رغم التوتر الشديد الذي ساد جبل البرّ، مع وصول منزل الهلال العامريّ المدوي، تطلّب الأمر حضور روان وزملائه للدروس. كان المعلّم ساتر قاسياً للغاية مع روان، الذي فاتته دروس كثيرة مؤخراً بسبب زيارته لمرسى الحوت العميق وبقائه في المستشفي.
قال المعلّم ساتر وهو ينقر بعصاه على جانب منضدة روان وكأنه يقرر ما إذا كان سيضربه بضع ضربات: "ما زلت لم تسلم ذلك المقال الذي كلفتك به قبل عدة أسابيع. آمل أنك لا تظن نفسك أكبر من الواجبات المنزلية الآن، أمم؟"
"لا، لكن... ألا يمنحني قتل ممارس شيطاني بعض النقاط الإضافية؟"
لم ينل روان سوى ثلاث ضربات لقاء ذلك. واعتقد أن الأمر استحقّ عناءه. فور عودته إلى مسكنه، استخرج المقال القديم غير المكتمل من كيس التنين الفيضانيّ. رافقته تلك الرقاعة إلى مرسى الحوت العميق، ونجت من حادثة خليج الحراشف السوداء، وعاشت معركة الحياة والموت ضدّ الناسك الأوجيّ. تطلع إلى خطوط الخطّ بشجن. بدأ كتابة المقال قبل حتى أن يشكل بحر تشي الخاص به، والآن صار ممارساً لتركيز تشي من الطبقة الثانية.
كان المعلّم ساتر على حقّ. تأخر هذا المقال كثيراً. فحص روان عمله، محاولاً تتبع خط تفكيره القديم ومتسائلاً عما كان يدور في خَلَده بحقّ الجحيم.
"دعني أرى."
انتفض روان. هل تنازل أُسترا عن مخاطبته الآن؟ شعر أن الاستعانة بممارس رفيع المقام لمساعدته في الواجب المنزلي أمر عبثيّ — ومهين حتى — لكنه دع الحجر يطالعه مع ذلك.
صعق أُسترا قائلًا: "مقال عن سمات الماء؟ يكلف معلمك فرداً بمثل هذا الامر لمجرد كونه تلميذاً في تركيز تشي؟ ما معنى هذا؟ حتى لو كتبت ألف مقال، فلن تستطيع الإحاطة بسمة واحدة."
قرأ أُسترا مقاله وأصدر سخريّة خافتة.
"الماء مقيّد بالأرض. حجم المسطح المائي يتحدد وفق ما تسمح به الأرض..."
توقف، وبدا مذهولاً.
"أرى. أيها الفتى، كانت هذه المهمة فخاً من معلمك لكي يضعك موضع التواضع أمام عمق الداو. كيف لك أن تفهم هذه المسألة؟ إن كنت تريد درجات جيدة، فلا يوجد سوى إجابة واحدة. هاك، مزّق هذه الرقاعة وأتِ بأخرى جديدة."
أطاع روان. تنحنح أُسترا، واستعد روان لسماع حكمة هذا المعلم العظيم الخالصة.
"اكتب هذا... 'الماء ماء'!"
انتظر روان البقية، لكنها لم تأتِ أبداً.
"أنصت جيداً. سيفاجأ معلمك بهذا وينظر إليك نظرة جديدة. حتى في مستواي، هذا عميق للغاية. أحياناً، حين تتخبط في التعقيدات، فإن العودة إلى الأساسيات تمنح الإلهام."
استطاع روان سماع الابتسامة في صوت أُسترا، وكأنه يبتهج بذكائه الخاص.
"اكتبه في منتصف الصفحة — كلمة واحدة في كل سطر، على هيئة قصيدة من ثلاثة أسطر. محاطاً بالفراغ البيض، سيغدو النص أشبه بجيزة بصيرة تبرز من اللانهائية ذاتها. ستضفي البصريّة مزيداً من التأكيد. المقال لتعبر عما تعلمه — وهذه فرصتك لتعترف رغم كل أبحاثك أنك لا تزال لا تعلم شيئاً."
لم يستطع روان تحديد ما إذا كان السيد العظيم يظن أنّه وشيعته في مستوى متدنٍ للغايه بحيث لا يطيقون سوى استيعاب عبارة 'الماء ماء'، أم أن الرجل كان صادقاً.
"سيدي، أخشى أن يكون هذا الوضيع... متدنياً جداً. هل يمكنني حقاً تسليم مقال بثلاث كلمات فقط فيه؟"
"في الوقت الراهن، ما كتبته هو الحقيقة الكاملة. أي شيء تضيفه بعد هذا لا يمكن إلا أن يقلل من جودته ويهدر الرسالة."
بعد هذا، كيف له أن يرفض؟ // أثناء الدرس في اليوم التالي، حمل المعلم ساتر إعلاناً لهم.
"عادة، ننتظر حتى تنهوا دروسكم العامة قبل تكليفكم بفرقكم. مع ذلك، ونظراً لظروف طارئة، قرر الشيوخ تشكيل فرقكم الآن. ستكونون في مجموعات من ثلاثة إلى أربعة، بقيادة تلميذ داخلي أو أساسي."
شرع الطلاب في التهمس وتبادل النظرات حتى قبل أن ينتهي المعلم ساتر من كلامه. أصار التلامذة الأساسيون مطمعاً لقادة الفرق؟
"ستتلقون تعييناتكم خلال درس الغد. يرجى اتباع تعليمات قائد فريقكم — فهم مسؤولون عنكم، لذا لا تجعلوا مهمتهم صعبة عليهم."
مال لي نحو روان.
"أتريدون منا أن نحظى بقادة فرق ليرشدونا خلال البطولة؟"
"نجل."
فكر روان في محادثته مع الشيخ شيل.
"وربما ليحافظوا على سلامتنا."
حاصرت الأسئلة المعلم ساتر، وانتهى الدرس دون أن يعلم الرجل شيئاً عن الفتحات أو المسارات. كان روان متحمسساً لاحتمال إدراجه في فريق أخيراً. تمنى أن يكون قائد فريقي هو الشقيق الأكبر فلوريموند أو الشقيقة الكبرى نيلا — فهما شخصان عاقلان وموهوبان. وأسوأ ما كان يخشاه هو الوقوع تحت إمرة باريت فروس. سينتهي به الأمر ميتاً حتى قبل نزالهما. وما إن تخلّص الطلاب من الصف متهامسين، حتى اقترب روان من المعلم ساتر ومقاله الجديد والمحسن.
"السيد هيلسينغ! استعراض هزيل واحد وتظن نفسك خالداً من على عليّين؟ ما هذه القمامة؟"
"الماء شديد التعقيد، وعلينا العودة إلى الأساسيات..."
"أنا أحاول تعليمك الأساسيات!"
هدر المعلم ساتر وقد محا الغضب وجهه حتى صار أرجوانياً.
"أتجرأ على معاملتي بتعجرف؟ أسبقت أن خُضت غمار المحيط، حيث الماء بالغ العمق حتى إن الضوء لا يبلغ قاعه؟ أتساءلت يوماً إن كان الماء يغذي الخشب، أم إن الخشب ينضب الماء؟ أرايت غيمة من قبل قط؟! أتعلم أصلاً أن البشر يشربون الماء؟! 'الماء ماء'... كيف تجرؤ! أعد كتابة هذا — بشكل صحيح هذه المرة! لا تضيع وقتي بتعابير زائفة مترفعة لمجرد التخلص من كتابة مقال ملائم!"
انظر إلي بنظرة جديدة... تمتم روان في نفسه. بلى. إنه يظنني هاربًا من الدروس الآن. من الآن فصاعداً، سيفكر مرتين قبل أخذ نصيحة في الواجبات المنزلية من خالد. وحين كان يتجول عبر الفناء، اقتربت منه مجموعة من أربعة طلاب، وكأنهم كانوا بانتظاره. قادت لافينيا المجموعة. وتلتها بيا، وأحد طلاب الجدارة — فتى طويل ذو وجه جاد وممدد وعيون متعبة. ومضت نظارات سداسية على وجهه. سيلفستر، كان هذا اسمه.
وحين لاحظ نظرة روان الفضولية، أشاح بنظره جانباً. أما التلميذ الأخير فكان فتى آخر يُدعى إغناطيوس ولا يعرفه روان جيداً هو الآخر. كان أقصر من روان برأسين كاملين، ويعبث بأصابع يديه.
سأل روان: "ما الأمر؟"
دفعت لافينيا إغناطيوس بمرفقها كأنها تقول "أرايت؟ قلت لك إنه لا يعض".
وطرفت رموشها لروان.
"نحن ذاهبون إلى البراري لنصاد الوحوش. وبما أنك مقاتل بارز الآن وكل ذلك، فقد قدرت أنه يجب أن نطلب منك المرافقة. أنت تعلم — لحمايتنا."
كافح روان كي لا يرتد إلى الخلف جلياً عند ذكر البراري.
"البراري؟ أهي لمهمة؟"
"لا."
تنهدت.
"الأربعة منا في ضائقة يسيرة من حجارة الروح في الوقت الراهن. نوى الوحوش قد تساعدك على الزراعة عند الضيق. وظننا أيضاً أن مقاتلة بعض الوحوش قد تساعدنا في صقل مهاراتنا استعداداً للبطولة. لا شيء أفضل من التجربة الحقيقية."
ابتسمت له لافينيا.
"ما رأيك؟ أتريد المجيء؟"
فكر روان للبرهة. لم يذهب إلى البراري منذ حادثة ليرين نوستراجا. ولو كان ذلك هو عائق الوحيد، لأجبر نفسه على تخطي المسألة والمضيّ معهم. ففي نهاية المطاف، كان بحاجة إلى الموارد والخبرات أيضاً. مع ذلك... إن كان سيقتل، فإفضل قتل البشر. كان صيد الممارسين الشياطين يمنحه رصيداً مخزناً لدى أُسترا، مما يتيح له الشراء من مكتبة ضخمة من النصوص التي لن يجدها في أي مكان آخر أبداً.
كما كان بحاجة ماسة ومحددة لخبرة القتال ضد البشر. فالوحوش تمتلك أنظمة روحيّة مختلفة كلياً عن البشر — أعداد مختلفة من المسارات والفتحات، كبداية وحسب. فهي لا تزرع من خلال الإدراك والتأمل، بل بالاستهلاك والعيش لفترة طويلة كافية لامتصاص تشي بيئتها، لتتحور في نهاية المطاف. وما زال روان يحاول تعلم الدقائق الأخيرة من إنباته. وليس هذا فحسب، بل إن خبرته مع كلود باستين والناسك الأوجيّ كانت تلاحقه.
بالكاد استطاع النوم ليلاً وهو يعلم أن هناك العشرات، إن لم يكن المئات، من الممارسين الشياطين صغار الشأن تحت بصره يؤذون الآخرين. وكذلك الأسماك الكبيرة مثل الناسك أسنان الفضة والعريس الأحمر. نادراً ما شكلت الوحوش مشكلة لأهل جبل البرّ. وأيضاً، أياً كانت الغنائم التي ستربحها لافينيا وروان وبقية المجموعة، فسيتعين تقسيمها على خمسة اتجاهات. وإذا قدر روان خصال هؤلاء الأربعة على نحو سليم، فإن معظم العمل سينجزه هو على أي حال.
لم يكن الأمر يستحق الوقت.
قال روان بهدوء: "ما زال عليّ إنهاء ذلك المقال الخاص بالمعلم ساتر. لكن كونوا حذرين هناك. قد تصادفون أيضاً تلامذة منزل الهلال العامريّ. يبدو أن الشيخ شيل يعتقد أنهم يتدبرون أمراً ما."
تبادلت مجموعة الأربعة النظرات فيما بينها. تزاادت سرعة فرك إغناطيوس ليديه.
"أحقاً هذا صحيح؟ الشيخ شيل يعتقد حقاً—؟"
منحت لافينيا روان ابتسامة متكلفة.
"شكراً على النصيحة. لم نكن ننوي السفر بعيداً في البراري على أي حال."
وحين استداروا مغادرين، أوقفهم روان.
"انتظروا."
أخرج من كيسه المكاني التعويذة التي أهدته إياها السيدة هيما. كانت تعويذة إشارة مضيئة — حين تفعل، تنطلق في السماء لتشكل نمط ألعاب نارية لسمكة تقفز من الماء مع إعلان أسفلها. لكنها ستفي بالغرض وقت الضيق.
تمتمت بيا بصوت خفي وهي تقبض بجشع على التعويذة: "ليس سيئاً، يا روان."
ألا تساوي إشارات الإنذار عشرين أو ثلاثين تايل للواحدة؟"
"ربما لو عرضت القرع الذهبي للشيعة أو مسامير هيلسينغ الفضية المتصالبة، بدلاً من 'خصم 10% في متجر هيما للإبحار'."
قلب روان عينيه.
سألت لافينيا التي كانت على علم بالسوق السوداء بوضوح: "أترى أن الخصم يسري في القبو أيضاً؟"
"غالباً لا"، قال روان.
سيما لافينيا، في ظل رأي السيدة هيما في ليديا بروشارد.
"على أي حال، إن نجوت, فأنا أريد التعويذة عائدة."
حدق سيلفستر بطمع في التعويذة، لكنه لم يقاتل بيا على حق إمساكها. وقف بكل بساطة كلوح خشبي متصلب ولم ينبس بكلمة. لوح روان مودعاً ليعود إلى غرفة مسكنه.
وخلفه، سمع سيلفستر يتمتم: "الممارسون النبلاء ينالون كل شيء حقاً، أليس كذلك..."
حين عاد روان إلى مسكنه، لم يجلس إلى منضدته ليبدأ تنقيح مقاله. فتح كيسه المكاني وأخرج النصوص الشيطانية التي استلبها من عرين الناسك الأوجيّ. كان تشي المحيط بها داكناً ومريضاً، يطير حول أصابعه كسراب جراد. في الأصل، حين استولى على هذه الفنون، أراد فقط ضمان إحراقها بالشكل الصحيح وعدم انتهاء المطاف بها لتباع مجدداً في مكان مثل السوق السوداء للسيدة هيما. بإمكانه إحراقها.
بإمكانه التعلم منها. ليعرف أعداءه بصورة أفضل. توقف روان للحظة قبل أن يهز راسه، دافعاً بها مجدداً إلى داخل الكيس. حتى مجرد النظر إلى هذه الفنون سيدنس عقده. وإن قرأ هذه الصفحات، فلن يمحوها من ذاكرته أبداً — سترافقه للأبد. لم يكن راغباً في السير بحذاء عدوه. البرّ يهزم الشر. عليه الوثوق بالشيعة والخبراء الأبرار الآخرين للتعامل مع الأمور في الوقت الراهن. لا ينبغي له الاستعجال، بفتح كتب لا يستطيع إغلاقها قط...
بحث في صندوق ملابسه عن شيء غير ملفت للانتباه، واستقر مجدداً على الرداء الأسود الذي سلبه من الجثة في خليج الحراشف السوداء، فبدل ملابسه. تأمل نفسه في المرآة. في يوم ما، أقسم لنفسه بأنه إن أصبح ممارساً حقيقياً يوماً، فلن يرتدي شيئاً سوى رداء الشيعة أبداً. يا لطرافة مآل الأمور. غادر روان الشيعة، متوقفاً عند البوابة الشرقية حيث كان العجوز هيسر متمركزاً.
"رمز الشيعة؟"
ناول روان الرمز. تنقل العجوز هيسر بنظره بينه وبين الرمز قبل أن يعيده إليه.
"أتعلم، اعتعت دائماً نسيان إحضار رمزك."
"أصبحت أكثر مسؤولية قليلاً."
أصدر العجوز همهمة حلقية، فاتحاً البوابة. توقف روان.
"أيها العجوز هيسر، أترك أحد رسائل لأجلي؟"
"لأجلك؟ عدد غير قليل. عروض زواج، في الغالب. آثرت إعادة توجيهها إلى عمك."
توقف روان.
"لربما كانت فتاة — ربما في العاشرة من عمرها. نحيلة."
هز العجوز هيسر رأسه.
"لا أحد على هذه الشاكلة."
حاول روان ألا يشعر بالقلق. مضت بضعة أيام فقط — ومن الجيد أن داليا لم تبلغ حداً من اليأس يجعلها تلجأ إليه بعد. هز رأسه وخطا إلى المدينة الصاخبة والساخنة. لم يرَ أياً من اليتامى في العرض. وكانت تلك فكرة تنهشه بلا توقف منذ ذلك الحين. وما إن يُعين له قائد فريق — مربية أطفال — حتى استبعد قدرته على التجوال بحرية تامة، ليفعل ما يحلو له. قد تكون هذه فرصته الأخيرة لفترة طويلة للتحقيق في أعقاب ما حدث.
وسواء أوجد اليتامى منازل جديدة، أم ما هي الأوضاع في هايوتر... وسواء انتقل ممارس شيطاني آخر إلى هناك. لم يكن راضياً ببضع كلمات اطمئنان من محكمة الداو. كان متجهاً للتحقق من الأمر بنفسه.