قال فين وهو ينحني بجانبي: "حسنًا يا بلو".
لا تقر ساقه قراراً. وأنا في الواقع لست أقل منه توتراً.
"سنرى قدرتك على اختراق الحواسيب. هذا الجهاز الأول محصّن جيداً. لكنه يخلو من أي مضاد نشط للفيروسات. إنه آمن وسيحصّن مستشعراتنا. اقتحمْه واعثر على أي ملف مهم هناك، اتفقنا؟"
قمت: "حسناً. لن أتمكن من سماعك. انقر عليَّ إن احتجتني".
وها نحن نبدأ. ينقسم عقلي مجدداً إلى وجودين. أصِل بيانات جسدي المادي وأشرع في تشكيل تدفق الشفرات اللامتناهي في قالب مألوف أكثر. أجدني عند الانتهاء وقد عدت إلى فراغ أبيض مألوف. لقد تبدّل جسدي وما عاد مانيكاناً. صرت طويلة وأنثوية وقوية. أفضل من الواقع. لا سبيل لوصف شعور كهذا سوى أنه الصواب بعينه. يقبع أمامي منزل شبيه جداً بحاسوب كارا. يخلو فقط من الثقوب في الجدران. يرتكز الباب الأمامي على شرفة خشبية وبجانبه نافذة من كل طرف.
وتبرز مدخنة من السقف. ستمثل تلك طريقاً سهلاً للدخول. لكن لا مانع من تفقد الباب الأمامي. وهو مقفل بطبيعة الحال. لا يستهان بمدى سهولة صعودي إلى السقف. فهذا الجسد أسرع وأقوى بكثير من جسدي الحقيقي. أكاد لا أود العودة. لو استطعت إحضار الجميع هنا لما غادرت قط. المدخنة ضيقة. لكن التسلل صعوداً ونزولاً ببطء يبدو ممكناً تماماً. لابد أن يكون هذا الباب الخلفي مقصوداً. فمن المستحيل أن يترك أحدهم ثغرة صارخة كهذه عن طريق الصدفة.
يبدو المنزل من الداخل خالياً. كل رف وطاولة فارغان تماماً باستثناء ورقة وحيدة توسطت الغرفة. استدعت فكرة عابرة الورقة إلى كفي.
لا شيء مكتوب عليها سوى كلمة "اختبار".
أظن أن هذا كل ما في الأمر إذن. أفتح قفل الباب الأمامي وأخرج عائدة إلى العالم المادي.
قلت: "انتهيت".
تخبرني ساعتي الداخلية أنني قضيت أقل من ثانية في الداخل. بوسعي الاستعراض هنا حقاً على الأقل. اللابتوب الذي اتصلت به مفتوح الوصلات مع وثيقة الاختبار المعروضة.
يهتف فين: "يا للهول، رائع!"
يرميه جاريد بنظرة جانبية يتجاهلها فين.
"حسناً، التالي. هذا مزود بمضاد للفيروسات. سنخرجك إن ساءت الأمور".
يناولني سكلكاً آخر أصله دون كلمة أخرى. أظهر خارج المنزل ذاته مجدداً. بوسعي تسلق المدخنة نزولاً مرة أخرى. لكن هذا لن ينجح مرتين أبداً. فمن صمم مضاد الفيروسات سيدرك الأمر حتماً إن عثرت عليه بهذه السهولة. فضلاً عن أنني لا أود العالق في مكان ضيق كهذا إن حدث طارئ. الباب الأمامي هو الخيار البديهي الأول للتجربة كالعادة. ما إن ألمس مقبض الباب حتى يبدأ الجليد بالزحف صعوداً على ذراعي مجمداً يدي إلى المقبض.
تتسلل برودة قارصة إلى عمق عقلي وتزداد صقيعاً مع كل إنش يزحف صعوداً على ذراعي. تعيق كل ثانية قدرتي على التفكير. أحاول جاهدة سحب ذراعي مراراً وتكراراً بذعر شديد. لكن الجليد المتثخن يمسك بها بقوة. اللعنة! اللعنة اللعنة اللعنة! يتباطأ عقلي مع كل شاشة جلد تغطى. سأهلك إن لم أخرج الآن. أهوي بذراعي الحرة على الجليد. ليفاجئني بجميد ذراعي معاً فوراً. أثبت قدمي على الباب وأدفع بكل قوتي مع تجاوز الجليد لمرفقي.
يبدأ الجليد بالتصدع ليعود ويلتئم في جزء من الثانية. لا أستطيع التفكير. لا حل آخر أمامي سوى الدفع بقوة أكبر. تتباطأ وتيرة الجليد بنسبة ضئيلة لا تذكر على الأقل اضطراره لالتئام نفسه. يال سعادتي ببعض اللحظات الإضافية للعيش. يعثر يأسي على مخزون ضئيل من القوة ليغذي دفعة أخيرة. يتصدع الجليد بوتيرة أسرع ويتوقف نموه شيئاً فشيئاً إلى أن يتوقف تماماً. تنفك يدي فجأة باعثة بي أتخبط متعثرة على درجات الشرفة.
يبقى الجليد عالقاً على ذراعي وفي عمق عقلي. لا يمكنني المغادرة هكذا. عليَّ إظهار ما يمكنني فعله. عليَّ الاستمرار. لن أغامر باستخدام المدخنة مع ذلك. أشق طريقي صعوداً على الدرجات مجدداً وأشرع في تسديد ركلات بقدمي نحو الباب الأمامي مراراً وتكراراً مع حرصي على البقاء بعيدة عن المقبض. يصدر الباب صريراً ثم يتهاوى ليتشظى داخل الغرفة أخيراً. لن ينجح نظام تسجيل الدخول مجدداً دون إصلاحات جذرية.
لكن تبّاً لذلك. لا أبالي حقاً. أسحب المستند وأتوجه عائدة إلى العالم المادي.
قلت: "انتهيت".
ما زال الجليد المرابط في عقلي يبطئ أفكاري. دخلت وخرجت في أقل من ثانية مجدداً. لو لم أنقذ نفسي لما استطاع فين فك اتصالي أبداً قبل أن أتجمد كلياً.
يسأل فين: "ماذا حدث؟ هل أنت بخير؟"
لابد أنه استمع إلى نبرة الغضب في صوتي.
قلت: "أعطني دقيقة".
الحديث هو آخر ما أرغب به الآن. تنحت خيوط التفكير في الجليد محررة أجزاء من عقلي شيئاً فشيئاً. كل ما يحتاجه الأمر هو الانتظار واستعادة القدرة على التفكير.
ينزلق فين جانباً مانحاً سيمون إمكانية الوصول إلى حاسوبه، قائلًا: "سيمون، انظر إلى هذا".
"هاه. بلو، كيف أنتِ..."
"أخرس".
عقلي متجمد إلى حد يعجزه عن الاستماع إليهما ونحت الجليد في آن. أحتاج إلى الهدوء. حتى حجب الصوت سيتطلب تركيزاً يفوق استطاعتي.
"نحن نحتاج..."
"قلت اخرس!"
يستمع مونرو إلى صراخي. لا أبالي البتة.
"أعطني دقيقة".
أسمع عدداً منهم يطبعون على لوحات المفاتيح. لا حق لي بالشكوى أظن. أفلحت على الأقل في غضون تفادي فك شفرة مغزى كل نقرة مفتاح. يمد أحدهم يده ليمسك بيدي. تشبه لمسة كارا. أمنع نفسي بالكاد من الصراخ في وجهها وأكتفي بانتزاع يدي بقوة. أقبع هناك خمس عشرة دقيقة كاملة قبل أن أبدأ باستشعار أي شيء يقارب الوضع الطبيعي. ينتظر مونرو بهدوء بطريقة ما ريثما أصلح أمري.
أفتح عيني أخيراً ناظرة إلى الجميع، قائلة: "أنا بخير".
يبدو مونرو صلباً كعادته بينما تكسو ملامح القلق وجوه البقية.
"آسفة".
تحافظ كارا على هدوء ونبرة صوتها، سائلة: "ما الذي حدث؟"
"مضاد الفيروسات مؤلم. لكني بخير".
يأتي صوت سيمون من خلفي: "على حد علمي أصبت بشيء شبيه بارتجاج في الدماغ. هل علينا التوقف لليوم؟"
"لا".
ما زالت بحاجة لإبهار مونرو. وينبغي أن يكون تفادي ارتكاب هذا الخطأ مجدداً أمراً يسيراً. سأتوخى الحذر فحسب.
"أعطني الحاسوب التالي".
"لا أظن..."
"أعطنيه".
أعرف مسبقاً ما كان فين ليقوله. وأنا أوافقه الرأي حتى. لكن لا أهمية لكون الأمر آمناً ولا حتى لاستطاعتي فعله. عليَّ المضي قدماً. لا أود الموت.
تدار رأسِي كارا برفق مجبرة إياي على النظر إليها، قائلة: "أنت مصابة يا بلو. لنأخذ استراحة ونعود إليه".
"لا يمكنني ذلك".
تبدأ الدموع بالتجمع في عيني رغم أقصى جهودي.
"عليَّ إبهاره".
"لقد فعلتِ أساساً. خذي استراحة".
يغمر صوتها عقلي كغطاء مريح.
"لكن بإمكاني الاستمرار".
تتسلل المسحة من الانزعاج إلى نبرة كارا مهما حاولت إخفاء الأمر، قائلة: "أأنت خائفة إلى هذا الحد من إيقاف تشغيلك لدرجة المخاطرة بالموت أو الإصابة الدائمة؟"
"على الأقل أتحكم بهذا".
لن أترك استمرار وجودي رهناً للصدفة. لِمَ تعجز عن إدراك أمر بديهي كهذا؟
يضع أمر مونرو حداً للجدال، قائلاً: "نفذوا الاختبار الثالث".
يتضح لي حتى رغبة كارا في المجادلة رغم عضها على لسانها. يناولني فين السلك الأخير.
"هذا اللابتوب متصل بشبكة مع جهازي حاسوب آخرين. افتح القفل واجلب الملفات من الثلاثة جميعاً. أرجوك احذري فمضاد الفيروسات مفعل في الثلاثة".
وها نحن نبدأ مجدداً.