روفان. كانت مدينة الجبل البار الصاخبة تشهد أيّام زحمة كثيرة — رأس السنة، ذكرى تأسيس الطائفة، موسم حصاد الخريف. بدا مرساة الحوت العميق كأنّ كلّ تلك المناسبات تحدث دفعة واحدة، في كلّ شارع، وفي الوقت عينه. في مدينته، ارتدى أهل الصقل ثياباً فاخرة، وانحدروا من عائلات غنية ذائعة الصيت، وتحلّوا بهيئة نبيلة. أما العامّة فكدحوا وجمعوا القروش بتقتير. كان الخط الفاصل بين العامّة وأهل الصقل هنا أشدّ ضبابية بكثير.
حملت مَحَضَّة سمك عادية تعويذة حماية، وتوهّقت رموزها ببريق ذهبي. باع الباعة ثماراً غريبة على شكل جزر وعدت بطول العمر. مرّت سيّدة شابة عبر الشوارع داخل محفّة شفافة حملها أربعة رجال ضخام، ولم يمتلك أيّ منهم طاقة الكي. ومع ذلك، رأى روفان أيضاً جدّة حدباء، وقد بليت أشرطة صندلها حتى صارت خيوطاً، تزمجر وتواصل سيرها على سطح قريب بقفزة قصيرة حين ازدحم الميدان أكثر من اللازم.
قال روفان بذهول: "أصقل الكي أكثر شيوعاً هنا؟"
التفت أش برأسه وابتسم: "ليس تماماً. مرساة الحوت العميق مجرد مركز تجاري، هذا كل ما في الأمر. موارد أكثر تتوفر للجميع. سيأكل الجميع، في مرحلة ما، ثمرة غريبة، أو يتجرّعون إكسيرًا. الرجال الذين يجرون الضرائب مثلاً يملكون أوشاماً تمنحهم قوة فيل — لكنهم يبقون عامة".
أومأ روفان برأسه شارداً. إلى أن يبلغ مرتبة صقل الكي، حيث تفترق قوة أهل الصقل وقدراتهم حقاً عن أيّ شيء يستطيع العامّة فعله، سوجب عليه توخي الحذر. لم يكن عليه المبالغة في تقدير نفسه لمجرد امتلاكه بحر كي.
سألت فتاة وهي ترفع مشبك شعر مصنوعاً من صدفة محار وردية مبيّضة: "بكم هذا؟"
قال الصبي الصغير الذي يدير بسطة على جانب الشارع: "خمسة عشرتايل لكِ، أيّتها الآنسة الجميلة!"
"موافق!"
كظّم روفان ألمه. كلّما كبرت المدينة، زاد طمع المحتالين فيها على ما يبدو. سحبه أش نحو منشأة كبيرة. استقبلهما انفجار من الضوضاء والروائح الشهية.
"تعال، هذا أفضل مكان في البلدة! أنا ضيفك!"
دلفا إلى الداخل. تجاهل أش الطّابور، وتقدم نحو كبير الخدم. أخرج رمز طائفته بفخر.
"سنأخذ ردهة لوتس اليشم".
ابتسم له الرجل بأدب. ورغم أنّ عينيه تفحّصتا ثيابهما بضع مرات مع تلميح من الاستعلاء، قادهما في النهاية ثلاثة طوابق صعوداً إلى الطابق العلوي من المبنى بلا شكوى. أعجب روفان بالغرفة. كانت الجدران ألواحاً خشبية مزخرفة برسومات من اليشم والذهب. من الأمام، أمكنك النظر صاغراً إلى قاع المنشأة، حيث كانت فرقة تمثيلية تؤدي فقرة راقصة من إحدى المسرحيات.
"طبقنا المميز اليوم هو أنعم لحم خنزير مطهو في—"
لوح أش بيده مطرداً النادل: "سنطلب واحداً من كلّ شيء. انتظر — اجعلها اثنين من كلّ شيء".
مع بدء تراكُم الأطباق، لم يستطع روفان إلا أن يشعر بالغيرة من ابن عمه. الوجبة الفاخرة، الثياب، تاج الشعر المصنوع من الياقوت الأزرق. كان أش يسبح في المال بينما عانى روفان لتوفير نص صحفي واحد في طائفته.
قال أش وهو يحشو خديه: "إذن، أخي، لماذا أتيت إلى مرساة الحوت العميق؟"
نظر روفان إلى الأطباق المنتشرة، الكثيرة لدرجة أن بعضها تكوّم على حواف الطاولة. تنهّد.
"لديك دليل أبي".
تجمّد أش. ثمّ ابتلع الطعام في فمه، وبدأ ببطء يلفّ المعكرونة حول طبقه.
"فهمت..."
تراقصت تعبيرات قليلة على وجهه، لتستقرّ أخيراً على الإحباط.
"أظنني أفهم".
انتظر روفان ليقول الصبي المزيد، لكنّ وجه أش استمرّ في الازدياد قتامة، وبرقت عيناه وهو يغرق في أفكاره.
قال روفان: "أرجوك وضّح، أخي. لا أعرف ما تدور به نفسك".
"بالطبع، كنت أعرف أن الدليل يخص العم بيروس. لكن بالطريقة التي شرحها أبي بها، قال إنه حين توفي العم، ترك الدليل لمكتبة العشيرة، وقرر البطريرك السماح لي بتجربة صقله، لكوني حائزاً على أفضل موهبة في جيلنا. ممّا قلته للتو، ومن حضورك هنا... ينتابني شعور بأنّ أبي قال ذلك لتيسير أمري"، قال بعبوس.
"تركها لك أبوك، ابنه، أليس كذلك؟ إنها حقّك".
لم يدرِ روفان بما يجيب. لم يدرك أن أش سينحاز إلى صفّه بهذه السهولة.
"لا أعرف كلّ التفاصيل. تولّت أمي شؤون العشيرة لفترة، لكنها كانت مريضة دائماً، والآن ماتت".
صلب مزيج عيناه.
"لو أنها استبدلت دليلاً من المرتبة الرابعة بشيء ما، فأنا لا أعرف ما هو".
عرف اثناهما تماماً ما يعنيه ذلك. كان الدليل من المرتبة الرابعة لا يُقدر بثمن. ربما لم تملك طائفة القشور السوداء كنزاً كهذا، ناهيك عن طائفة الجبل البار. فكيف أمكن مقايضته في مهب الريح؟ إن كان لا بدّ من مبادلته، لكان هناك على الأقل جبل من الأعشاب الروحيّة واللقى عند بابهما. لم تكن هناك طريقة لا يعرف بها روفان ما كان عليه.
"مع ذلك... كيف يمكنني التخلي عنه الآن؟ لقد بدأت التدرب منه بالفعل. أراكم ناراً جافة داخل بحر كي الخاص بي. لا توجد فنون أخرى للنار الجافة في الطائفة بأكملها. طريقي إما أن ينتهي هنا، أو عليّ تحطيم صقلي والبدء من جديد من الصفر".
انهار أش في مقعده.
"أخبرني بما أفعله، أخي. لا أودّ إساءتك، لكنني لا أودّ أيضاً إلقاء سنوات من التقدم..."
إن كان من شيء، فإن أش قد قلّل من شأن كارثة تحطيم الصقْل. لم يكن الصقْل كأن تستيقظ ذات يوم وتقرر ارتداء ثياب مختلفة. ما إن يتكوّن بحر كي الخاص بك بالكامل، فلو تحطّم، ستصاب بجرح روحي هائل لن تعافت منه أبداً من دون حبوب شفائية باهظة الثمن. كان الضرر أشدّ كلّما عَلا شأن صقلك. فكّر روفان حينها في خبير تكوين النواة المشلول، ليرين نوستراغا، الذي لجأ إلى الأساليب الشيطانية ليُشفى.
في ذلك المستوى الرفيع... ربما لا تفيد حتى الحبوب.
"لا أودّ إزعاجك. ألا يمكننا كلينا التعلم من الدليل؟"
أخرج أش لُفافَة من اليشم وناولها لروفان.
"أرجوك، جرب نسخها. لم أتمكن أبداً من تدبرها".
نظر روفان إلى اللّفافة بجبين مقطب. أخرج المقالة شبه المكتملة من كمّه وقلبها، محاولاً كتابة الآية الأولى من المدونة الكبرى السامية للنار الجافة.
قال أش — من الذاكرة، بينما قرأ روفان الكلمات: "غبار وغبار، في الأصفر والأحمر. الماء لا يعبر الفاصل العظيم".
بسيطة بما يكفي. توتّرت أصابعه وارتجفت حول القلم. ما كانت الكلمة الأولى مرة أخرى؟ سقطت بقعة حبر، منزلقة إلى أسفل الورقة. فجأة، بدا وكأنه نسي كيف يكتب. استطاع رؤية الكلمات العميق من لفافة اليشم في عقله. بذل قصارى جهده، لكن لحظة همّه بكتابة حرف واحد، أفلت منه مفهوم اللغة، فحينها لم يعد يتذكر شيئاً من اللفافة بتاتاً.
قال روفان ببلادة: "هناك تعويذة عليها".
أومأ أش برأسه.
"أنا متأكد من أنه يمكن كسرها، لكن الثمن عادة هو تسليم نسخة لمن يفعل ذلك".
لعن روفان.
"عليها تعويذة خط سلالة أيضاً. طلبت معلّمتي مرة إلقاء نظرة، فقالت إنها فارغة. على حد علمي، وحد هم الأشخاص المقربون جداً من العم بيروس يستطيعون قراءة ذلك. يجعلني أتساءل كيف—"
فتحت الأبواب على مصراعيها وسط دوي. خبّأ روفان لفافة اليشم في كمّه، بعيداً عن الأعين المتطفلة. كاد كبير الخدم يقع داخل الغرفة، منحنياً بغزارة.
"معذرة شديدة، أسيادي الصغار، لكن يجب أن أطلب منكم إخلاء ردهة لوتس اليشم. لقد طُلبت تحديداً من قبل مجموعة من الضيوف المهمين للغاية".
حتى وهو يعتذر ويسجد، كان هناك ومض ماكر في عينيه، كأنه ظنّ أن ردهة لوتس اليشم كانت أرفع شأناً منهم طوال الوقت.
"يمكنكم دفع ثمن أطباقكم في طريق الخروج".
اقترب حفنة من النّادل بحذر، لكنهم ترددوا في إزالة الأطباق. لم يكن أي منهم من أهل الصقل، ولم يبدُ أي منهم سعيداً بوجوده هناك. احمرّ وجه أش كحبّة الكرز.
"ألا تعرف من أنا؟ أنا تلميذ السيدة الكهفية فجر شظية، أستاذ صقل كي!"
لم يقرّب النّادلون خطواتهم، مفضلين سحب أقدامهم وتجنب التواصل البصري. ضحك كبير الخدم بصوت مسموع. شعر روفان أيضاً بالاستياء من قلّة الأدب السافرة، لكنه كان غريباً على المدينة، وشعر أنه لا يستحق صناعة أعداء. لم يكن مثل أش، الذي شعر بالارتياح لاستدعاء الدعم الذي يملكه في الطائفة المحلية. حتى في مدينة الجبل البار، لم يستعمل روفان اسم هيلسينغ أو مكانته في الطائفة طلباً للوجاهة فعلياً.
كان يفضل حقاً عدم التورط في معركة أخرى وتمنى ألا يبدأها أحد.
"أه. كنت أتساءل من يجرؤ على احتلال مكان تجمّعنا. يبدو أنه لم يكن سوى أش هيلسينغ".
وقفت مجموعة من أربعة تلاميذ شبان من الطائفة عند أبواب ردهة لوتس اليشم، وكانت أرديتهم الزرقاء الداكنة أنيقة ومحاطة بالفضة. بينما ارتدى أش وشاحاً أبيض حول خصمه مطرزاً بسمكتي شبوط فضيتين، بدت التطريزات رقيقة وتلمع بتعويذات واقية، ارتدى التلاميذ أوشحة بثلاث سمكات. فكر روفان: في منتصف مرحلة تكثيف الكي. إن لم توضح الأوشحة فارق مرتبة واضحاً بينهم وبين أش، فقد فعلت تعبيرات تفوقهم ذلك.
ضحك أش بغلظة ومكر.
"هل انحدرتم حقاً لدرجة ابتزاز العامّة ليسمحوا لكم بالدخول عنوة؟ هل هناك خطّ لن تخترقوه؟"
أحاط التلاميذ بالطاولة وبدأوا بالجلوس. حتى إن مراهقاً طويلاً نحيلاً بدا في عمر روفان لفّ ذراعه حول كتف أش.
"كما قلت، هذا مكاننا. أنت تعرف ذلك. كيف يكون ذنبنا أنك لا تعرف قدرك؟"
"لا تلمسني، كوينتين!"
قفز أش واقفا، دافعاً كرسيه جانباً. التقط صبيّ آخر أقصر وأمتن الكرسي وسحبه إلى الشرفة، وجلس فيه بانحناءة، وألقى بقدميه المنتعلتين بحذاء على درابزين الردهة وأمال رأسه يحدق في روفان.
سأل أش: "من هذا؟ أحدهم استأجرته ليكون رفيقك في الغداء؟ شخصياً، كنت سأبحث عن فتاة، لكن..."
تثاءب بصوت عال. صبي ثالث، بدا أصغر سناً من الباقين، لم يجلس، بل حدق فيهما بعصبية، مبرداً نفسه بمروحة مزخرفة بدقة بيد واحدة ويعبث بخواتم متعددة الألوان زيّنت أصابع يد الأخرى. جلست فتاة سمينة بجانب روفان وتناولت فخذ دجاجة.
سألت روفان، وهي ترمش بعينيها وتبتسامة تعلوه وما زال وجنتاها ممتلئتين: "ما اسمك؟"
تابع روفان خطى أش سريعاً، متراجعاً عن الطاولة. أسرع طاقم النادل، بعدما استشعرو تغيّر التيارات بشكل أفضل، لإزالة الأطباق. صفع كوينتين يد نادل كان يحاول أخذ الطبق من أمامه.
"اتركوها. سنقدم خدمة لزميلنا في الطائفة ونقضي على هذه من أجله".
قفز أش إلى الأمام، محاولاً انتزاع الطبق من كوينتين، لكن في جزء من الثانية غُمر رأس ابن عمه فجأة في طبق سبانخ. ضحكت المجموعة. أبعد كوينتين يده ليقبض على بطنه، ضاحكاً لدرجة الأزيز. جزّ روفان على أسنانه. لم يستطع الوقوف متفرجاً بينما يتعرض ابن عمه للتنمر. أظن الجميع أن اسم هيلسينغ يعني هذا القدر اليسير؟ كان في منتصف سحب سيفه من كمّه حين هرع أش وأوقفه، نافضاً ساقاً ورقية عن خده.
"لا تكن غبياً — ضع هذا جانباً".
أخذ أش نفساً عميقاً.
"نحن جميعا أهل صقل تقف خلفنا طوائف. كل ما يمكنهم فعله هو الضغط قليلاً على أعصابنا. لا حاجة لتصعيد الأمور".
توقف مؤقتاً، ووقعت عيناه على وعاء حساء على حافة الطاولة. أدرك روفان مقصده.
"لكن ليس علينا الجلوس هنا بهدوء وقبول الأمر، أأنا مخلط؟"
"طالما أن الأمور لم تمضِ بعيداً؟ ... لا".
تبادلا نظرة عميقة، وبرقت عيناهما. لطم أش حافة الوعاء الذي كان يرمقه نحو الأعلى، مرسلاً الحساء الساخن لرشّ أهل الصقل الثلاثة الجالسين. تلى ذلك روفان بركل حافة الطاولة السفلية، على أمل تغطيتهم بالطعام. لكنه ركلها بقوة أكبر مما ظن، أو ربما كانت الطاولة أوهى ممّا توقع، لأن معظم الأطباق وأدوات المائدة انتهى بها المطاف طائرة فوق الشرفة لتمطر كالمطر على قاعة الطعام في الأسفل.
تردد صدى صرخات قصيرة وموجة لعنات. توقف الممثلون الذين يؤدون عروضهم على المسرح في منتصف جملتهم، محملقين إليهم بذعر. وكان النّادلون، وكبير الخدم المتعجرف، قد تواروا عن الأنظار تماماً. تملّص التلاميذ من حافة الشرفة، لاهثين ومبصقين. وانطلقت أصوات من الأسفل. احتك الخشب بالخشب أثناء دفع الكراسي إلى الخلف، إذ استشعر العامّة الأذكياء قرب وقوع قتال بين أهل الصقل واستغلوا الفرصة لتناول الطعام والهرب.
وقف أش فوق أهل الصقل الثلاثة، مبتسماً بسخاء: "كيف حال طبق الدار المميز؟"
ضيّق روفان عينيه. ألم يكن هناك رابع— دفعه أحدهم بقوة، وشعر روفان بقدميه تغادران الأرض بينما هو يهوي فوق الشرفة. هوى روفان لما بدا كأنّه دهور وهو يحدق في رواد الردهات المحيطة في الطابق العلوي، ثم في الرعب واسع العيون الصادر عن الطاولات الخاصة في الطابق الثاني، ثم في الممثلين مذهولي الشدقين على المنصة المرتفعة التي كانوا يؤدون عليها، ومن ثم في عيوني فضيتين لفتاة جميلة بشكل لا يُصدق تزينها مشبك شعر على شكل صدفة حين لامس خده جانب سمان مشوي واطاح بطاولتها.
كشر بوجع، جادّاً في الجلوس. انزلق السمان من شعره وسقط بجانبه بصوت رطب ومكتوم.
قالت: "كنت سآكل ذلك".