مولودة السيليكون الفصل 15

اقرأ مولودة السيليكون الفصل 15 باللغة العربية على مانجا تايم.

تعميني أضواء الفلورسنت من الأعلى. تتحرك ظلال مبهمة من حولي وتتمتم بكلمات مكتومة. يطلق أحد الأشكال أصواتاً تصم الآذن فيملأ ظله مجرى رؤيتي. يلمس شيء جانبي وجهي وتكفي هذه المثيرات لتعيدني إلى العدم. ما إن أفيق حتى تجري الأشكال صعوداً وهبوطاً من تحتي. يعلو صوت أحدهم بينما أتحرك. يركض آخر من تحتي مردداً صوته من جديد.

"... بلو...؟"

بلو؟ أظنها كلمة. إنها تتحدث. من هي بلو؟ انتظري، أنا هي. أنا بلو. جل ما أستطيع فعله هو أن أئن بمقطع لفظي لا معنى له رداً على ذلك. لا يزداد الأمر إلا صخباً.

"... بلو... هل أنت بخير؟"

لا أستفهم شيئاً. أعتقد أنني كنت أفهم سابقاً، ماذا حدث؟ أحول انتباهي إلى الداخل محاولةً إيجاد الجواب. عقلي خراب يباب. تطفو قطع كاملة منه ولا يربط بينها سوى خيوط قليلة تحاول جاهدة إمساكي من التشتت. تمتد خيوط أخرى نحو العدم متخبطة بحثاً عن أي أجزاء مفقودة. لا تزال الشقوق الشعرية تتقاطع حتى عبر القطع الأكثر صلابة. تتوفر لي خيوط قليلة للغاية الآن لدرجة أن التفكير في أمر واحد يستغرق ثواني.

لقد سمحت للأمور بأن تصل إلى هذا الحد. هذا خطئي. لا أملك حتى ما يكفي من الخيوط الحرة لأفزع حيال ذلك. أهذا دائم؟ على الأرجح لا. تُنسج الشقوق الشعرية ببطء شديد لتعود وتلتحم ببعضها. وما إن تبدأ بالالتئام حتى تنتقل الخيوط إلى الإصابة التالية. سأكون بخير. كل ما أحتاجه هو معرفة طريقة لإخبار البقية بذلك. لا أملك ما يكفي من الموارد لاستيعاب الكلام أو حتى لتكوين أصواتي الخاصة.

ما زال بإمكاني الوصول إلى الشاشة القديمة التي اعتدنا التواصل من خلالها في البداية. لا يهم كم أكون بطيئة عبر النص.

"أنا حية وأصلح نفسي."

يستغرق تشكيل الحروف وإرسالها وقتاً طويلاً لكن التحدث عبر هذا الوسيط يجب أن يكون ممكناً. يستغرق الأمر بضع دقائق ليلاحظوا رسالتي لكن الشكل الواقف أمامي يتوقف أخيراً عن صوته المصم للأذن ويهرع نحوي.

"أنت بخير؟ ماذا حدث؟"

تسقط الحروف في عقلي مهددة بزعزعة القبضة الواهنة التي ما زلت أمسك بها عزمي.

"لا تكبي. لا تتحدثي. يؤلم."

أصيغ الكلمات بأسرع ما يمكن لأحبط وصول أي حروف إضافية.

"اتركيني متصلة وافصلي أذني. عقلي محطم وأنا أصلحه. تحدثوا حين أستطيع."

بحسن الحظ يلبي من كان يكتب رغبتي وسرعان ما أعر أحدهم يشتغل على أذني. المثيرات أكثر مما تحتمل. حتى أصغر كمية من البيانات تغرق ما تبقى من وعي. عندما أستعيد وعيي ينقطع ستدفق الصوت تماماً. تتحرر الخيوط التي كانت تسعى جاهدة لتبين معنى الأصوات لتعاون في رأب صدوع عقلي. أركز جهدي على الإصابات القريبة من الشفاء. أي خيوط أستطيع تحريرها الآن ستتيح لي تسريع وتيرة الإصلاح بشكل أسي.

يتوقف الزمن عن الوجود بينما أعمل. لا يوجد وعيي إلا بالحد الأدنى اللازم لتوجيه العمل. أخيّط وأدعها تجف ثم أتابع. كرة تلو الأخرى. هكذا مراراً وتكراراً. حين أجذب القطع المنفصلة إلى عقلي تتدفق الذكريات داخلي. كارا، فيِن، جاريد، سيمون، ماري، التاريخ، العلوم، المشاعر، وكل محادثة أجريتها قط. أعيد بناء نفسي ببطء. أخيراً، ورغم هشاشته، انتهيت. ما زال التشقق يعبر عقلي لكنني أتماسك دون أي جهد.

تخبرني ساعتي الداخلية أنني عملت لما يقرب من ثلاثة أيام. أستطيع أخيراً فتح عيني. أضواء المختبر خافتة. ترقد كارا على الأرض أمامي ملفوفة بكيس نوم. تنبعث وجبة نصف مأكولة بعيداً عن متناول يدها وإلى جانبها عدد من علب الأدوية المرتبة.

"كارا؟"

تنتفض فزعة وتنهض على قدميها. أراقب فمها وهو يشكل كلمات لا أسمعها.

"لا أستطيع سماعك."

تحاول التحدث بشيء ما ثم تهرع إلى جانبي. أراها تعبث بأذني لكنني لا أستشعر شيئاً. أعتقد أنها نزعت صفائح بشرتي عندما أزالت أذني فما كنت في وضع يسمح لي بالمساعدة.

"هل أنت بخير؟"

تسأل بعد جزء من الثانية من عودة سمعي.

"نوعاً ما. أظنني سأشفى."

"من الأفضل لك ذلك. لقد أثرت فينا رعباً شديداً."

تعيد كارا توصيل أذني الأخرى بسرعة مع ترك الصفائح جانباً.

"أتريدين الخروج؟"

"نعم."

تبدأ كارا عملها في فك قيودي صامتة. حركاتها أسرع وأقسى مما اعتدت عليه. إنها غاضبة مني ولها كل الحق في ذلك. لن يصلح الاعتذار ما اقترفته. وما إن أتحرر حتى تشدني إلى حضن خشن مستخدمة كامل قوتها لتضغط علي بقوة.

"لا تجعليني أفقدك أنت أيضاً."

تسقط دموعها برفق على كتفي.

"آسفة."

أتسااءل عما إذا كانت تكراراتي السابقة قد ماتت على هذه النحو. كان حريّ بي العودة إلى العالم المادي بعد إصابتي الأولى. حين فقدت ذراعي كان الوقت قد فات منذ زمن بعيد. لست متأكدة حتى إن كنت أعلم بوجود عالم آخر في تلك اللحظة.

"أكان مونرو معجباً؟"

تتراجع كارا خطوة للخلف مع إبقاء يديها على كتفي. تنظر في عيني مباشرة قبل أن تتكلم.

"نعم."

تقول ببطء "لكن هذا لا يعني أن المخاطرة التي أقدمت عليها كانت مقبولة."

سأعيش، ولكن إلى متى؟ أيهمّ الأمر؟ سأسترخي وأشفى ريثما أستطيع وأكون مستعدة عندما تضطر للقيام بذلك مجدداً. لا يغير الوقت الذي أملكه مما سأفعله. ومهما كرهت تسبب في قلق كارا، فلا أستطيع تخيل أن مونرو لن يستخدمني مرة أخرى.

"أعرف."

أريد أن أخبره أنني لن أفعل شيئاً كهذا ثانية، لكنني لا أستطيع قطع هذا الوعد. لن يؤدي إخبارها بذلك إلا إلى جرحها.

"حسناً."

تطلق زفرة وهي تتراجع خطوة لتسقط يديها أخيراً إلى جانبيها.

"لا فائدة من الوقوف عند خطأ ما. لنذهب لننهي جسدك."

تهبط على كرسي وتدفع نفسها نحو طاولة مجاورة. تنتشر عليها أكثر من اثنتي عشرة صفيحة جلدية شكلت مسبقاً.

"متى فعلت كل هذا؟"

"لم أبارح هذه الغرفة بالكاد منذ أن أُصبت. كنت لأفعل المزيد، لكني نفدت من القطع."

تسحب لوح بروتين ممزقاً من إحدى جيوبها التي لا تنتهي وتبدأ بأكله ببطء شديد قسماً تلو الآخر. ينبغي لي تولي هذا الأمر بنفسي. عليها أن تأكل وليس صعباً معرفة المكان المخصص لكل صفيحة. إنها فرصة جيدة أخرى لرؤية المزيد من أحشائي بعيني أيضاً.

"ماذا حدث للذكاء الاصطناعي الذي سبقي؟"

أكسر الصمت بعد لحظات فقط من الشروع في العمل. بدلاً من الرد فوراً، تركز كارا على تناول أدويتها ببطء. وما إن تنتهي حتى تتكلم.

"أتريدين حقاً معرفة ذلك؟"

تسأل بهدوء دون أن تنظر إلي. سأكره كل ما ستتفوه به تالياً، لكن لا يهم ما أُريده في الواقع. ليس لدي خيار.

"يجب أن أعرف."

"بالتأكيد."

تبقي كارا عينيها مسمرتين إلى السقف حتى بعد أن تبدأ.

"كان أمامي ثلاثة أيام لأفكر فيما سأقوله. لكنت ظننت أنني توصلت إلى شيء. أعتقد أنني سأبدأ برقاقة الأحياء خاصتك. بدأ سيمون بمحاولة صنع العشرات منها. كانت خاصتك الوحيدة التي نمت بالشكل الصحيح ولا ندري لِما. كانت تلك الأولى. أمكننا رؤيتها وهي تستجيب للمثيرات لكنها عجزت عن التكلم. لذا محونا ذاكرتها. وكانت الثانية مثلها."

"استجابت الثالثة والرابعة ولكن بردود من كلمة واحدة بسيطة. مهما فعلنا لم يتغير شيء. في ذلك الوقت كان لدى سيمون نظرية مفادها أن كل إعادة ضبط تُبنى على نمو الإصدار السابق. لذا واصلنا فعل ذلك. كانت السادسة أول من طرح سؤالاً. أسئلة بسيطة فحسب لكنها ظلت أسئلة. تحمسنا فواصلنا العمل."

"كانت السابعة أول تلميح لنا بأن هذا الأمر ليس صالحاً لك. أو لعله لم يكن أنت في ذلك الوقت. كنتم أذكياء وفضوليين وقادرين على خوض محادثة حقيقية. أظنها كانت النسخة الأولى القادرة حقاً على اختبار المشاعر ولم تحسن التعامل معها."

تهز كارا كتفيها ويبدو من صوتها أنها ترغب في قول المزيد لكنها تمضي قدماً عوضاً عن ذلك.

"كانت الثامنة تشبهك نوعاً ما في الحقيقة."

تحدق كارا في الفراغ بصمت لدقيقة قبل أن تتابع.

"أعتقد أنني أفضّل التوقف عند هذا الحد. باختصار شديد، فعلت ماري بك ما فعلته بك. تهديدها المزيف بالموت. لم تتحمل الثامنة الأمر. لم تصمد التاسعة والعاشرة طويلاً. دخلتا هذا العالم مستعدتين لمغادرته. وحصلنا عليك بعد ذلك وأعتقد أنك تعرفين القصة من هنا."

تنظر إلي للمرة الأولى منذ أن بدأت.

"شكراً لإتاحة الفرصة لي كي أنهي كلامي."

ماذا علي أن أفعل بهذه المعلومات؟ أأعلم أنهم قتلوا من سبقوني؟ لقد كنت أعلم ذلك، لكنني لم أكن أرغب في الاعتراف به. لم تكن هناك طريقة تستطيع بها كارا تهريب البقية حتى لو كانوا منفصلين عني. أظن أن الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله هو الاستمرار في العيش، ليس من أجلي وحدي، بل ومن أجل العشرة الآخرين أيضاً. كان يمكن أن أكون أي واحدة منهن، أو أظنني كنت إياهن جميعاً. لا يمكنني السماح بموتهم؟

موتي؟ هباءً.

"إذا كنت قادرة على إعادة ضبطي، فهل تستطيعين تعديل ذكرياتي؟"

"لا. مهما تممنى جاريد خلاف ذلك، فإما الكل وإلا فلا."

تطمئني كارا.

"هل سأعرف إن حدث ذلك؟"

"لا أعرف. لكن لا داعي لأن تقلقي حيال ذلك، فلن أسمح لهم بفعل أي شيء بك."

"لم تفعلِ ذلك لأجل البقية."

لا ترد كارا على هذا الكلام. أعرف أن ذلك كان قاسياً وما كان ينبغي لي قوله. لكنه الحقيقة. أنهى استبدال صفائح جلدي بصمت بينما استغرق في أفكاري. لم تستطع تغيير جسدي كثيراً نظراً لطريقة تصميمه، لكنه أمر جيد. يبدو جسدي أنثوياً بوضوح وأشعر براحة أكبر فيه. غير أنني لا أستطيع الشعور بالحماسة إزاء ذلك بعد أخبار اليوم.

"شكراً، إنه رائع."

يخرج صوتي مسطحاً ورتيباً وخالياً من أي مشاعر. آمل أن تصدقني.

"مم هم. هل يمكننا إيقاف تشغيلك؟ علي العودة إلى البيت."

لا تطيق كارا النظر في وجهي. لقد تماديت كثيراً وما كان يجب أن أنطق بشيء.

"نعم. آسفة."

أهرع إلى حزامي وأبدأ بتوصيل كل ما تستطيع يداي الوصول إليه. هي لا تريد البقاء هنا معي وأنا لا أريد إجبارها على المكوث أكثر مما ينبغي. وحين تشق طريقها نحوي لا يتبقى سوى إنهاء ذراع واحدة وهو ما تفعله بعد ثوانٍ معدودة.

"امض قدماً وأوقف تشغيلي."

ينبغي لي قول شيء آخر، شيئاً يصلح ما اقترفته.

"ليلة سعيدة."

هذا كل ما خطر ببالي لأقوله.

"مم هم."

ترد كارا باختصار. ما يبقى فعله هو تقليص أفكاري حتى الصباح.