إصابتها بالغثيان فوق إحداها لم يمنعها من تسلق البقية. تبدو لحظاتنا الهادئة معاً ثمينة للغاية، وأكره فكرة خسارتها. كنا فوق إحدى تلك الأشجار حقاً حين أتت إي-واحدة للبحث عنا. لقد أنهينا جلستنا العلاجية لهذا اليوم، لذا لم أكن متأكداً مما جاءت من أجله.
صاحت واضعة كفّيها الواحدة فوق الأخرى: "أه! رائع! أنتما الثلاثة مجتمعون بالفعل. لقد استعدنا كلوفر، على نحو ما على الأقل، لكن الوقت يداهمنا قبل انتهاء العاصفة. نود مناقشة خططنا لاستعادة فينس، وأيفاي، وذكاء اصطناعي كمومي اختطفته مارا".
قفزت كاسي من فوق الغصن، لكن هبوطها جاء أقل سلاسة من المعتاد: "اللعنة، أخيراً".
فحتى بضع أيام من التدريب لا تكفي لتعتاد ساقيها الجديدتين. قفز كوراكس فوق كتفي ليركب بسهولة بينما كنت أتسلّق هابطاً من الشجرة. كدت أتفاجأ لعدم استغلاله الفرصة لاستعراض مهاراته والدوران حول المبنى بأكمله قبل أن أبلغ الأرض. أظن أن الأمر بات أهم من الاستعراض الآن.
سألت: "إلى أين ينبغي لنا الذهاب؟".
أجابت: "ستُجرى المناقشة في قاعة الاحتفالات الرئيسية. مجرد تحذير، ستكون علنية، فهذا القرار يخص الجميع".
بادرت بالحديث قبل أن تهمّ كاسي بشيء: "هذا جيد، شكراً لك".
أعرف مدى سخطها حيال هذا الأمر، لكنه السبيل الوحيد أمامنا لنحظى بفرصة إنقاذهم. لن يؤدي التذمر إلا إلى تفاقم الأمور على الأرجح. وستمتلك على الأقل سكينها والجهاز الذي سرقته في فيغاس إن ساءت الأمور. استدارت إي-واحدة وتبعناها عن كثب. استقرت يد كاسي على خاصرتها فور أن لمحنا شخصاً آخر. إنها كلوي، وهي فتاة تحدثنا إليها عدة مرات.
منحتنا ابتسامة ورطت شفتيها بكلمتي "حظاً موفقاً".
أظن أن الجميع يعلمون بالأمر مسبقاً. لم ألمح الطيور حتى وهي تنشر الخبر. لا شعور طيباً في أن تكون الأخير علماً باجتماع يخصك، لكن لا يمكن تغيير ذلك الآن. يغص الشارع الرئيسي بالبشر والذكاء الاصطناعي على حد سواء، وكلهم يقصدون المبنى الكبير شبه الدائري الواقع في أقصى الطرف البعيد من الكهف. مسست يد كاسي براحتي عارضاً عليها الدعم، فقبضت عليّ عاصرةً إياها بأقصى قوة تسمح بها ذراعها الآلية.
سلكت إي-واحدة، ويا لحسن الحظ، ممرات أصغر بعيدة عن الطريق الرئيسي. صحيح أن هناك أناساً هنا أيضاً، لكن كاسي تتمتع بمساحة أكبر بكثير. يسهل تتبع الجميع مقارنة بحشد البشر على بعد شوارع قليلة فحسب. يبذل الناس، لحسن الحظ، قصارى جهدهم للتظاهر بتجاهلنا. يختلسون النظر إلينا بالطبع، لكن رؤية وجه كاسي العابس تكفي لجعلهم يحولون أعينهم صامتين. بدلاً من قيادتنا نحو المدخل الرئيسي، انحرفت عن الحشد واتجهت بنا نحو جزء مسطح من المبنى.
انزلق باب خفي فاتحاً ما أن اقتربنا، كاشفاً عن سلسلة من ممرات الوصول الطويلة غير المزخرفة بأبواب عادية تتوزع على مسافات متساوية. سارت عبرها قبل أن تنعطف نحو أحد الأبواب اللامتناهية، لتقودنا إلى غرفة انتظار صغيرة ومريحة. تصطف بضعة كراسي وأرائك حول طاولة نُثرت فوقها كمية قليلة من الطعام والماء. ويقبع باب ثانٍ في الطرف البعيد من الغرفة.
أشارت إي-واحدة إلينا بالجلوس وقالت: "حسناً. لا يتوجب علينا الدخول قبل دقائق أخرى، لذا يمكنكما الاسترخاء قليلاً".
عقدت كاسي ذراعيها وارتطمت قدمها بقوة بالأرض سائلة: "ما الذي ينبغي لي توقعه؟ كيف يبدو الوضع في الداخل؟".
أجابت: "الغرفة على شكل حفرة. سيجلس المواطنون الحقيقيون على كافة الجانبين للمشاهدة، والمزيد غيرهم يشاهدون من العالم الرقمي. وستجري كافة النقاشات غير الرسمية داخل العالم الرقمي. إن أردت الانضمام إليها، فسيكون هناك لوح إلكتروني من أجلك يا كاسي، ومنافذ يمكنك أنت وبلُو وكوراكس الربط بها أسفل مقاعدكم".
قلت: "لا أظنني أرغب في ذلك".
امتلكت معالجاتي الجديدة، لكنني وجدت أن الحد الأقصى يكمن في أن عقلي غير معتاد على ذلك الكم الهائل من الطاقة طوال الوقت. أستطيع تتبع مليون خيط مختلف، طبعاً، لكن كلما راقبت أكثر، قلّ استيعابي. الأفضل لي التركيز حصراً على النقاش الهام، لا على شعور كل فرد تجاهه.
"حسناً، لا بأس. حين نخرج إلى هناك، سترون مجموعة صغيرة من المقاعد مرتبة في دائرة. يحصل كل مشارك في النقاش على مقعد، ويكون الجميع في المستوى ذاته، مجازياً وحرفياً. لا أحد يتولى إدارة الحوار تقنياً، ولكن أرجوكما، لا تكونا السبب الذي يضطرنا لتغيير هذا النظام".
ألقت نظرة على ثلاثتنا بحثاً عن أي اعتراض قبل أن تثبت عينيها على كاسي.
"مجرد تحذير، كلوفر في وضع سيء. إنها مرتها الأولى بعيدة تماماً عن عقل الخلية منذ انضمامها إليهم مجدداً، وهي لا تتعامل مع الأمر جيداً. لست متأكدة من مدى تشابهها مع المرة الأخيرة التي رأيتِها فيها، فكوني على استعد لذلك".
قالت كاسي: "بال بالكاد تحدثت إليها، ولا أكاد أتذكر شكلها من الأساس".
"حسناً. أرجو أن تضعا في اعتباركما أثناء النقاش، نحن نعرف ما تريدان، وأنتما تعرفان أننا نريد الطفل الكمومي عائداً. لا رغبة لدينا في إبرام صفقات على طريقة البشر. نريد فقط الوصول إلى قرار نرضى عنه جميعاً، لا أن نمارس الألعاب أو نحاول التفوق على بعضنا. سنقدم كل ما بوسعنا، وننتظر منكم فعل الشيء ذاته. ومن هناك سنصل إلى اتفاق يرضي الطرفين معاً".
قلت: "يناسبني هذا تماماً. غير أنني لا أعلم ما نمتلكه لنقدمه".
"نحن نعلم، ولا بأس في ذلك. لو استحالت إبرام صفقة، لما تكبدنا عناء جدولة هذا اللقاء من الأساس. أظن أن هذا كل ما لديّ لأقوله، هل لديكما أي أسئلة؟".
سألت كاسي: "هل على الجميع المشاهدة؟ هؤلاء جمع غفير".
"نعم. لا نقوم بشيء خلف الأبواب المغلقة، وأمام أمر بحجم هذا، سيكون الجميع هنا".
أطلقت كاسي صفيراً وألقت بنفسها على أحد المقاعد: "يا للروعة اللعينة".
سألت: "من سنخاطب؟ هل نعرف أحداً؟".
"سأكون أنا، مبدئياً. وسيمثل كل نوع من الكائنات هنا شخص واحد، كائنات كمومية، وبيولوجية، وبرمجيات، وعقول مستنسخة، وبشر. وجدنا أن وجود شخص مألوف لديكما أمراً هاماً، لذا سأكون هناك أيضاً. بالطبع لا يعني هذا موافقتي الدائمة عليكما، فسأظل محايدة بقدر ما أستطيع".
"هذا جيد".
سيكون رائعاً وجود من عاش ذكرياتي ويستطيع مشاركتها، تحسباً لتعذّر ذلك عليّ.
"سيرغب الجميع في تقديم أنفسهم شخصياً. إن لم تكن لديكما أسئلة أخرى فسأتقدم بالدخول".
ظلت كاسي وكوراكس صامتين.
قلت: "لا أظن ذلك".
"حسناً. خذا دقيقتين لأنفسكما، وادخلا متى كنتما مستعدين".
منحتنا إي-واحدة ابتسامة مريحة قبل أن تتحرك وتعبر الباب البعيد.
سألت كاسي بينما أخذت مقعدي بجانبها: "أأنت بخير؟".
رمقتني بطرف عينها، متسائلة بصمت عما يدور بذهني.
عرضت عليها: "يمكنني تولي الجزء الأكبر من الحديث".
"المشكلة ليست في ذلك".
"أعرف، لكنه كل ما أستطيع فعله. وإن حدث أي شيء، فسأكون بجانبك تماماً. نفعل كل شيء معاً، أليس كذلك؟".
ارتعشت زاوية فمها صعوداً.
قالت: "سيقود أحدنا الآخر إلى الهلاك".
قال كوراكس: "لا".
قلت: "إن متنا، فلن يتواجد أحد لأجل فينس وأيفاي. مما يعني أننا سنجعل الأمور تسير. سنكتشف طريقة ما".
ارتعش فمها مرتفعاً نحو ابتسامة، وأفلتت شهيقاً خفيفاً.
"يبدو إذن أننا سنجلب الهلاك لأنفسنا معاً. لننتهي من هذا الأمر".
دفعت نفسها ناهضة عن المقاعد، ومدّت يدها لتساعدني في النهوض من مقعدي.