⟦1﹞ "أاحتفظتَ بعدّة تنظيف؟"
سألت كاسي من المقعد الخلفي.
أجبت: "لا، كان عليّ التضحية بالطعام لأجلها."
"عظيم."
دست المسدس في كتفها وسحبت المنزلق بضع مرات، وتبدو غير راضية عن أمر ما في سلاحها.
"سنشتري واحداً حين نبلغ البلدة."
لحسن الحظ عثرت في درج القفازات على لوح رقمي يضم خارطة. من دونه لكنا انتهينا بالتيه حتى تقضي علينا العاصفة.
سألَت بجمود: "أتعرف كيف تعمل الأموال؟"
"ظننتُ أنني أعرف."
لا أظنها ستسأل لو لم يكن هناك ما يفوتني.
"أتبدلها بالآشياء فحسب، أليس كذلك؟"
"لم أكن أحمل سوى أقواس. لا قيمة لها هنا."
"ماذا؟ ولمَ لا؟"
"حين تبتعد عن مدينة القوس، يستعمل الجميع عملة محلية. إنها عديمة القيمة غرب فيغاس."
"آه، لم أكن أعلم ذلك."
يبدو ذلك منطقياً على أي حال.
"ولكن انتظر، ألم تشترِ جعة في بلدة الأخدود؟"
"بادلتُ بها، لم أشترِها."
"حسناً، بماذا بادلتَ بها؟ ربما بوسعنا فعل ذلك مجدداً."
قالت بجمود: "إصلاحك لمضخة المياه دفع ثمنها."
"صحيح. ربما لا يمكنني فعل ذلك مرتين."
قالت كاسي: "أجل. ربما يجدر بنا ألا ندخل البلدة من الأساس. لستَ أنا وأنت ممن يسهل تفاديهم."
"علينا ذلك. لم يشحنوا السيارة بالكامل، وبهذا المعدل سينتهي بنا الأمر نمشي الأميال القليلة الأخيرة لمجرد بلوغ أقرب بلدة. علينا الدخول والانتظار حتى تنقضي العاصفة هناك."
لا أهتم حقاً بصحة الإطارات، وأدفع السيارة بسرعة أكبر ربما مما ينبغي لها. سيمنحنا ذلك بضعة أميال إضافية.
"ألا يمكنك تزويد السيارة بالطاقة بنفسك؟"
"أنا مفعل ذلك."
وصلتُ نفسي فور استطاعتي، لكني عطّلتُ خطوط نقل البيانات الخاصة بي. هناك احتمال غير معدوم بأن أحداً ترك فيروساً هنا تحسباً لهذا الظرف بالذات.
"يمكنني منحنا بضعة أميال إضافية لا أكثر."
قبل أربعين عاماً كنت لأفعل أكثر بكثير، غير أن قلبي البلوتوني يقطع ثلثه الأخير من العمر. ليس لدي الكثير من الطاقة لأفرّط فيها.
"عظيم. حسناً، إلى أين نتوجه وما هي الخطة حين نصل؟"
"إنها بلدة أخدود أخرى، وليست تلك التي زرناها المرة الماضية. أظنها واحدة من بلدات ثلاث فكر في التوقف عندها إن لم تستقبل البلدة الأولى الجرحى، لكني لست متأكداً مما سوى ذلك."
سألَت كاسي غير مصدّقة: "ألا تعرف شيئاً آخر؟"
"مجرد نقطة على خارطة. والجانب المشرق أنها مسجلة كمنطقة غير تابعة لعصابة مارا."
قلت: "على بعد مئة ميل تقريباً."
"إذن نحن على مقربة تجعل تلك الحقيرة تتلقى خبر مكاننا قبل أن تضربنا العاصفة التالية. رائع حقاً. ما أن نصل، عليك إيجاد قافلة نسافر معها حراساً أو ما شابه. لا يهم إلى أين تتجه."
تبدو جادة إلى حد مميت.
"حسناً، سأفعل."
بطريقة ما. يتوجب عليّ ذلك. تموت المحادثة، وأُترك لأدبّر خطة بنفسي. أستغرق أي قوافل في المغادرة بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من انتهاء العاصفة؟ ربما، في الواقع، إن ظنوا أن السفر ليلاً أكثر أماناً. ولكن إن لم تكن هناك أي قوافل، أو إن رفضوا اصطحابنا، فكيف سأقنعهم؟ ربما يمكنني مبادلة هذه السيارة برحلة؟ أم أنها معروفة كسيارة مارا؟ لم ألمح أي رموز واضحة على هيكلها الخارجي، لكني أرجح أن ذلك وارد.
نملك بضعة مسدسات إضافية أخذتها من الرجال الذين قتلتهم، وأستطيع غالباً مبادلتها بشيء ما. أليست هناك أشياء أخرى في صندوق الأمتعة يمكنني مبادلتها لنيل مقعد في رحلة ما نحو مكان آمن؟ هذا كله بافتراض أن البشر الذين سنلتقيهم مستعدون أساساً للتعامل معي. ففينس وأييفي ليسان هنا ليتوليا الكلام، ولا أظن الأمر صعباً على الناس ليدركوا ما أكونه.
أكسر الصمت: "حراس شخصيون من الآليين موجودون، أليس كذلك؟"
تدرك قائلة: "أجل؟ آه بحق الجحيم، سينمّ الناس عن كراهية شديدة لك."
"أجل."
"احملني فقط، وافعل ما أقوله، وأبق صامتاً. سأتدبر الكلام أنا."
"حسناً. هذا يسهل الأمور عليّ. شكراً لك."
لا يمكنني إنكار شعوري بالارتياح لعدم إلقاء مزيد من الأعباء على كاهلي. إبقاء نفسي مششولاً يجدي نفعاً، لكني لست واثقاً من مقدار الضغط الإضافي الذي أستطيع احتماله.
"عليك محاولة نيل بعض النوم قبل أن نصل."
"أربع ساعات فحسب. أنا بخير."
إنها تكذب. هذه أطول مدة تقضيها مستيقظة منذ إصابتها. أنا واثق أنها تكابد الآن لتظل واعية.
"حسناً، إن كنت متأكدة."
أنا جازم بأن إصراري على نومها سيدفعها للسهر أكثر. ستستسلم للنوم تلقائياً في النهاية.
"أأكلتِ هذا الصباح؟"
"لا."
تعترف مكرهاً، وأسمعها تعبث كومة المؤونة الصغيرة خاصتنا. بعد ثوان معدودة أسمع شيئاً يرتطم بالأرض وألتفت للخور. يد كاسي مفتوحة أمامها، وكأنها تجمّدت في منتصف نقلها نحو يدها اليسرى المرتخية. يستلقي لوح طعام على الأرض في بركة لا أرغب في التفكير مما تتكون. ترمش كاسي بين يدها العضوية وذراعها المعدنية المرتخية بضعة مرات.
تتمتم لنفسها قبل أن تلتقط اللوح عن الأرض: "أنا بالغة البلادة."
"لا يتعين عليك أكل ذلك."
"لن أهدر طعاماً."
تبذل قصارى جهدها لمسح القطع والسوائل عن اللوح.
"ستمرضين."
"سأكون بخير."
تتمتم، وعيناها مسمرتان على اللوح، وأصابعها تشتد ببطء حوله.
"كاسي. بجدية."
لا يمكنني السماح لها بأكل ذلك الشيء تحت أي ظرف.
"هناك الكثير من الأمراض التي قد يحملها ذلك الشيء."
لا تفاعل لتوسلاتي، وتبدو متجمدة وهي تحدق في لوح الطعام الذي بين كفها. أمد يدي إلى الوراء وألفها حول كفها. يدها متوترة للغاية، وعقيدات أصابعها تبيض من شدة قبضتها.
"سأطهره، لكن الأمر سيستغرق وقتاً."
تلك كذبة. فقلبي المشع ليس حاراً بما يكفي لتعقيم أي شيء. ولكن إن كان عليّ الكذب لمنعها من الإصابة بنوع من المرض لا أقدر على علاجه؟ فسأفعل. صوتي رتيب بما يكفي لأنجو به ربما.
"أعطني هذا اللوح فحسب، ويمكنك تناول آخر."
تجلس صامتة لثوان معدودة ومتوترة. وقبل أن أهم بقول شيء أتأكد به أنها سمعتني أصلاً، تنفتح يدها ببطء. أتناول اللوح المبعج من كفها، وأضعه بأمان في حضني.
"شكراً لك. تأكد من تطهير يدك من فضلك."
أخيراً، تتسلل قليل من العاطفة إلى صوتي، حتى وإن غادره سريعاً.
"أجل."
تعود للحياة أخيراً، وتمد يدها ببطء نحو زجاجة المادة ذاتها التي استخدمتها لتطهير جروحها. أتركها تعتني بنفسها وأركز مجدداً على القيادة. تستغرق بضعة دقائق لتتجرع ببطء بعض الطعام والماء، لكنها تميل للخلف في مقعدها في النهاية وتدع عينيها تغمضان.
"أترغبين في الحديث عما جرى؟"
أنا واثق أنني أستطيع التخمين، لكني أفضل حقاً ألا أفعل.
تسأل دون أن تفتح عيناها: "أي هراء تظن؟"
"ظننت أنني سأعرض وحسب."
تسألني بالمقابل: "أترغب في الحديث عما يدور في رأسك أنت؟"
"لا."
"هذا ما ظننته."
بعد دقائق معدودة يبطئ تنفسها إذ يستدرجها النعاس للنوم مجدداً، تاركاً إياي وحدي مرة أخرى. ركّز فقط، لا تفكر. تلوح الأفكار والمشاعر بالفقاعات في عقلي، فأجرفها بعيداً بأن أشرع في ترديد كتاب كاسي مجدداً. أقاطع بعد ساعة واحدة فقط.
"آه! اللعنة!"
صرخة كاسي المتألمة تضع ذهني على حافة الهاوية. أهي تحتضر؟ أيوهاجمنا أحد؟ يمسح رأسي الأفق. لا أحد. تستقر عيناي عليها، وهي تمسك بكتفها المحطم.
"ما الأمر؟"
يملأ صوتي المذعور المقصورة الصغيرة. يتوجب علي الصراخ لأُسمع فوق صوتها.
"الذراع اللعينة!"
"فخ آخر؟"
ألقي السيارة في وضع التوقف وأتسلق عائدًا فوق وحدة التحكم. لقد تفقدتُ الأمر. لا مجال لأن أخطئ مفتاح طوارئ آخر. أألمسها؟ لا يمكنني المجازفة بالتعرض للصعق بالكهرباء مجدداً، ولكن كيف أساعدها؟
"لا."
تكز على أسنانها بقوة وتغلق عينيها، محاولة تجاوز الألم.
"هاك،"
أمد يدي إلى الإسعافات الأولية وأخرج حبة صغيرة.
"هذا سيساعد."
"أنا بخير."
تكاد لا تستطيع إخراج صوتها من بين أسنانها المكظوظة.
"سيمر."
"ما هذا؟"
على مدار دقائق صامتة من ذعري، ترتخي بضعة ببطء، وتدَع يدها العضوية تسقط في حضرها أخيراً.
تقول من خلال أنفاس تلهث: "مجرد ألم الوهم العضوي. يحدث ذلك."
"هذا مرعب. أهناك ما يمكنني فعله للمساعدة؟"
تهز كاسي رأسها رداً على ذلك.
"لا مسكنات الألم تفيد حتى."
تمد يدها وتدفع يدي بعيداً. في ذعري، لم أكن قد أدركت حتى أنني ما زلت أعرضها عليها.
"استمر في القيادة فحسب. أنا بخير."
"حسناً، إن كنت واثقة."
أتسلق عائداً إلى مقعد السائق، وأحاول مرة أخرى ترك الصحراء اللانهائية ورائي. تنضب البطارية بسرعة تفوق راحتي، وتتوقف السيارة متدحرجة.
أقول لكاسي التي تبدأ في جمع أمتعتنا دون تفويت إيقاع: "نحن على بعد ثلاثة أميال. إنها نزهة تسعين دقيقة."
"تأكد من إخفاء آثار أقدامنا."
ترمي كاسي بخرقتين في حضني، فأربطهما سريعاً حول كاحليّ. حين أنتهي، تكون قد جمعت كل شيء ووضعته في حضرها. جسد كوراک المتصلب لا يزال محشوراً بين مؤونتنا وجسد كاسي، مما يحافظ عليه آمناً. أرفعها وأشرع في مشينا البطيء.
أقول: "آسف لأن الجو حار هكذا. تأكدي من شرب الماء."
"لقد مررت بما هو أسوأ."
تحتفظ كاسي بمسدسها في يدها ونحن نمشي، وبعينيها المغمضتين. وجهها مقطب بتركيز، منصب تماماً على حاسة السمع لديها. يترك ذلك لي مهمة مسح الأفق باستمرار. ونحن نمشي، أبذل قصارى جهدي لجعل جسدي يحجب الشمس عن وجه كاسي. آخر ما تحتاجه الآن هو ضربة شمس علاوة على كل شيء آخر. تمر ثلاثون دقيقة، وأعتلي تلّة كبيرة. ينبغي للأخدود أن يكون على بعد ميلين من هنا، لكني لا ألمح أي أثر له بعد.
لا بأس، إنه أخدود. لن أراه إلا حين أصبح فوقه مباشرة. تمضي نصف ساعة أخرى، ولا أثر يذكر. لا سيارات، لا أبراج، ولا حتى آثار في الرمال. يبدو ذلك منطقياً، لمَ قد يتبادل أحدهم التجارة مع مارا؟ لا بد أنهم لم يرسلوا أحداً إلى منطقتها، وهذا معقول. مع كل خطوة، وكل تلة أعتليها لتكشف عن مزيد من الصحراء لا غير، ينمو القلق في عقلي. قلق يتم تركه عقلانياً بينما يهرب ذهني من حقيقة تلوح في الأفق.
نصف ساعة أخير، وأبلغ أعلى كثيب متاح لي. أنظر عبر الصحراء الممتدة والفرغاء والمنبسطة. أستطيع الرؤية لأميال من حولنا، وليس هناك ما يرى.
"لقد وصلنا."