تَنقَّل بوديلين فروس في أرجاء القاعة حتّى فرغ منها، فطاف على مسؤولي محكمة الداو، وشيوخ الطائفة، وممثّلي العائلات الكبرى، وها هو ذا يقف أمامه أخيراً. كان روان قد شجّع الأخت الكبرى نيلا على إغداق قصص الاستزراع عليه، وهي التي لا تملّ الحديث ساعات طوالاً، راجياً أن يصرف ذلك وجوه الناس عنه. لم يكن قطع حديث تلميذ أساسيّ في الطائفة ممّا يفعله أحد. بيد أنّ ذلك لم يردع بوديلين على ما يبدو.
بل إنّ الرجل أحضر ابن أخيه معه لهذه المناسبة.
قالت نيلا: "لا بأس. لقد اختطفته رهينة لدقيقة تناهز الثلاثين على أيّ حال".
وما كانت تدري ألبتّة أنّ هذا عين ما ابتغاه روان.
"يمكنني إتمام شرح تناظر التشكيلات له حين نعود إلى الطائفة".
أومأ بوديلين برأسه معتذراً.
وقال: "ما علمت أنّكم تخوضون في أمر جليل كهذا. لقد كدت أفقد كفّي يوماً بسبب تشكيلة صيغت بغير إتقان. ولسوء الحظّ، ألقى أحد أعزّ أصدقائي بنفسه فوقها حين اختلّ توازنها. ويا له من حظّ سعيد إذ لم يصبه أذى. بل كان غاضباً فحسب، غاضباً للغاية".
ابتسمت نيلا.
"أسمعت هذا يا روان؟ أغلب عصاريّ أقضيها في مكتبة الحرم الداخليّ. لن يسمحوا لك بالدخول، لكنّهم سيوصلون رسالتك. يمكننا ختم الدّرس، وربّما تناول الغداء معاً".
حنّت يدها فربتت على رأسه برقة فيها شئ من التعالي، غير أنّ روان لم يعبأ بذلك. فقد كانت طافحة بالسكر حتّى إنّها كانت تتمايل ذات اليمين وذات اليسار. فلمحت الشيخ باتينو وهو يختلس معجنات من صينية نادل مارّ، فهوت نحوه مباشرة بكامل سرعتها. تجهم روان متمنياً ألّا تخلق ثقباً على هيئة تلميذ أساسيّ في جسد أحد. ورغم تكدّس الجمع، فقد راحت تتسلّل بين الناس بمهارة إبرة، من غير أن تحتكّ بأحد قطّ.
"احرص على الحضور يا سيّدي الشاب هيلسينج. ليس كلّ يوم ينال تلميذ خارجيّ دعوة مفتوحة لتلقّي الدروس".
أومأ روان بحذر. وكان باتينو آنذاك يوبّخ نيلا بصوت صاخب لجعلها من نفسها أضحوكة.
قال فروس، وقد تتبع بصر روان نحو مصدر الضجة: "ما رأيت أحداً بهذا القدر من الحماس لمخاطبة الشيخ القديم".
أطلق قهقهة خفيفة، ثمّ عاد فوجه ملامح وجهه بجدّيّة أكبر.
"لا بدّ أنّك تتساءل لمَ أنا هنا".
قال روان: "لا سيّما أنّه تساؤل خاصّ. أليس هذا قصر عائلة فروس في شارع الفضاء؟"
وابتسم. أطلق فروس قهقهة أخرى، وكانت أعمق هذه المرة.
"حقّاً، هذا منزلي".
ثم صمت. لم يبرح باريت صامتاً، لكنّه بدا محتدماً أكثر بطريقة ما. لقد تحوّل وجهه من حمرة ملطخة إلى لون أقرب إلى الأرجوانيّ القاتم.
"ما قصدت حقّاً هو أنّك تتساءل مرجحاً عن سبب إقامة الحفل هنا".
هزّ روان كتفيه.
"أظنّ السبب أنّ قليلاً من العائلات تطيق ثقل..."
فرمش بطرفه ناظراً إلى القاضي المحاط بنحو عشرة من البطاركة والأبناء الوارثين - بعضهم ينحدر من سلالات بشريّة مزدهرة، وبعضهم من الشركاء التاريخيّين الكثيرين لطائفة جبل الصلاح.
"الداو العظمي"، هكذا قرر.
قال بوديلين عابثاً: "أتساءل كم امرئ في هذه المدينة يملك بحبوحة قول ذلك من غير أن تُقطع لسانه؟ أليس هذا نوع الحرية الذي يَسم حلم الاستزراع؟"
أومأ روان.
وتابع بوديلين: "حقّ السخرية من أيّ كان وفي أيّ أمر، بلا خوف من قصاص. وقدرة صنيع الخير بغير تحفّظ. وقدرة إنزال الشرّ بلا عواقب. لقد أُخبرت أنّ المستشار الأعلى أمر الإمبراطور يوماً بأن يمضغ طعامه وفمه مغلق أثناء المأدبة".
سأل روان: "ماذا حدث؟"
اعتاد عادةً أن يجد التاريخ الإمبراطوريّ ضجراً. كانت العاصمة نائية، نائية للغاية، وأخبره أبوه مرّة أنّها ليست بالروعة التي يدّعيها الناس.
"تذكّر الإمبراطور أدبه، واعتذر".
سأل روان وفضوله ينهشه بطريقة مروعة: "وماذا جرى للمستشار الأعلى بعدها؟"
ألم تكن هذه الضرب من القصص تنتهي دائماً بطريقة إعدام مروعة للغاية؟
قال بوديلين: "ما زالت له مكانة المستشار الأعلى حتى يومنا هذا. ولعلّه يأمر أحفاد ذلك الإمبراطور بالجلوس باستقامة حين يعقدون البلاط".
أدرك روان مغزى الحكاية فقال: "لأنّه مستسترع".
أكّد بوديلين: "إنّه أحد أنفذ الرجال حياةً ممّن لا يزالون يظهرون على الملأ".
ساد صمت قصير، قطعهخرير ساخر ناعم صادر من باريت.
قال بوديلين أخيراً: "لست امرأً يطلب العفو مراراً".
"العفو؟"
أكان يعتذر نيابة عن باريت؟ لابدّ أنّه لهذا السبب وُجد هنا، محتجزاً باريت كرهينة. أومأ بوديلين.
وقال: "ما طلبت إذنًا حين رفعت أوراق الجمعية الخيرية التي تشاركك اسمك الآن. وكنت أجبن من أن أسأل إن كنت تجيز ذلك قبل أن أعلنه للملأ. وها قد تركتك في أرض وعرة إن كان هذا الضرب من الأمور يناقض رغباتك".
وانحنى بعمق. أعلى هذا كان يعتذر؟ فكّر روان مليّاً للحظة، وأدرك أنّه إن كان حقّاً أمراً لا يبتغي لنفسه صلة به، فربّما يستشيط غضباً لا محالة.
قال روان: "ليس عليك الاعتذار. بعد تلك الواقعة في هايفوتر، كنت أتلمّس إن كان ثمة ما أستطيع فعله للمساعدة".
استقام بوديلين واقفاً، وبدو مرتاحاً للغاية.
قال: "هذا حسن. كنت أرجو أن تكون مغايراً لأغلب المستسترعين الشباب فائقي الموهبة ممن ابتليت بلقياهم على مدار السنين، وها أنت ذا كذلك. بطريقة سلوك جلّ الأبطال، لظننت أنّه محض صدفة أن يصنع أحدهم خيراً في العالم".
لم يدرِ روان كيف يردّ. فرمل بوديلين الصمت.
"يريد الجميع الشهرة المترتبة على قتل المستسترعين الشياطين. وقلّة يبتغون عمل تحسين حياة ضحاياهم الذي لا يشكر عليه صاحبه".
"أخبرني الأخ الأكبر ساتر أنّ أكبر مخاوف المستسترع هي المسؤولية".
ابتسم بوديلين: "أقال المحقق ساتر ذلك؟ سيتعين عليّ تذكر تلك المقولة حين أخوض مجادلتي الحامية القادمة".
ساد صمت طفيف آخر.
قال بوديلين: "الحقّ يقال، لقد توقعت محادثة عسيرة للغاية. وظننتك ستكون شخصاً عصيّاً على الفهم. ولكن بما أننا هنا، فأظنّ أنه يجدر بي استجداء حظي. ووفاءً بعهدي، لن يتطلب الصندوق الخيريّ قرشاً معدنياً واحداً منك. ولن تُطالب بحضور أيّ اجتماعات مع بيروقراطيين متملقين، ولن يُقطع عليك استماعك لمحاضرات الطائفة للحصول على توقيعات، ولا شي من هذا القبيل".
أومأ روان.
"لكنّه سيعني الكثير بلا شكّ للأطفال الذين سترعاهم باسمك لو..."
ثم توقف عن الكلام. التفت نحو مائدة المأدبة وأخذ يطالع أطباق الفواكه. وبدا أنّ الرجل لاحظ عبث العابثين بالأطباق المرتبة بعناية باختيارهم منها. فشرع يصحح عرضها بيد واحدة. وكان باريت مستداراً بنصف جسده، يرمق المحيطين به ناظراً بذراعين متصالبتين.
قال بوديلين أخيراً: "أدرك أن أثمن كنز لأي امرئ، مستسترعاً كان أو لا، هو الوقت. لو أمكنك مرة كل حين، وليس كأمر منتظم، أن تفسح لي ربما لترتيب لقاء قصير بينك وبين زمرة من الأيتام؟ لقد صرت شخصيّة بطولية لأطفال المدينة بالفعل، وليسوا يبتغون شيئاً غير لقياك".
أنهى بوديلين تعديلاته، مصاصاً قطرة عصير من جانب إبهامه.
"ستكون هذه منّة كبرى".
أهذا ما يُعدّ أمراً عظيماً لدى أغلب المستسترعين؟ إقامة لقاء ترحيبي مع بضعة أطفال مرة كل عام تقريباً؟
قال روان: "بالتأكيد. هذا معقول تماماً. إن سنحت لك فكرة سبل أخرى يمكنني العون فيها، فلا تتوان عن السؤال".
الحقّ يقال، حين أتى إليه بوديلين بصباريت، ظنّ أنّ الرجل سيحاول إرغامهما على إلغاء النزال. حتّى إنّه أعطاه في دار المزاد مركونة ندى نسيم الشمس الغاربة لتسوية أيّ أواصر كارميّة بينهما. ولو أنّه سأل، لكان روان مضطراً للرفض. كانت الطائفة برمّتها على علم بنزالهما الوشيك. كانت سمعته على المحكّ، وممّا يعني أيضاً سمعة آل هيلسينج. لم يكن ليُعرف بالجبان الخائف من النزال. وأكثر من ذلك، وبصفته الابن الوارث لعائلته، لم يكن ليُرى كشخص يحني رقبته لآل فروس.
أمّا سمعة باريت، فمن يبالي بها؟ لقد دُمّرت بالفعل. وكأنّه سمع أفكار روان، حدق فيه باريت بغضب. فقطع خيط أفكار روان صوت دويّ عال حين انفتحت الأبواب على مصراعيها. اندفع تلميذ داخليّ عبر الأبواب لاهثاً.
"الشيخ باتينو! إنهم هنا! دار الهلال - إنهم عند البوابة الغربية!"
كانت دار الهلال قد فازت بالبطولة الأخيرة، وتملك أعمق تاريخ بين كل طائفات حلف التناغم الأرضيّ. وفيما عدا طائفة السماوات السماوية، فهما أهمّ الزوار.
صاح الشيخ باتينو منفعلًا: "بالفعل؟ لقد أباكروا!"
غادر الشيخ باتينو والشيخ شيلل بسرعة جعلت منهما ومضات ضوئية هاربة من القصر. وتبعهما باقي التلامذة الأساسيّين والداخليّين. وفي ثوانٍ معدودة، غادر جلّ الضيوف. رأى روان أنّها فرصة سانحة ليرحل هو الآخر. فركض خلف التلامذة باتجاه البوابة الغربية التي كانت، لحسن الحظّ، على بعد دقيقة مشي بخطى حثيثة من شارع الفضاء. وعند البوابة، وقفت مفارزة من مائة مستسترع عبر عتبتها، وخلفهم جيش من العربات.
تنفست الأخت الكبرى نيلا الصعداء وقالت: "هذا عدد هائل من التلامذة. لمَ أحضروا كل هذا العدد؟"
ارتدت دار الهلال أردية خارجية من أرجوان غامق. وبدت أرديتهم الداخلية - طبقات متعدّدة من قماش رقيق وشبكيّ بلون القشّ - ظاهرة من خلال أكمامهم المتهدلة وياقاتهم، كأنّ أطراف ثيابهم قد علق بها ضوء القمر المتموّج. وحملوا هيبة واجمة. كأنّهم ذاهبون إلى اجتماع جادّ لا إلى بطولة حماسيّة. ومرّ عبر البوابة محفّة يحملها أربعة تلامذة مرتدين تلك الأردية الأرجوانية. مستسترعون يؤدّيون أعمالاً وضيعة؟
لم يُسمع بمثل هذا قطّ. توقّفت المحفّة أمام الشيوخ. وترجل منها رجل ذو شعر أسود طويل وحريريّ يصل إلى كاحليه. وبحركة خبيرة من معصمه، انفرشت مروحة ذهبية تحجب النصف الأسفل من وجهه بحيث لا يرى المرء سوى عينيه الماكرتين المثيرتين، وشامته الجمالية على عظمة خده الأيسر. تقدّم الشيخ باتينو والشيخ شيلل للترحيب به. انحنى الشيوخ بعمق بينما اكتفى قائد الطائفة بإيماءة بسيطة برأسه.
وأدرك روان السبب سريعاً. تأسيس الأساس.
"قائد الطائفة كاليست. مفارزكم مبكرة بأسبوعين، لكنّ طائفتنا لا تزال مستعدة لاستقبالكم".
"لا حاجة لذلك".
أطبق قائد الطائفة كاليست مروحته بضربة خفيفة، مشيراً بها في حركة أمامية قصيرة.
"أحضرنا مساكننا معنا".
ومع مرور المحفّة، فتحت يد شحبة الستر فجأة. وفي الداخل الخافت، التقت عيناك زوج من عيون أرجوانية كهربائية بعيني روان. فشعر بخصلة وقحة سافرة من التقي، دافئة وباردة رطبة في آنٍ معًا، تضغط على صدره العلويّ. فانزلت متسلّلة على ذراع وعبر معصمه الأيمن ثم تلاشت دون أثر. بحثت أصابع روان فوراً عن السبحة، متأكدةً من بقائها. وكانت هناك.
قال صوت من الداخل: "هذا وقاحة يا أمفيس".
فقالت المرأة ذات العينين الأرجوانيتين: "أجريمة هي الفضول؟"
لقد قدمت دار الهلال ومعها ثلاثة مستسترعين في مرحلة تأسيس الأساس.