بدت العودة إلى الدروس باهتة بعد نهاية أسبوع مثيرة. وإن لم يكن ذلك سيئاً بما يكفي، بدا الوقت بطيئاً كلما اقتراب موعد عطلة نهاية الأسبوع، وانطبق ذلك ضعفاً على ليلي. كانت حماسة خوض مغامرة الدهليز مجدداً أمراً، وما شغل بملكا حقاً هو درسها الموعود مع أراكيل. جاء الدرس الأول مفاجئاً ومن دون تحضير كافٍ على الأرجح، لذا تركتها التجربة الثانية تفيض ترقّباً. استأذنت ليلي في اليوم الأول من العطلة لتوفيق الأمرين.
تحضر حصة الكيمياء الأسبوعية صباحاً، ليصبح بعد الظهر مخصصاً بالكامل لأراكيل. في الوقت نفسه، يترك ذلك يوماً كاملاً لاقتحام الدهليز في اليوم التالي، لتحقيق أقصى استفادة من محاولتهما. من يدري، ربما أبتكر خدعة جديدة بفضل الدرس. بقيت ليلي متفائلة، رغم بذل أراكيل قصارى جهده لتهدئة توقعاتها. أكد مراراً أن الرسم بالإرادة أو النية يحتاج وقتاً طويلاً للإدراك فضلاً عن الإتقان.
نعم، كانت البيئة العقلية المكان الأنسب للتدريب، لكنها تطلبت وقتاً وتفانياً رغم الميزة. لم يكن الأسبوع الدراسي الفعلي يستحق الذكر. ضحّت ليلي بحصص أساسيات إطلاق التعويذة كالمعتاد، واستغلت الوقت لتخزين المزيد من بذور البلورات وصياغة أقراص إضافية لهانا. وعدت الفتاة بالاستعداد للمحاولة القادمة، وهو ما عاد بالسوء على ليلي، إذ كانت تستهلك الأدوات بمعدل مذهل. ومع عدم استكشاف معظم الطلاب للدهليز خلال الأسبوع لضيق الوقت، استخدمت هانا تلك الساعة تقريباً للتدرب سراً بيأس، لعدم قدرتها على إظهار البلورات في الخارج.
أجرت لوتي تحسيناتها الخاصة أيضاً، وإن اتبعت نهجاً مغايراً تماماً للآخرين.
أعلنت لوتي: "أدرب جايد للقتال معي!"
لم تصدق ليلي الأمر حين نظرت إلى السحلية الخضراء الشرهة وهي تتدحرج، إلى أن تذكرت قدرتها على قذف كتل من الحمض السام تماماً مثل سيّدها.
وافقت ليلي في النهاية: "أظن وجود عضو إضافي في المجموعة سيساعد."
قالت لوتي: "إنه الفائدة قصيرة المدى الوحيدة التي تخطر ببالي. فكرت في محاولة تحضير بعض المواد الكيميائية، لكن تكلفتها باهظة للغاية. ثم ضبطت جايد وهي تحتسي بعض جرعاتي الفاشلة وفكرت في تشغيلها."
أومأت ليلي برأسها، وكلما فكرت في الأمر، نال إعجابها أكثر. كانت جايد فريدة بعض الشيء بين المألوفين الذين يمتلكهم أصدقاؤها، وبدت الوحيدة القادرة على القتال ظاهراً. استطاع تاتش الخاص بهانا، على سبيل المثال، أن يشكل إلهاءً فقط إذا ومض بالضوء في عيون الوحش. استطاع سفاي الخاص بآرثر تقديم كشاش طائر، لكنه خلا من أي فرصة قتالية. يونا الخاصة بتوماس... بصراحة، لم تدرِ ليلي كيف تتعامل مع مخلوق القط وقررت تجاهله.
على ذكر المألوفين، لا أدرك حتى ما استدعاه والاس، أو غاريت، أو فريدريك، أو كاريسا. سهل اكتشاف الأولين، لعدم إخفائهما الأمر، وكان والاس رفيقاً لهانا أثناء رحلة التخييم. امتلك والاس سنجاباً أسماه فلينت، ولعلّه بدا الأقل تميزاً بين المألوفين جميعاً. أظهر فلينت قدرة خاصة واحدة تمثلت في التحول إلى صخرة، وبدا بخلاف ذلك كأي سنجاب عادي تماماً. لكن والاس لم يمانع، واعتنى بمألوفه كثيراً بحسب هانا.
كان مألوف غاريت مخلوقاً عابثاً غريباً أسماه تورتش. اتسم بلونين أحمر وأصفر، وأطراف صغيرة رقيقة جعلت رأسه وجسده المنتفخين قليلاً أكثر تميزاً، إلى جانب قرون مقوسة وعينين زرقاوين واسعتين. بدا لطيفاً بغرابة على نحو عجزت ليلي عن تفسيره، وادعى أراكيل أنه قريب لعنصر أو روح نار. أما الأخيران، فلم تكن لدى أحد أي فكرة، ولا حتى غاريت الذي سأله والاس نيابة عن هانا. رغم غرابة الأمر، لم يكن مستبعداً تماماً، إذ لم يُفترض بالطلاب إظهار مألوفيهم والتجول بهم خلال جولة الدهليز في الغالب.
تمثلت القوة الكبرى للمألوفين في كونهم مخزن مانا احتياطي للسحرة، وكانت أي فوائد عرضية أخرى يقدمونها مجرد تحسين إضافي. خذ ليلي مثلاً: بدا أراكيل من الخارج، لأولئك الجهلاء بالحقيقة، المألوف المثالي نظراً لصلابته الظاهرة التي تزيل خطر فقدان احتياطي المانا. بطبيعة الحال، اختلفت حقيقة الأمر تماماً. لم يمتلك أراكيل أي احتياطيات لها، ولم تجرؤ ليلي على إهدار قطرة واحدة من مانا الثمينة.
جاءت زيادة سعة ليلي الظاهرة ثمرة لتنقية نواة المانا متى أمكن، وهو ما شكل صراعاً حقيقياً قبل فتح الدهليز أمامهم. ولسحسن الحظ، حُلّت تلك المشكلة المحتملة وزيادة، وباتت ليلي تسبق أقرانها من حيث السعة. تحدث الأساتذة عن الحدث القادم أيضاً، رغم أن ما وصف سابقاً بمسابقة بدأ يشبه مهرجاناً مصغراً تدريجياً. نعم، بقيت روح المنافسة قائمة، لكنه شكل أيضاً احتفالاً لريغارث وسيلة لاستعراض النمو الداخلي للجميع، سحرياً كان أم غير ذلك.
لم يكن أي شيء إلزامياً، واكتشف العديد من الطلاب استمتاعهم بوقت الإجازة فحسب، مما أضفى أجواء المهرجان بحسب ما لاحظت ليلي. وبغض النظر عن المسابقات، نصحت المرفة مالينا بعض الراغبين بجني أموال إضافية بإقامة منصة لبيع الطعام خلال المناسبة. وذكر البروفيسور سيليل شيئاً مشابهاً، معتبراً إياها فرصة جيدة للإعلان عن النفس كخيميائي صاعد. لعبت الفصائل الثلاثة دورها نظراً لطابعها الداخلي، فشجعت أعضاءها على المشاركة والمنافسة.
تلقت ليلي ولوتي زيارة غير متوقعة من برادلي، رئيس اتحاد الطلاب بالوكالة في مارانكس، للاستفسار عن نيتهم دخول أي من الفعاليات. انتهى به الأمر بتلقي الإجابة ذاتها منهما: الكيمياء وثنائيات الدهليز، مما أصابه بالحيرة قليلاً. لا شك في رغبته بمشاركة إحداهما في أبرز فعاليات المهرجان وهي المبارزة. رغم المكانة الكبرى لمسابقة الدهليز، لم تتح للجميع مشاهدتها، واقتصر الأمر على رؤية لوحة النتائج لأفضل الأوقات خارج المدخل.
على الجانب الآخر، اتسمت المبارزات بطابع علني للغاية وشاهدها الجميع تقريباً، لا سيما النهائيات. درست ليلي طلبه لكنها رفضته بأدب في النهاية. خلت طاقتها من القدرة على فعل الاثنين، واختارت الدهليز بغية الشراكة مع لوتي الممنوعة من المبارزات. شارك توماس مدفوعاً للتنافس ضد آرثر ووالاس، مما يعني اجبار لوتي على الشراكة مع شخص عشوائي داخل مارانكس إن لم تختر ليلي الدهليز.
بذل برادلي قصارى جهده لدفعها لإعادة التفكير، حتى إنه ذكر مشاركة روز في الدهليز والمبارزة معاً، لكن ليلي لم تقع في الطعم. في الواقع، ردت ليلي بأنها تنشط في الكيمياء وستضيف إليها السحر العام المقبل على عكس روز. لذا، افتقرت ببساطة للوقت لتشتيت تركيزها في اتجاهات عدة. طرحت لوتي شرطاً نص على عمل برادلي لتغيير المسابقة لتتمكن من المنافسة إن أراد كسبهم حقاً. هُزم برادلي في النهاية فشكرهما وانصرف فوراً.
شعرت ليلي بقليل من الذنب لرؤية طيفه المبتعد، لكنها صمدت. لا شك أن احدهم داخل مارانكس حدثه عن أدائها في بي إم سي، ومن هنا جاءت حملة التجنيد.
سألت لوتي على حدة: "أمتأكدة من عدم رغبتك في خوض المبارزات؟"
أجابت ليلي مؤكدة قرارها: "دخول الدهليز معك أمتع بكثير. إلى جانب ذلك، سأشارك في المبارزات ضمن بطولة بين المدارس على الأرجح، وبحسب علمنا، لا توجد مسابقة دهليز هناك."
تنهدت لوتي: "لو استضافت رغارث البطولة هذا العام لوجدت مسابقة. على المدارس الأخرى الانسحاب وحسب. إنهم أدنى مستوى بوضوح. من لا يرغب في المنافسة داخل الدهليز؟"
ابتسمت ليلي وربتت على كتف صديقتها مطمئنة. بناء على المدرسة المضيفة، تُضاف مسابقات إضافية تتخصص فيها. من الواضح امتلاك المضيف ميزة مع هذه المسابقات، لكنها اعتُبرت اتفاقاً ضمنياً لمنحه فرصة مضمونة تقريباً للفوز بحدث واحد على الأرجح، مما يتيح له حفظ ما وجهه. بالنسبة لريغارث، تمثل ذلك في الدهليز، ولترسنيا شيئاً متعلقاً بالحرف على الأرجح، لكن ليلي جهلت خيارات المدارس الأخرى.
ضحكت ليلي في سرها: تمتلك ستريميث مسابقة متعجرفة على الأرجح. للأسف، بات رفض ليلي المشاركة في مسابقة المبارزة خبراً علنياً، وتبادل زملاؤها ردود فعل متباينة عند معرفته. ظنت ليلي في البداية قيام برادلي بذلك لثني ذراعها والموافقة، لكنها استنتجت لاحقاً عدم ملائمته لمثل هذه الأفعال. عُثر على المشتبه به الحقيقي قريباً، وأشارت كل الدلالات إلى كاريسا التي تقبلت الخبر بصورة رائعة للغاية.
في الواقع، أعلنت الفتاة بفخر خوف ليلي من الخسارة علناً، وهذا سبب امتناعها عن المشاركة. بالطبع، بدا هذا الادعاء غريباً تماماً، واستحيلت الموافقة عليه منطقياً إلا لكونك أحد أتباعها. لم تخسر ليلي قط أمام كاريسا طوال فترة بي إم سي، وبدت الأمور أحادية الجانب بصورة مثيرة للضحط إن استخدمت مزيج الإشعاع القمري والكسوف القمري. امتلكت كاريسا رداً جاهزاً لكل من أشار إلى ذلك بحق: احتفاظها بقدراتها لأن كشف الأوراق يظل خاطئاً حتى يحين وقتها الفعلي.
غمرت ليلي ابتسامة شفوقة تقريباً عند سماع ذلك. نعم، صدق قولها، لكن كاريسا لم تفكر على ما يبدو باحتفاظ ليلي بقدراتها أيضاً.
تمتمت لوتي بغضب: "تمتلك جرأة حقاً."
أجابت ليلي متجاهلة الأمر: "لا بأس."
ربما اهتمت ليلي أكثر لو شارك باقي الصف في محاولتها الفاشلة للتنمر، لكن الواقع اختلف تماماً. على العكس، امتن لعدم مشاركة الطلاب الآخرين، فتجنب المعاناة علناً تحت الكسوف القمري سيشوه صورته حتماً أمام المدرسة.
تابعت لوتي: "لا أصدق مدى حقارتها."
تدخل توماس متفاجئاً: "هي ليست بهذا السوء..."
انقضت لوتي عليه فعلياً قائلة: "ليست بهذا السوء؟"
حاول توماس الدفاع عن نفسه: "أظنها متكبرة جداً عن تقبل الهزيمة، بغض النظر عن..."
لكن لوتي لم تقتنع وبدأت تهزه من ياقته. عجزت ليلي عن منع نفسها من الضحك للمنظر. حاول توماس تفسير نفسه وفشل بينما رفضت لوتي الإنصات. سرّها وجود صديقة تهتم لأمرها إلى هذا الحد، رغم عدم الحاجة لذلك في هذه الحالة. حتى الملجأ ضم متمرين أفضل من هذه. يبدو هذا... مثيراً للشفقة. أبعدت ليلي الفكرة عن ذهنها بسهولة. اقتربت عطلة نهاية الأسبوع أكثر فأكثر، وستتمكن أخيراً من دخول كتاب التعاويذ مجدداً.
بدت تلك المكتبة السحرية كملاذها، وراحت تعد الدقائق حرفياً. ساعد صخب المهرجان القادم في تمرير الوقت أسرع قليلاً، وسرعان ما حلّت عطلة نهاية الأسبوع الرائعة مجدداً. مرت حصة الكيمياء الخاصة بليلي بسرعة فلم تنتبه لها جيداً، وتجنبت بفضل الذاكرة العضلية الخالصة أي حوادث كارثية طائشة. جهزت يداها المكونات وقلبت القدر كأن قوة خفية تقودها. التهمت طعامها على الغداء أسرع من جايد ويونا معاً، قبل توديع أصدقائها بسرعة والهرولة نحو غرفتها.
أخرجت ليلي ملاحظة جهزتها تطلب فيها عدم الإزعاج وتركتها خارج بابها الذي أغلقت قفلها عليه أيضاً.
سألت ليلي أراكيل غير قادرة على ضبط نفسها: "أجاهز هو؟"
[إنه كذلك، رغم اقتراحي أخذ استراحة قصيرة قبل أن نبدأ، لئلا تمنعي التعويذة من التشبث بشكل صحيح.]
اتسعت عيناها، وبدأت في محاولة التهدئة قسراً. حتى إنها رددت تعويذتها القديمة كالأيام الغابرة، إلى أن سمعت ضحكة أراكيل الخافتة.
[كنت أمزح فقط.]