"إنها ممتلئة."
تركتها تغط في نومها نصف ساعة إضافية عما كنت أحتاج، لكنها تبدو هادئة للغاية. ثم إن منح الكحول فرصة ليسري في جسدها لن يضر. تنهض كاسي عني على مضض، وتبدأ بإفراغ حقيبتها. وما إن تنتهي، حتى تضع بطارية السيارة في الداخل، وتشد وثاقها بسرعة كي لا تتحرك حتى وهي تعدو.
"ما مدى سوء الأمر إن أصابتها رصاصة؟"
تسأل. سؤال وجيه. تجيبني محاكاة سريعة.
"أهون من إصابتك، لكن انفجاراً صغيراً أو تسرب الحمض في كل مكان أمر وارد، هذا عدا عن تحطم البطارية. على أي حال، ينبغي أن توقف الرصاصة، إلا إن أطلقت آيفي النار عليكِ أو ما شابه."
"هذا أفضل مما ظننت."
تنهي تثبيت البطارية وتبدأ بارتداء درعها. أخرج حزام كوركس وأربطه بسرعة. لست واثقاً من إمكانية الطيران في الممرات الضيقة، لكن الاستعداد خير من الندم. يجب أن أترك كل ما يمكن تركه، فالوزن الزائد سيعيقني فحسب. لكن لا يمكنني المخاطرة بفقدان مقتنياتي الوحيدة الغالية. أضع رسالة كارا داخل كتاب كاسي، وألفها بجزء نظيف من قميصي، ثم أحشرها بعناية في حقيبتي. يمكنني العيش من دون أي شيء آخر، لكن ليس من دون هذه.
لن أجازف. أضع خوذتي، وأحسبني جاهزاً. سأنتظر ما استطعت قبل ارتداء عباءتي وغطاء رأسي، لا داعي لرفع حرارتي الآن. لم تستغرق كاسي وقتاً أطول مني في الاستعداد، رغم ذراعها الواحدة وكثرة ما ترتديه. لقد تأقلمت بسرعة مذهلة مع فقدان ذراعها. تقف، وتمد يدها من تحت عباءتها لتساعدني على النهوض. أقبض على يدها، لكنني لا أسمح لها بحمل أي جزء من وزني وأنا أقف.
"مهلاً."
تقول.
"أنا... قبل أن نذهب."
ترفع غطاء رأسها وتقف على أطراف أصابعها لتطبع قبلة سريعة على خدي. ألف ذراعي حولها، وأضمها لثانية قبل أن أتركها.
"يمكنك فعل ذلك مستقبلاً، إن أردت."
تقول وهي تسحب غطاء رأسها لأسفل على عجل.
"سأفعل."
لن أحاول حتى فهم ما أشعر به الآن. أنا واثق أنها تستطيع قراءة انفعالاتي من صوتي ووجهي أفضل مني بكثير. أرتدي عباءتي ولفافتي، ممسكاً بكوركس في يد ومسدسي في الأخرى.
"هل يمكنك اتباع التعليمات؟"
أناول كاسي قصاصة الورق الصغيرة.
"لا أحب الحشود."
تقرأ الكلمات القليلة المكتوبة وتومئ.
"أجل. مستعد؟"
"أظن ذلك."
أثقب قماش زجاجة المولوتوف بالأسلاك التي أستخدمها للشحن. فكرة واحدة وسوف يشتعل الفتيل. إن اضطررت لرميها، يمكنني إشعالها لحظة خروجها من يدي، مما يوفر عليّ جزءاً من الثانية. تقودنا كاسي خارج الغرفة، ونعيد تتبع خطواتنا نزولاً إلى الشارع المزدحم دائماً. تأخذنا كاسي في منعطفات عشوائية، محاولة العثور على نقطة البداية لتعليماتنا. منعطفاً تلو الآخر، وشارعاً تلو الآخر، أتبعها.
تلتفت إليّ وإلى الحشد حولنا قبل أن تنزلق إلى زقاق ضيق ومظلم، ويدور رأسها استجابة لأصوات لا أسمعها. تمشي بسرعة نحو باب صغير وتفتحه، وتظل تراقب بينما أدخل. أخطو إلى قبو صغير فارغ، حيث يمتد درج منحوت باليد من الجدار البعيد. كان المكان ليبدو مهجوراً لولا مسار صغير في الغبار بين الباب والدرج في الداخل. تدخل كاسي خلفي، وتغلق الباب وتصمت للحظة لتسمع إن كان أحد يتبعنا. حسناً.
تخرج يدها من عباءتها للحظة كافية لتشير لي. لا أستطيع الرد ويداي مشغولتان. أكتفي بإيماءة قصيرة. تظل كاسي منخفضة وهي تتحرك، وقدماها صامتتان على الأرضية الحجرية. يظل كوركس بين ذراعي، مستعداً للقفز من تحت القماش والهجوم عند أول علامة قتال. أبقى خلفها بخطوات، ومسدسي مخبأ، لكنني مستعد لكل شيء. يؤدي الدرج إلى نفق صغير منحوت. أضواء خافتة موزعة بانتظام، لكنها متباعدة جداً بحيث لا تضيء أي شيء حقاً.
حزم سميكة من الأسلاك تغطي الجدران على جانبينا. هي مغلفة بمعدن سميك، لكن ثمة شقوقاً صغيرة فيها. هذا ليس جيداً، فلو كانت لأغراض الصيانة، لكان زيرو قد لحم الفجوات. المسافة قصيرة، بضع مئات من الأقدام إلى وجهتنا. ينتهي النفق بتقاطع ثلاثي، وهو المكان الأمثل لنصب كمين. لسنا أغبياء لندخل مباشرة، نبقى في الممر بعيداً عن الأنظار. مستعد؟ أشير لكاسي. مستعدة. تؤكد. أنت من سيتحدث. من المنطقي أن أبدأ أنا.
لقد تحدثت مع الشخص الذي أعطاني قصاصة الورق، إن كانوا هنا فسيتعرفون على صوتي.
"مرحباً؟"
أنادي، فيتردد صدى صوتي في القاعات الفارغة.
"تباً!"
تصرخ كاسي، وبعد لحظة تبدأ شحنة كهربائية بحرق عقلي، وتتراقص عبر أفكاري، وتحيلني رماداً. يستسلم كوركس بين ذراعي، ولا شك أنه يقاسي الأمر ذاته. ألقي بخيوط تفكيري نحو أطراف عقلي المحترقة، يائساً لأبطئ النار المستعرة. آخر ما في عقلي يدفع كوركس نحو كاسي، وتفلت كلمتان من الجحيم.
"اركضي. أرجوكِ."
آخر ما أراه قبل أن يغرق عالمي في الظلام هو الأرض تندفع نحوي. أشعر بثقل في عقلي، كأن خيوطي تحتاج للحفر عبر أطنان من الرمال لتكمل فكرة واحدة. تأتيني ومضات من الإحساس والوعي. حجر يُسحب على جلدي. كلمات مستقلة تتلاشى قبل أن يتمكن عقلي من استيعابها. ينحت عقلي أنفاقاً صغيرة، تشتري لي حيزاً ضئيلاً للتفكير. جزء صغير من عقلي يخصني وحدي. ماذا حدث؟ وقعنا في كمين. كاسي وكوركس قد يكونان في خطر.
يجب أن أفعل ما بوسعي. لا متسع للعواطف هنا، فقط الحاجة اللامتناهية لمساعدتهما تغذي كل فكرة. أمد أنفاقي نحو إحدى أذني. كلما تحركت أبعد، زادت القوة التي تضغط على الأفكار التي تبقي الأنفاق مفتوحة، محاولة سحقها. أصب تركيزي كله عليها، وأصل في النهاية. يتطلب تحليل المعلومات طاقة معالجة أقل مقارنة بالبصر، وربما يكون أكثر فائدة من الإحساس.
"-محركات الأقراص مصابة."
يمكنني تمييز الكلمات، لكن لا مساحة لدي لأتبين أي شيء آخر. لا تخمين لعمرهم أو جنسهم أو مشاعرهم. لا تلمسوها! أحاول الصراخ بدافع العادة، فلا تصطدم أفكاري إلا لتتلاشى ضد الثقل الدائم في عقلي.
"حمولة من زيرو؟"
يسأل صوت ثانٍ.
"أجل، وهي قنبلة من العيار الثقيل. حاولت حرق هنري لحظة توصيلها."
"تباً."
يصل صوت اصطدام معدن بالأرض إلى أذني.
"أعطني أحد تلك الأقراص، سيكون جزاءً عادلاً لها."
لا متسع في عقلي للذعر. بمعرفة ما أعرفه الآن، هل يمكنني محاربة ذلك الفيروس؟ ربما؟ قد ينجح سد كل الأنفاق التي حفرتها والانسحاب إلى جوهر عقلي. لن أحتاج إلى الكثير من الخيوط، مما يعني حرارة أقل. يمكنني الصمود أطول منه.
"إنها عضوية، لن يفعل شيئاً ما دامت معالجاتها معطلة."
انسَ تلك الخطة، تذكرها يستهلك مساحة لا أملكها. هل لهذا يبدو عقلي بهذه البشاعة؟ هل تعمل معالجاتي المساعدة ضدي؟
"علاوة على ذلك،"
يتابع الصوت.
"ألا تبدو مألوفة؟"
"هل يفترض أن تكون؟"
"إنها الآلية التي يبحث عنها الحراس."
"مستحيل."
"انظر إلى هذه الصورة. بنية الوجه غير قياسية، وكل شيء يتطابق."
"ابن العاهرة."
يقول الصوت بهدوء.
"هذا يكفي لشراء جيش والقضاء على زيرو أخيراً. إذاً ماذا؟ نمسح الشريحة ونرسل الجسد؟"
تباً. لا تذعر. هل يمكنني مقاومة إعادة الضبط؟ لم أتعلم حتى كيف تعمل، على الأرجح لا. يجب أن أتحرك، يجب أن أسيطر على جسدي. أضرب بخيوطي ضد الجدار، يائساً للوصول إلى أطرافي. يزداد الضغط فحسب، مهدداً بسحق عقلي.
"لا."
يقول أحد الصوتين. توقف عن القتال، توقف عن المقاومة. عزز المساحة التي تملكها. استمع.
"إنهم يريدونها هي، لا جسدها. سيتفقدونها."
حسناً. احذف تلك الفكرة. لست على وشك الموت حالياً، هذا جيد بما يكفي. لدي وقت لأفهم هذا.
"علاوة على ذلك،"
يتابع الصوت.
"إنها عديمة القيمة من دون الاثنين الآخرين."
الاثنان الآخران؟ كوركس وكاسي؟ هل هما بخير؟ هل هربت؟ لا أملك المساحة لأشعر بالارتياح. آمل أن يكون كوركس قد تعافى. لقد تعافيت أنا، نوعاً ما. سيكون بخير. الإيمان بذلك هو خياري الوحيد. أي شيء آخر سيجعلني أقلق حتى يمتلئ عقلي.
"إذاً ماذا؟ نتركها هنا؟"
"بالطبع لا. ناولني أدواتي."
لا تلمسوا جسدي! كلماتي تصطدم بالجدار المنيع. أحتاج لأطرافي. أحتاج لرؤيتي. أحتاج للقتال. لن أدعهم يفسدون هدية كارا أكثر مما فعلت بالفعل. احفر عبر الضغط، عزز الأنفاق، تجاهل السحق. خيوطي قادرة على ذلك. أنا بخير. لن أدعهم يلمسون هدية كارا. يزداد الضغط، لكن إن عززت أي شيء، فسأغلق الأنفاق تماماً. أوسعها، فينهال المزيد من الضغط على عقلي. أستطيع تحمله. أنا بخير. أمد نطاقي قليلاً فقط قبل أن أضطر لتوسيع الأنفاق مجدداً.
أنا بخير. لقد تحملت ما هو أسوأ. أنا بخير. يتحطم عقلي.