قالت لوتيه تشير إلى الواضح: "ذاك باب كبير".
أومأت ليلى وهانا معاً وهما تمليان ناظريْهما بالباب الغريب. بدا كأنه ظهر من العدم، كأنه نبت من الجدار تماماً. دارت الفكرة في خلد الجميع: أيكون هذا التحدي الأخير للطابع الأول؟
قالت هانا وهي تطالع تصريح الزنزانة الخاص بها: "ينبغي أن يكون لدينا متسع من الوقت لأخذ استراحة والاستعداد قبل الدخول".
كان معرفة الوقت في هذا الطابع بالذات أمراً عسيراً في الغالب، وكانت الأدوات السحرية التي تكشف الوقت نادرة. لتجاوز ذلك، كان تصريح الزنزانة الخاص بالطلاب يحمر تدريجياً كلما اقتراب الأجل، ومن يحسن تقدير شدة الحمرة يدرك كم من الوقت بقي له تقريبًا. كان التصريح المتوهج بالاحمرار عدو الطلاب في السنة الأولى قاطبة، إذ كان يعني نهاية محاولتهم لفك ألغاز الطابع الأول، فضلاً عن رحلة البحث عن الكنوز.
أمّا ليلى، فسألت أراكيل مسرعة عما إذا لم تكن هناك رغوة تحدد الوقت، ولحسن الحظ وُجدت عدة رغوات بحسب الطريقة المرغوبة. أمكنها استخدام رغوة نارية أو ضوئية لتقدير علو الشمس في السماء، أو رغوة ظلية لمعرفة مدى قرب الليل. بداهةً، وُجدت رغوة مرتبطة بالوقت ذاته، لكن أراكيل أحجم عن إظهارها ليلى في إحدى المرات النادرة التي قال فيها إن الأمر يفوق طاقتها. وما عدا ذلك، لم تذكر من تلك المواقف إلا حين سألت عما إذا كان بوسعها تعلم رغوة الانتقال الآني التي استخدمها لتهديد الزنزانة.
بغض النظر عن هذا كله، استطاعت ليلى تقدير الوقت بنفسها وبدقة مزعجة. ذكرت الأمر عرضاً في مناسبات عدة، وحين تحققت صديقاتها وجدنها مصيبة تماماً. بطبيعة الحال، عجزت عن تفسير سر ذلك الظن متخيلة أنها تخمن فحسب، غير أن أراكيل كشف لها لاحقاً أنه يجدر بها شكر جوهرها الفلكي على ذلك، إذ كان يرجح عد تنازلياً لوقت طلوع القمر.
أجابت ليلى مؤكدة ما خَبِرته بحدسها الفلكي: "أكثر من كافٍ".
التهمت الثلاثة طعاماً وشراباً دون اكتراث بالمظهر أو اللياقة. رحن أيضا يراجعن ما تبقى من مؤونة، إذ شعر الجميع بأن هذه ساعتهم. شاركت ليلى صديقاتها بعض تمائم صاعقة النار، فالنار تبدو فعالة ضد الموتى الأحياء دائماً، حتى النحاسيّون لم يكونوا منيعين تماماً. كانت لوتيه تطعم جايد خلطات شتى حتى بدأت بطنها تنتفخ وتصدر أصوات السوائل. لم تتذمر السحلية، بل غضبت حين فرغت آخر زجاجة.
قالت لها لوتيه: "آمل أن يكفيك هذا لتصصقي حتى يموت الحارس".
كانت هانا تراجع أقراصها البلورية المتبقية وتشحذ همتها. وفيما بدت ليلى ولوتيه مجهدتين، ظلت هي طافحة بالحيوية وتكاد تقفز في مكانها.
قالت ليلى فجأة وهي تشعر باتساع الوقت لذلك: "عليّ رسم رغوة…".
وافقت صديقاتها مسرعتين، فرغوة متقنة تكفي لتغيير أي تحدٍّ لصالحهم. شهدت لوتيه ذلك في رحلة التخييم مرات، وسمعت هانا حكايات عنه. كانت متشوقة لمعاينته عن كثب. تأملت ليلى سريعاً ما تملكه واستقرت على القوة الخفية. لم يتسَنَّ لها اختبارها بحق في الغابة عند الدفاع عن حصنهم الصغير، ومع أنها رسمت بعض صواعق سحرية بسيطة في تمائم، إلا أنها لم تكن بمثل ذلك الأثر بسبب القيود. ما إن أخرجت ليلى عصاها حتى تغير حضورها فجأة.
انصب تركيزها بالكامل ولوحت بالعصا برشاقة ودقة.
همست هانا: "تجعلك تشعر حقاً أنها قادرة على فعل أي شيء حين تخرج تلك العصا".
همست لوتيه رداً عليها: "أدرك قصدك. لو لم أرَ الملاحظات والصفحات الطوال من الرسومات لقُلت إنه أمر مجحف".
برغم مساعي صديقاتها لعدم تشتيتها، كانت أذناها حساسة للغاية والتقطت همساتهما. لحسن الحظ، كانت قادرة على الرسم بوجود جمهور مشتت في تلك المرحلة، إذ كان ذلك أحد التدريبات التي أخضعها لها أراكيل. بينما أدلت هانا بملاحظة عادية، لم تستطع ليلى، التي لا يزال الاعتقاد والإرادة يدغدغان مؤخرة عقلها، إلا أن تتساءل عما إذا كانت هذه فرصة سانحة. آمن بها أصحابهن عند إخراج العصا، فما بالك لو انضم إليهن بقية الطلاب وحتى المعلمين؟
[هل من أمر يشغلك؟ ارتكبت خطأ طفيفاً في ذلك الرمز.]
{معذرة… هانا أرهصت لي بفكرة.} [أهاتشي؟ أمور تخص الزنزانة أم غيرها؟] {عن جمع الاعتقاد.} [أمر مشوق… سنتحدث في ذلك لاحقاً، فلا أود تشتيت انتباهك بينما تعتمد رفيقاتك عليك.] وافقت ليلى بصمت وأرجعت الفكرة إلى مؤخرة عقلها. وما إن أخبرت أراكيل بها، انعدم احتمال نسيانها سهواً. أخرست ليلى المشتتات بتركيز حازم، فأصلحت خطأها البسيط وتابعت حتى أنجزت صنيعها. تقنياً، كان هذا نقْشاً لا رغوة، وإن بفارق يسير.
تضمن رغوتين متطابقتين تماماً، لذا رفضت ليلى عدهما اثنتين. كان تكديس رغوات متطابقة معاً حيلة صغيرة لببلغ قوة بمستوى النقش بلا قلق بشأن التوازن العام أو المتانة.
هذا بالطبع إن أمكنك صنع رغوات كالتوأمين أو "متطابقة في كل شيء باستثناء أدق تفاوت"، كما وصفها أراكيل.
تفقدت ليلى المنتج الناجز ثلاث مرات ثم التقطته بوظيفة نقل العصا، معلنة لصديقاتها جاهزيتها متى شئْنَ.
سألت هانا: "أنسينا شيئاً؟".
هزت ليلى ولوتيه رءوسهما.
مازحت لوتيه: "آمل ألا يكون هناك باب أكبر خلف هذا الباب".
أطلق الثلاثة ضحكة عصبية متوترة. إن لم يكن هذا هو التحدي الأخير، فإن استعداداتهم قد أجهزت على أي فرصة للاستمرار بعده. رغم ذلك، انتابت ليلى شعور طيب، لا لشيء سوى أنها منحتهن جميعا بركة الإشراق القمري. مدت هانا يدها نحو الباب، وما إن لامسته حتى ارتجف وبدأ ينفتح. توتر الثلاثي واستعدتا، وتقدمت هانا ولوتيه بينما تبعتهما ليلى حامضة النقش. كانت الغرفة التي دخلوها قاعة هائلة تذكر بتلك التي أخذتهم إليها أليس حين تفرقن وقاتلن النحاسيّون.
ومثلما جرى آنذاك، اصطف النحاسيّون على الجولين بانتظام، لكنهم سيبقون خاملين ما لم يقتربوا.
سألت هانا: "أذلك… عرش؟".
كان في نهاية الغرفة عرش رخامي ضخم، لكن حين رمقته ليلى أرادت الصراخ في وجه صديقتها. نعم، العرش كان كبيراً، لكن الجالس عليه كان أضخم بكثير!
صاحت لوتيه خاطفة الكلمات من ليلى: "دعك من العرش، انظر إلى حجم ذلك النحاسي!".
كان الجالس يبدو نحاسياً، مع أن ليلى شكت في ذلك، إذ لا تتمتع مفاصلهم عادة بمرونة تسمح بانحناء كهذا. لهذا عُدُّوا مخاطر منخفضة المستوى وسهلة التعامل مع تعثرهم البطيء. لكن إن تمتع هذا الرفيق الضخم بمرونة، فلن يملك ذات الضعف.
همست ليلى: "أهذا هو الحارس؟".
قالت هانا: "لا بد أنه هو، فهو ضعف حجم الذي في الحلبة".
قالت لوتيه بثقة: "حسناً، سنعرف حين نرديه صريعاً".
تبادل الثلاثة نظرة وأومأن. بدأن الاقتراب من العرش مع توخي الحذر الشديد لعدم الاقتراب من النحاسيّون المصطفين على الجدران وإيقاظهم.
تأملت هانا: "مناسب تماماً لتحدٍ أخير، وإن لم نحذر سنضطر لقتال الكثير من الوحوش الإضافية".
اقترحت لوتيه: "أفلا نقاتلهم الآن بدل المجازفة باستيقاظهم لاحقاً؟".
هزت ليلى رأسها.
"وماذا لو أدى هجومنا عليهم إلى إيقاظهم جميعاً، أو الأسوأ، إيقاظهم مع الرجل الضخم معاً!".
رمق الثنائي الشكل الثابت الجالس على العرش وأومأتا بسرعة.
بالطبع، وُجد خطر أن يوقظ هجوم "ملك"
النحاسيّون الأتباع، لكن الزنزانة ما كانت لتطرح تحديات مستحيلة وفقاً لكل ما علمتهما إياه أليس. والاتفاق بينه وبين أراكيل. لم يُصدر أراكيل أي تحذيرات عند الدخول، لذا لابد أن هذا عُدَّ منصفاً برأيه. كما أنه لن يقدم الحل جاهزاً، فحل كل شيء نيابة عنها يكبح نموها. حين اقتربن من العرش وبلغن المدى، لاحظن أنه لم يكن نحاسياً محضاً، بل بدا كعملاق هيكلي عظمي يرتدي نحاسياً كدرع، واستند سيف حجري ضخم إلى العرش.
علقت لوتيه: "حسناً، هيكل عظمي مدمج بنحاسي ملائم جداً للطابع الأول".
تساءلت هانا: "أتظنين أن قتل الهيكل العظمي سيهزمه، أم علينا التعامل مع الاثنين؟".
كان سؤالاً وجيهاً. جدلاً، لو اقتصر الأمر على الهيكل لكانت مهمتهن يسيرة. لو تمكنت هانا من اختراق دفاعاته، لتعاملت مع الميت الحي سريعاً. استخدمت ليلى بصر السحرة لتحصيل إجابة، لكن مع توهج درع النحاسي ببريق ساطع، استحال تمييزه عن الهيكل بداخله.
اقترحت لوتيه: "لنَفترض أنهما معاً. فهذا أضمن وأكثر ملاءمة لتحدٍ أخير، ألا ترين؟".
أومأت ليلى: "أظن ذلك أيضاً".
التفتت هانا إلى ليلى مبتسمة، فانحنت وأشارت بيدها نحو الوحش.
"حسناً، أتتفضلين بالشرف؟".
أطلقت ليلى ضحكة خفيفة ولوحت بعصاها لنصب النقش. غير أنه قبل تفعيله، بدأت تومئ بيدها الحرة مرددة تعويذة قصيرة بعثت القشعريرة في أوصال رفيقتيها. استُدعيَت قوة كسوف القمر الكالحة على العدو، فاستُقدم هلال مظلم ملائم الحجم فوق رأسه غمره بهالة مشؤومة. حركت أفعال ليلى الوحش، مفعلة تحدي الغرفة.
دوَّ صوت عتيق من الهيكل العظمي وهو ينهض: "أيها المتطفلون! أتجترئون على تدنيس قاعة عرشي!".
لكن لم ترضَ أي منهن بأن يفعل الوحش ما يشاء، فأطلقن جميعهن تعاويذ نحوه. اختبرت هانا الأمور بحذر مطلقة شفرات رياح ثم شعاع ضوء، وبدا أن أياً منها عجز عن اختراق النحاسي دون مساعدة. أطلقت لوتيه تعويذة أفعى كاويّة غرزت أنيابها في رأسه، بينما تقيأت جايد بلغماً ساماً التصق بصدره وأخذ يئز. ومع نجاعة تلك الهيئات، تجلى بوضوح أن هذا الدرع أصلب من المعتاد وسيتطلب هجمات متكررة لخرقه.
أمّا نقش ليلى، ففار بالحياة فور تفعيلها له. انطلقت عشرات الصواعق السحرية وانهالت على الوحش العملاق. وبرغم عدم كفايتها لاختراق دفاعه، فإن قوة الارتطام المحض كانت كفيلة بإرباكه ومنعه من النهوض عن عرشه. كان الوحش يمد يده نحو سيفه المسند إلى العرش، لكن ظهر الغيب دفع ظهر كفه للمس المقبض فهوى على الأرض بعيداً عن متناوله الفوري. ارتعشت هانا ولوتيه لا إرادياً، كمن يدرك تماماً سبب حدوث ذلك.
ومع بقاء الملك جالساً قسراً على العرش، انتقلت المجموعة بالفعل إلى هجماتها التالية. راحت كل من ليلى وهانا تمدان أيديهما نحو حقيبتيهما بينما واصلت لوتيه الهجوم محاولة إذابة طبقته الدفاعية الخارجية. واستمرت جايد في البصق، ومع صدق نيتها، تركت دقتها الكثير مما يُرجى. ألقت هانا قرصاً وألقت شعاع ضوء نحوه فحطمه سريعاً، ليس قبل إطلاق ليزر مركز استهدف الوحش مباشرة. وبسبب التركيز المفرط لسحر الضوء، كاد يخترق الدرع صراحة.
في الوقت عينه، ألقت ليلى بذوراً بلورية بعد تشبعها بالمانا لإيقاظها. وما إن استقرت حتى بدأت تنمو بشراسة على السطح محاصرة ساقي الوحش. عُدّت بلورات هجومها عديمة الجهد ضد هكذا عدو، لذا استقرت على إعاقة الحركة. برغم أن هذا لم يكن مخططاً له ابتداءً، اتفق الثلاثة بالإجماع على منع الوحش من النهوض عن عرشه أبداً. لن يكون صيداً سهلاً فحسب، بل لن يقلقن حتى بشأن الدفاع عن أنفسهن.
قالت هانا: "لنصوب نحو الصدر معاً".
أكدت لوتيه: "يبدو ممتازاً!".
أعادت لوتيه تركيز جهودها على الصدر، وحاولت جايد مجاراتها بكل وسعها. كان الهدف الأكبر والأسهل للتركيز عليه، غير أن الملك صار يستخدم ذراعيه للدفاع عن نفسه عوضاً عن التحرر. همت ليلى بالانضمام إلى الهجمات بانفجار النجوم، لكن برؤية الذراعين المتخبطتين عدلت عن ذلك. أخرجت ما تبقى من بذور بلورية مع تميحة رياح. وبدمج الأغراض معاً، أطلقت ليلى البذور نحو الوحش، فتحركت ذراعه لصدها، تماماً كما توقعت.
هتفت ليلى بخبث: "أمسكت بك!".
اصطدم الذراع الهائل بالبذور المدفوعة بالرياح، وكان ذلك عين ما أملته ليلى. وما إن لامست البذور سطحاً مفعماً بالحياة حتى بدأت بتنمية بلورات عليه. ومع نموها، غدت الذراع غير مستجيبة وسرعان ما غدت شللاء محاصرة داخل الفخ. منح ذلك لوتيه وهانا فرصة ذهبية لتوحيد جهودهما. راحت التعاويذ الحمضية تئز في الجو بينما شرعت هانا في تركيز مزيد من أشعة الضوء عبر الأقراص مستهدفة تحديداً المواضع الموهونة.
هدر الصوت العتيق: "توقفوا! كيف تجترئون! يا لَلكفار الحقراء!".
لكن الثلاثي لم يكترث بتاتاً، فلم يكن في أذهانهن سوى الظفر. وفيما يمكن وصفه باللحظة المثالية، اصطفت هجماتهما تماماً، وعجزت ذراع الملك الباقية عن صد الأفعى الماكرة التي ضربت الصدر. ثم بسرعة مستحيلة، ضرب شعاع ضوء الموضع ذاته فاخترقه وأصاب المخلوق في الداخل. تردد صدى عواء غير بشري خارج الدرع، وبدا أن الهيكل العظمي في الداخل تلقى ضربة مميتة في ومضة. تفجرت بقع سوداء كالنافورة من كل صدع وركن في الدرع، سيما الفجوة التي أحدثتها الفتاتان لتوّهما.
استنتجت ليلى: "الموتى الأحياء يكرهون سحر الضوء حقاً".
رغم هزيمة السيد، ظل الدرع يطقطق بالحياة. بدا أن نظريتهن صحت: وحشان اندمجا معاً، لكن بلا هيكل عظمي يوجهه، بدا أكثر غباء وخرقاً. ومن هناك، واصلن قصف الدرع بالتعاويذ. انضمت ليلى وألقت أخيراً انفجارات النجوم بعد أن أثبتت جدواها سابقاً ضد النحاسي بتراكم كميات كافية من غبار النجوم. تحت الهجوم السحري المستمر، انفض الدرع في النهاية إلى ضباب أسود، ومعه انهار العرش الذي كان يجلس عليه بغتة.
صُدمت الفتاتان، وما إن بدأت الأرض تحت العرش تتصدع وتتداعى كحفرة انهيارية حتى استبد بهن الهلع. رغم ذلك، لم تقترب التشققات منهن، وحين استقر الغبار، ما أبصرنه كان سلماً هائلاً متوارياً تحت العرش ويهوي إلى الأسفل.
سألت ليلى غير مصدقة تقريباً: "أ… فعلناها؟".
أجابت هانا: "أظننا فعلناها…".
قفزت لوتيه بحماس تقفز على عقبيها.
"تباً نعم، لقد فعلناها!".
أطلقت ليلى نفساً مستريحاً مطالعتاً السلم الهابط. غمرها الغبطة والفخر لنجاحهن أخيراً في اجتياز الطابع الأول.