تجمع كاسي أغراضها، وأتبعها إلى الخارج وكوراكس على كتفي. تنتهي آيفي وڤينس للتو من إحالة البقية إلى السيارة. يبدون جميعاً أفضل من آخر مرة رأيتهم فيها، لكن هذا لا يعني أنهم يبدون بحال جيدة. الرجل الذي خاطرتُ بجرحه قادر على التحرك بمفرده على الأقل، حتى وإن كان عليه توخي بالغ الحذر في كل حركة يخطوها. الرجل الذي تضررت رئتاه جراء الدخان يحاول المشي بمفرده، لكنه يضطر إلى الاتكاء على عمود معدني يستعين به مع كل خطوتين.
يأخذ جرعات معدودة من الهواء، ويحاول التحرك مجدداً. يساعد الرجل السليم المرأة التي بترتُ ساقها على الحركة، وتظل محتضنة بالطفل قريباً من صدرها. ما زال الصفل يبدو فظيعاً. مجرد بطاطس متكتلة زرع عليها جلد اصطناعي. أستطيع تمييز أنه على قيد الحياة، لكنني عاجز عن تبين أي شيء آخر من اللمحات الخاطفة التي أنالها منه. يساعد كل من ڤينس وآيفي الخمسة على صعود السيارة، ثم يجلس ڤينس في مقعد القيادة.
تخرج آيفي الزلاجة التي طمرتها العاصفة وتجلس عليها ومسحوقها مستقر في حجرها. تجلس كاسي وأنا بجانبها.
"تحقق."
يقول كوراكس بجدية في أذني، ثم ينطلق. يندفع خارج المخرج الضيق، ويرتفع عالياً في الجو، ليختفي فوق السقف. ينتظر ڤينس حتى يعود لشرع في القيادة. بعد دقيقة واحدة فقط يحط كوراكس على نافذة ڤينس المفتوحة.
"آمن."
ينقل تقريره، ويعود إلى كتفي بخفقتين قويتين من جناحيه.
"شكراً لك."
أمد يدي إلى أعلى وأداعبر برفق رأسه. يدور ڤينس السيارة ويدخل بنا إلى الجزء الرئيسي من الأخدود، دافعاً بنا إلى الأسفل دوماً. تبدو كاسي قلقة، وهي تهز ساقها بسرعة تكاد تكون قصوى وتتفقد مسدسيها.
"ما الأمر؟"
أسأل.
"الناس يكونون في ذروة نشاطهم بعد العاصفة دائماً."
تجيب.
"وليس لدينا أي غطاء."
أتمم الفكرة نيابة عنها. طلقة واحدة تكسر خط التبريد وأكون ميتاً. يهدد الخوف بالسيطرة على عقلي، لكنني مستعد. أعترف، أنا خائف. أعقلن الأمر، هل من شيء بوسعي فعله لمساعدة هذا الوضع؟ بناء غطاء من محتويات السيارة قد يجدي، لكنه قد يستغرق وقتاً طويلًا أيضاً أو يبطئ مسيرنا. نحن مرتبطون بجدول زمني ضيق محتمل للوصول إلى مارا، وليس لدينا وقت نضيعه.
"آمن."
يطمئننا كوراكس، ثم ينطلق إلى السماء مجدداً للمراقبة. يمكنني الوثوق بكوراكس. أقتل تلك الأفكار، فتبقى مختفية. يتبقى قليل من الخوف حقاً، لكنه قابل للتحكم. سيكون من الغباء ألا أكون خائفاً بعض الشيء. لا تتحرك آيفي، وأنا على يقين من أنها قد تأكدت مسبقاً من أن بندقيتها في وضع مثالي وجاهزة لإطلاق النار في أية لحظة.
"بين كوراكس وبيني، لا يمكن لأحد مباغتتنا."
تقول آيفي بثقة. يخفف هذا من قلق كاسي قليلاً. أستطيع وضع حياتي في جناحَي كوراكس، ويمكن لكاسي وضع حياتها في عين آيفي. كانت كاسي على صواب، الأخدود ينبض بالناس. يخبرنا كوراكس دائماً بقدوم سيارة في اتجاهنا، أو بمدخل كهف يتمركز فيه حراس على بعد لفات عدة قبل أن نبلغهم. تستطيع آيفي حينئذ تخمين نواياهم لحظة التفافهن حول الزاوية، وحتى أولئك الذين يبحثون عن المتاعب ليسوا بشجاعة كافية لفعل أي شيء بينما ترنو إليهم فوهة بندقية آيفي.
أُبقي مسدسيَّ مشارين احتياطياً، وتفعل كاسي المثل. لحسن الحظ لا نحتاج إليهما قط، وبعد ساعات من القيادة، يستوي سطح الأخدود في النهاية، ممتزجاً بما كان يوماً قاع المحيط. بخلاف الضغط الجوي المرتفع، لا تكاد توجد فرق بين هنا وحيث كنا. لا يزال الأمر مجرد أرض مواتٍ لا نهائية وقاحلة. ترتفع كثبان رملية لا حصر لها وتهبط نحو الأفق. يحرف ڤينس السيارة بضع درجات نحو الجنوب فور خروجنا من الأخدود.
يسرني أنه يعلم بوجهته، إذ سيكون من السهل للغاية ضياعنا هنا. لا يهدئ الخروج من الأخدود من روع كاسي تماماً، فهي لا تزال تتفقد سلاحها بقلق وتبحث عن أي شيء يشتت انتباهها. أسحب كتاباً من حقيبتي وأضعه برفق بجانب كاسي.
"القراءة قد تساعد."
تنظر إلي بنظرة حائرة للحظة واحدة قبل أن ترتسم ابتسامة خفيفة على محياها.
"اخرس."
تدفع الكتاب نحوي مجدداً.
"أنا بخير."
تمنحها آيفي نظرة توضح بجلاء أنها تعلم بكذب كاسي.
"أنا قلقة فحسب لإطلاق النار في وجه العاهرة أخيراً."
ترضخ تحت نظرات آيفي.
"من الأفضل لك أن تكوني سريعة إذن. لست متأكدة كم سأترك خلفي منها."
تسخر آيفي.
"اتركي جذعها على الأقل."
"سأبذل قصارى جهدي."
"ما الذي سنفعله حين نبلغ الخندق؟"
أسأل.
"نظرياً؟ أجد مكان نزهة خفياً على الحافة، وأضع رصاصة في جمجمتها اللحظة التي تخرج فيها، ونعود إلى ديارنا."
تقول آيفي.
"لكن في الغالب، سيتعين علينا دخول الممر الضيق. حين نتوقف عند إحدى البلدات في الطريق ونرى شكلها، سنصبح قادرين على وضع خطة أفضل."
"لقد جئنا كل هذه المسافة إلى هنا بلا خطة؟"
لا أستطيع تصديق ذلك. لا بد أن لدى ڤينس خطة ما لم يُفصح عنها.
"نوعاً ما."
تهز آيفي كتفيها.
"لم أتقابل مع المرأة قط، لكنها على ما يبدو تعيش لتظهر مدى تفوقها. نحن نعول على ارتكابها خطأ ما."
"اللعينة تفعل ذلك حقاً."
تتمم كاسي موافقة. لقد جرّنا ڤينس إلى هنا حقاً ودون أي خطة. لماذا يقدم على تلك المخاطرة؟
"سنكون بخير."
تطمئنني آيفي، محاولة تهدئة قلقي قبل أن يستفحل في داخلي.
"كما قلت، سنحصل على معلومات عند الممر القادم ونضع خطة أفضل."
"حسناً."
هذا أفضل من العدلاشيء، لكنه يبتعد كل البعد عن كونه جيداً.
"وماذا إن لم تكن لدينا أية أفكار بعد البلدة القادمة؟"
"حينها تصبح الأمور ممتعة."
تسخر آيفي. كيف يمكنها التحلي بهذا الهدوء الآن؟ أظن أن هلعها لن يجدي نفعاً. أم أنها تفتعله؟ تحاول أن تكون صخرة تستند إليها كاسي لتساعدها على التهدئة؟ يستحيل معرفة ذلك خلف ذلك القناع المحايد الذي تحتفظ به على وجهها دائماً. تبقى الأمور هادئة في الغالب طوال ما تبقى من اليوم. لست متأكدة إن كانت آيفي أو كاسي تملكان طاقة الكلام تحت وطأة الشمس الحارقة. ينتهي بي المطاف إلى قراءة الشعر، بينما يقضي كوراكس وقته مستمتاً بالسماوات الخالية.
تنضم إلي كاسي في تبديد ضوء النهار داخل كتاب جيد. أما آيفي، فتستمتع بالمناظر فحسب. تقاطع قراءتنا بين الحين والآخر للإشارة إلى أمر شيق. تتخذ الحمم البركانية في الفقاعات عبر الرمل حيث وُجدت فتحات حرارية سابقاً. كل ما تلامسه الحمم يتحول إلى زجاج معتم. جرف ة العواصف الرمال، مما أدى إلى تلال ضخمة تتسع ببطء وتتخللها طبقات متعاقبة من الصخر والزجاج. تتخبط بقع واسعة من الرمال كالمياه، ويتغير السطح باستمرار تحت تأثير قوة خفية.
لحسن الحظ يسهل تفاديها، لكنني لا أود تخيل ما سيحدث لو حاولنا القيادة فوق إحداها. تنهض أحياناً جبال من الصخور القاحلة في الأبعد، وهي أطول بكثير من جبال روكي المرئية عند ساحة الخردة. إنه لأمر جنوني التفكير في أنها ابتلعت يوماً بالكامل بواسطة المحيطات. كم نحن منخفضون عن مستوى ما كان يُعد يوماً مستوى سطح البحر؟ يغرب الشمس في نهاية المطاف فوق الأفق، وتختفي معها كافة المناظر الشيقة.
"عليك الحصول على بعض النوم."
تقول آيفي لكاسي.
"لن أستطيع."
اللحظة التي تُخرج فيها من كتابها، تبدأ قدمها في الارتجاس بقلق مرة أخرى. يمكنني المساعدة في ذلك، لكنني لست متأكدة كيف أبدأ القراءة بصوت عالٍ دون أن يبدو جلياً أنني أفعل ذلك من أجلها.
"كنت أنوي القراءة لكوراكس الآن بعد أن عجز عن رؤية أي شيء من السماء. يمكنني الانتظار إن كان ذلك سيبقيك مستيقظة."
آمل أن يكون ذلك خفياً بالقدر الكاف.
"افعل ما شئت."
تعود كاسي إلى كتابها.
"عليك المحاولة حقاً."
تكرر آيفي.
"حسناً."
ترضخ كاسي بعد أدنى ضغط حرفياً.
"سأحاول."
تدس علامة صفحة في كتابها، وتعيده إلى حقيبتها، وتخرج كيس نومها. تستغرق بضع دقائق لتشعر بالراحة والأمان، لكنها لا تلبث أن تكف عن التململ، وأستأنف الكتاب الذي كنت أقرأه لها طوال الليلات القليلة الماضية. لا يتطلب الأمر سوى دقائق معدودة من القراءة حتى يبطئ تنفسها، وتبدأ في الشخير بخفة. أعلم من التجربة أنه إن توقفت فربما تستيقظ، لذا أواصل القراءة. شكراً. تشير لي آيفي بيدها.
أكتفي بابتسامة رداً على ذلك. يمكنها معرفة سبب قراءتي، والشيء الوحيد الهام هو أن تظن كاسي أنها لا تعلم. تستقر آيفي أيضاً لأخذ قسط من الراحة، لكن بعد ساعات معدودة فحسب، تنهض وتومئ لڤينس كي يوقف السيارة. وحين يفعل، تنهض وتفتح بابه.
"سأكمل القيادة، اذهب واحصل على بعض النوم."
تقول بهدوء.
"أستطيع القيادة لفترة أطول قليلاً."
يرد ڤينس.
"لن تكون قادراً على الوقوف حين نصل إن فعلت. احصل على بعض النوم."
"حسناً."
ترضخ ڤينس في النهاية وتترك آيفي تحتل مقعد القيادة. يمشي متثاقلاً نحو الزلاجة، ويحبس تنفس كاسي الهادئ والبطيء في حلقها. لابد أن الصوت أيقظها.
"أنا أقرأ لكوراكس، إن احتجت لتوقف كي تنامي يمكنني ذلك."
أقول لڤينس. يلقي نظرة واحدة على كاسي ويهز رأسه مبتسماً.
"لا بأس يا أزرق الصغير. بل ربما يساعدني على النوم أيضاً."
"حسناً."
أعود إلى كتابي بينما يستقر ڤينس في كيس نوم آيفي. يغرق في النوم تقريباً في اللحظة التي يلامس فيها رأسه الأرض، وتلحق به كاسي للنوم بعد دقائق معدودة. أبقي عيناً على الكتاب، والأخرى على النجوم في الأعلى. يمكنني قضاء مائة عام متأملاً لأعلى ودون أن أعلم كل ما يمكن رؤيته. تلمع مليارات النجوم في السماء المقفرة من القمر. يشق شهاب طريق عبر الكون للحظة واحدة، قبل أن يختفي، فلا يُرى قط مرة أخرى.
"حين ينتهي كل هذا."
أهمس لكوراكس.
"سأطلب أجرنا من سيلفر، وأشتري مقراباً."