أأخبر لِيَا أن حاجتهم إلى أمن أفضل ماسَّة؟ هذا هو التصرف الصحيح، لكنها إن علمت بمدى سهولة اختراقهم، فقد تطالبنا ببذل المزيد. الصمْت أسلم لنا، وإن كان يعرّض المدينة لخطر أكبر قليلاً. أأرضى بهذا؟ أيجدر بي تحمُّل هذا؟ ـ انتهينا. أعلنت هذا وما زلت أفك كبلي عن الخادم. ـ حقاً بهذه السرعة؟ لم تستطع لِيَا إخفاء دهشتها. فصل كوراكس كبله وطار ليحطّ على كتف كاسي. يؤلمني هذا، لكنه خطئي.
لا أستطيع لومه. ـ تفقَّدي حاسوبك إن اردت الدليل. سيكون الاتصال بطيئاً، لكن كان عليّ جعله كذلك ليبقى خفياً. بات بإمكانك الوصول إلى كل شيء على الخادم الرئيسي. جلست لِيَا إلى مقعدها مائلة إلى الأمام، وضغطت على فأرة الحاسوب بضع مرات. أومأت برأسها بعد ثوانٍ معدودات، وابتسامة صغيرة ترتسم على وجهها. ـ ممتاز. ارتدت إلى الخلف مسترخية. ـ سيساعدني هذا حتماً على حفظ سرّكم. قالت كاسي: ـ مساعدة؟
الأفضل أن يفعل أكثر من مجرد المساعدة. ـ أظننا سنرى. عليكما العودة إلى غرفتكما، لا أريدهما يتجولان علناً. أشارت إليّ وإلى كوراكس. تمتمت كاسي بصوت خافت: ـ يا للروعة اللعينة. حسناً، تقدمي وأشيري لنا بالطريق. نهضت لِيَا عن كرسيها، وشرعت في تتبع خطواتها عائدة عبر الأزقة. انكمشت القطط على أسطح المنازل لما رأَتْ كوراكس، مستعدة للانقضاض. حاولت الاقتراب من كاسي، ليحمي رأسانا جانبيه.
لكنْ ما إن اقتربت حتى تسلق كوراكس ظهر كاسي واستقر على كتفها الأخرى. لا يهم كم هو غاضب. إنه حي، هذا ما يهمّ. حتى وإن كان يكرهني، أجد عزاءً طفيفاً في ذلك. حدّق كوراكس في كل قطّة عابرة، متحمّداً إياها على القفز. لا شك أن كوراكس سينتصر، لكني أكره أن يتعرض للخدوش بعد أن نظّفته وأصلحته لتوّي. رغم تمتمة بعض القطط بضجر، إلا أنها أذكى من أن تبرز مخالبها. بلغنا غرفتنا سريعاً، حيث أشارت إلينا لِيَا بالدخول وغادرت دون كلمة.
كان مدخل المبنى مساحة معيشة واسعة، تملؤها الأرائك المنسوجة والكراسي والطاولة. وتصطف على الجدران أبواب، يفضي كل منها إلى غرفة نوم صغيرة. كان بعضهم يلعب الورق أو يسترخي هنا، فالتفتوا إلينا ما إن دخلنا. شقّ الثلاثة منا طريقهم سريعاً إلى غرفتنا، وأغلقنا الباب خلفنا. وما إن انطبق الباب، حتى انطلق كوراكس من كتف كاسي وحطّ على السرير. شرع في جمع الأغطية لصنع عُشّ في المنتصف تماماً.
ذكّرته بلطف: ـ ستحتاج كاسي إلى نصف السرير لتنام فيه. التوى رأس كوراكس بحدة وحدّق بي لثوانٍ، بنظرة أشدّ حدة من ريشه. رفس كومة القماش الصغيرة بعيداً، وطار نحو بقايا الأقمشة في الزاوية. قالت كاسي وهي تفتح الباب قليلاً وتتسلل إلى الخارج: ـ سأذهب لأتناول شيئاً بينما تُسوّيان هذا الأمر. لا أظن أن هناك أمراً يُسوَّى، فهو يحتاج إلى الوقت فقط، لكني أظن أن بإدكاني المحاولة.
انحنيت قرب عُشه، متأكداً من أنني خارج نطاق وصوله. سألت بلطف: ـ أيمكنني تفسير سبب ما فعلته؟ لم يبدُ على كوراكس أيّ أثر لسماعي، وواصل تشكيل عُشه. كان ليرفض الكلام لو لم يرده. ـ لم أستطيع تركك مشلولاً وتتألم، وكان عليّ ترك جميع أدواتي في حقيبة ظهري لتوفير المساحة. استحال عليّ مساعدتك في ذلك الوقت. أنا أسف لأنني لم أُعد تشغيلك لنتحدث، لكن عقلي لم يكن في أفضل حالاته تماماً.
لست متأكداً حتى مما كنت أشعره ومن الخطر جداً استرجاعه لمحاولة فهمه الآن. ولكن إن لم ترد اختبار ذلك، فيمكنك سؤال كاسي عن وجهة نظرها. أنهى كوراكس عُشه واستقر داخله، ملقياً بخرقة قماش فوق رأسه. ـ حسناً، سأتركك وشأنك. حاولت إخفاء حزني لئلا أجعل شعوره أسوأ، لكني متأكد أن الأمر لم ينجح. ـ إن احتجت إلى أي شيء، فأخبرني، أو أخبر كاسي إن لم ترد محادثتي. لم يأتِني ردّ، فألقيت نفسي على السرير.
كل ما أحاول قوله زيادةً لن يزيده إلا غضباً. لا حيلة لي سوى انتظار عودة كاسي. يمكنني قضاء الوقت على الأقل مستغرقاً في أحد الكتب الجديدة التي سرقتها. مضت عشرون دقيقة تقريباً من الصمت المروع قبل أن ينفتح الباب مرة أخرى. دخلت كاسي، وهي تحمل طبقاً منسوجاً ممتلئاً عن آخره بتلك النبتة الخضراء التي رأيت الناس يحصدونها، وبعض قطع اللحم الأبيض فوقها. التفتت كاسي في أنحاء الغرفة باحثة عن كوراكس.
أومأت برأسها نحو كومة الملابس فأطلقت كاسي تنهيدة خفيفة وجلست بجانبي. سألت في محاولة يائسة للشعور بالعادية للحظة واحدة: ـ ماذا جلبتِ؟ ـ كودزو، أعتقد أنهم سموه هكذا؟ التقطت شوكة مهترئة من حافة الطبق، وغرزتها في مكعب اللحم وبضع ورقات، ورفعته لأراه. ـ وهذا سمك. أخذت قضمة مترددة من الخضار والسمك، ومضغت لثوانٍ معدودات قبل أن تتسع عيناها. ـ يا للهول، هذا ما كانت الطوابق العليا تخفيه عنا؟
أخذت قضمة ثانية سريعة. ـ الأوراق عادية نوعاً ما، لكن السمك لذيذ للغاية! ـ يسعدني أنكِ ظفرتِ بوجبتك الساخنة أخيراً. آمل ألا يكون ثمنها باهظاً. ـ أرخص مما تظن، ولكنه أكثر مما كان ينبغي أن أنفقه. سأتناول ما تبقى من الألواح بعد هذا، كنت بحاجة ماسة إلى أي شيء آخر حرفياً. ـ لست متأكداً مما تعنيه أرخص مما تظن. لم يكلف أحد نفسه عناء شرح قيمة المال. ـ أه، صحيح. أنزلت كاسي شوكتها، ومدّت يدها إلى جيبها لتخرج كيساً صغيرًا يُصدر صوتاً يشبه احتكاك الحصى عند تحركه.
ـ خذ. ناولته إيَّاه. أخذته وفككت خيطه بحذر. ووجدت في داخله أقراصاً من الطين المحروق، كُتِب على كل منها نقش دقيق من بين نقوش عدة. وطلت كمية صغيرة من المعدن قاع كل حفر. ـ لا فكرة لدي عن كيفية عمل المال سابقاً، لكنهم هنا يستعملون هذه القطع النقدية الصغيرة. قيمة كل منها تختلف عن الأخرى. كان لدينا خمسمائة، وأصبح لدينا اربعمائة وثمانون. ـ لا يبدو الأمر مختلفاً عما استخدموه قبل نهاية العالم.
مع أنني لست متأکداً من كيفية منع الناس من تزييف المزيد، تبدو هذه سهلة النسخ للغاية. ـ ربما يجدر بك عدم قول ذلك ونحن تحت المراقبة. ـ صحيح، آسف. أعدت العملة إلى الكيس وأحكمت ربطه. ـ على أي حال، تأتي هذه مع شيء آخر أيضاً. أخرجت من حقيبة ظهرها لوحاً طينياً ثانياً. ـ إنه سجل يفيد بأننا دُفع لنا خمسمائة عملة، وممهور بتوقيع العمدة حين منحنا إياها، وتوقيع البائع عندما نشتري أي شيء.
إن حاولنا إنفاق أكثر مما يذكر السجل أننا نملكه في فيغاس مثلاً، أو حاولنا إنفاقها من دون هذه الملاحظة، فستصبح بلا قيمة. ما الذي يمنع أحداً من تزييف السجل إذن؟ لكن هذا ليس ما ينبغي لي سؤاله بصوت عالٍ الآن. أظن أنه من المستحيل صنع شيء لا يمكن نسخه، وهو مجرد تحدٍّ آخر يُوضع في طريق المزيفين. ـ هل الخمسمائة عملة مبلغ كبير؟ ـ ليست طائلة، لا، وأنا متأكدة أنها ستتلاشى سريعاً حين نصل إلى فيغاس، لكنها ستديمنا لفترة.
ـ على الأقل لا نحتاج أنا وكوراكس إلى الأكل. تمتمت والفم مليء بالطعام: ـ مم-همم. والميزة مضاعفة لكوني لن أشارك هذا مع أحد. على الرغم من كل شيء، نجحت في رسم شبه ابتسامة على وجهي. لست متأكداً مما أبدوم عليه حقاً بلا جلد، لكنني متأكد أنه مرعب. محت الفكرة السعادة الناشئة في الحال. يطالبني جزء من عقلي بلمس وجهي لأعرف بنفسي، لكني خائف جداً مما سأجده. قالت كاسي للأسف: ـ ما بك؟
ـ أأبدو مخيفاً؟ ـ أعني نعم، لن أكذب. لو لم أكن أعرفك، لكنت هبتُك. هزّت كتفيها. ـ لكني أعرفك، وأعلم أنك لست كذلك، لذا فالأمر בסدر. ومن ذا الذي يلعن اهتماماً بما يظنه الآخرون. ـ أظن أنني أهتم. ـ حسناً، ما رأيك بهذا إذن؟ حين نصل إلى فيغاس، تفعل شيئاً من شعوذة الذكاء الاصطناعي في إحدى الكازينوهات وتجعلنا مليونيرات. يمكنك شراء بعض الجلد، وسأشتري من الكحول ما يكفي لأغرق نفسي، ونحتفل معاً.
ـ لا أظن أن هذا سينجح. سيكون التلاعب بكل شيء حرفياً أمراً تافهاً. حتى خلط مجموعة أوراق لعب بترتيب مسبق يجب أن يكون ممكناً باستخدام بعض المعدات المخصصة. ـ صحيح. انكمش جسدها بأكمله قليلاً، كأنني حطمت خطتها الوحيدة للتو. وهو ما فعلته على ما أظن. ـ أنا متأكد أننا نستطيع ايجاد طريقة أخرى لجعل المال، لكني لن أكون قادراً على فعل أي شيء مبهر. لقد أوضح زيرو جلياً أنه سيقتلني فوراً إن حاولت اختراق أي شيء.
ـ اللعنة، حقاً؟ ـ أجل. كاد يفعل في المرة الأولى، لكنه قال إني أبدو مألوفاً؟ والسبب الوحيد لتركي حياً هو احترامٌ لصديق ما. لا أفتهم ما يعنيه ذلك، ولا أستطيع المحاولة مجدداً لمعرفة السبب. ـ هذا أسوأ بكثير مما جعلته يبدو عليه في المرة الأولى. لمَ لم تخبر أحداً؟ كان التضجر واضحاً في صوت كاسي. ـ كنا مشغولين نوعاً ما، وكانت لدي مشكلات أكبر في رأسي. هزت كاسي رأسها غير مصدقة.
ـ حسناً، سيتعين علينا كسر فلتر المياه في فيغاس إذن. غرزت مرفقها في خاصرتي. ـ أراهن أنهم سيدفعون مليوناً مقابل إصلاحه. ـ أراهن أنهم يفعلون. بقيت صامتاً بينما كانت كاسي تأكل، ولم أجد شيئاً آخر أتحدث عنه. ولم أستطع منع نفسي من الحدّيق في كومة القماش الساكنة في الزاوية. أعرف أنه لا شيء يمكنني فعله ليشعره بخيانة أقل سرعة، لكن هذا لا يمنع عقيلي من محاولة يائسة لاختراع طريقة سحرية تجعله يسامحني.
مهما كانت الفكرة التي يستطيع عقلي تلفيقها، فلن تؤدي إلا إلى جعل الأمور أسوأ. لفتت كاسي انتباهي: ـ مهلاً. حين التفتت، كان طبقها الفارغ قد وُضِع بالفعل على الطرف البعيد من السرير. لم أدرك حتى أنها انتهت. نظرت إليّ، ثم حدقت في كوراكس، تلاها كتابها. صحيح، أجل قد يساعد ذلك. رغم أن القراءة المباشرة له قد تزيد الأمور سوءاً. أخبرتها: ـ سرقت بعض الكتب من الخادم الذي اخترقته أنا وكوراكس.
أتصور أنك مللتِ سماع نفس الكتاب مراراً وتكراراً. ليس كتاب رومانسية، لكن يمكنني قراءته لكِ على أي حال. دارت عيناها: ـ أنا أقرأ أكثر من الرومانسية. مع أنني لست متأكداً إن كانت الإساءة في صوتها حقيقية أم لا. ـ لكن حسناً، افعل ما تشاء. أظن أن لدينا الكثير من الوقت لنضيعه. ألقت كاسي ببعض الوسائد على الجدار، وأراحت نفسها على السرير، مسندة ظهرها إلى الكومة الصغيرة. قلدت جلستها وشرعت في القراءة.