رون. دار الأيتام خاوية بأكملها. لا من الأيتام وحدهم، بل من الأبواب المخفيّة والدروب السريّة كذلك. وضع رون كفّه على عارضة داعمة وانعطف نحو الردهة. حاول استخدام استطلاع خيط القدر الأحمر مرّات عدّة، لكنّ أيّ خطّ هادٍ لم يظهر في حسّه السماوي. إمّا أن استطلاع متأمّلٍ كان أصعب، وإما أنه لا يملك معلومات كافية، وإمّا أن شيئاً ما حجب التقنية — كل الاحتمالات واردة.
"اخرج"، زمجر رون.
لا ردّ. لم يكن ينتظره. دار حول العارضة الخشبيّة الكبيرة والعارية في غرفة الاستقبال بتملّي. إن عجز عن إيجاد طريق إلى القبو، فسيصنع واحداً بنفسه. ضرب العارضة بكل ما أوتي من قوة. اهتزّ المبنى وحده. بُنيت المباني في هايووتر القديمة بقدرتها على الصمود في وجه أعلى الفيضانات. كانت متينة وتتشاطر خصائص عدّة. خرجت العارضة المركزيّة الضخمة مباشرة من فصل في هندسة هيلسنغ. وكتاب كهذا كان، بحسب أبيه الراحل، مجلّداً ثميناً للفانين حتّى في الأقاصي.
برقت فكرة في ذهنه. استلّ الخنجر من كمّه، وكانت طاقة النار المتقلّبة تفور وتتفرقع في داخله. صُنِع السلاح برعونة على يد شخص يملك قوة بلا مهارة صنع، واحتوى على عطب قاتل. سيفهم أصحابه إن أسقط أحد مشاريعهم. غرز رون الخنجر في الدعامة، فاخترق النصل الخشب كأنه زبد. اهتزّ الخنجر بطنين. كانت طاقة النار نوعاً بائساً من طاقة يانغ تسعى للإفلات من قيود التعدين التي تحبسها. شاع هذا النوع من الخناجر مهرباً بين الفانين، وغالباً ما كانت الطائفة تصادره.
صُنعت بقطعة من حجر أملس منقوش عليها نقش طاقة، ثمّ أُلقيت في قالب صهر. وعوضاً عن الطرق، تُرِكَت الأسلحة الجديدة لتبرد على الحوامل، ثُمَّ شُحذَت على مسانّ. وكانت تلك إحدى أسهل الطرق لتحول نزاع صغير إلى حادث مأساويّ. خطا رون عشر خطوات ووجه إصبعه نحو مقبض الخنجر البارز. لم يكن متأكداً إن كانت صدمة طاقة ستفجره — لكنّ الإبات ستفعل حتماً. انفجر ضوء أخضر من إبهام رون محلقاً داخل الخنجر.
التقت طاقة الخشب الخاصة به معدن الخنجر، فاخترقت الحجر الحاضن لطاقة النار. التهمت النار آخذة في النمو والتمدد متجاوزة حدودها المعدنية. رقصت ظلال حمراء وبرتقالية على طول النصل لثانية قبل أن تنفجر موجة صدمة في الخارج. غطّى رون أذنيه اتقاقاً للانفجار المدوّي. اهتزت دار الأيتام بأسرها، وتشققت الجدران والعوارض الخشبية وتكسرت، وتفتقت سحب الغبار. لم يمتلك وقتاً للهرب. حدث كل شيء بسرعة بالغة.
مال المبنى بأسره إلى الأمام ثم انهار السقف فوقه مطبقاً عليه، وغطّاه بالحطام الثقيل. تمدد رون تحت المواد الإنشائية لنصف نبضة، وغرست أشياء حادة وثقيلة في جسده. بالكاد استطاع استنشاق الهواء. تشابكت خيوط ضوء الشمس عبر الشقوق، والتقى النصف العلوي من وجهه السماء الرمادية الباهتة. بأنين، شرع يزيح المواد من فوقه. وفي لحظة ما، أطلق حتى صدمة طاقة قوية أطاحت بباب بعيداً عنه.
زحف خارج الحطام سليماً غالباً، وإن أصابته كدمات طفيفة. كان بحر طاقته أقل امتلاءً مما يحب. فلم يتعافَ بسلبية كثيراً منذ لقائه مع كلود باستن، وكان قد استهلك للتو طاقة أكبر. تراجع رصيده إلى ربع طاقته. لا يزال المبنى يجلجل بوعيد. ارتأى رون أن الوقت الحالي ليس مناسباً للتقتير. أخرج حجراً روحياً. تدفقت الطاقة في داخله بينما تأمل بسرعة مدوّراً إيّاها بأسرع ما يستطيع. في دقيقتين أو ثلاث، باهت الحجر الروحي وتفتت إلى شظايا ضئيلة.
صار بحر طاقته ممتلئاً لتسعة أعشار. لا بأس بذلك، سيفي بالغرض. دوى شرخ آخر ترددت أصداقه في عمق دار الأيتام، تحت قدميه. وحينها وقع المحتوم. أطلق الجدار الواقع بين غرفة الاجتماعات عند مدخل دار الأيتام وغرفة الاستقبال زفرة حرى، وبدأ يغوص. يغوص؟ ارتجفت الأخشاب. انكسرت ألواح الأرضية بفعل ثقل الجدار الذي فقد دعامته فهوى عبر الأرض مواصلاً السُّفول والسُّفول، إلى أن توارى عن الرؤية تماماً.
دوى صوت قاسٍ من الفجوة المتروكة.
"من يجرؤ على تدمير مسكن سيّد الداو هذا!؟"
سيّد الداو؟ متأمّل لتشكيل النواة؟ سيكون ذلك سبباً سهلاً لعدم قدرة رون لا على استشعاره ولا على استطلاع أمره. ظنّ رون أنه هالك على الأرجح، حتى لو بلغ شيوخ الطائفة أنفسهم مسرح الأحداث. فرك مسبحته وتنهّف. لمَ تجذب جبل الصلاح هذه الكيانات الرفيعة فجأة؟ على الأقل سيموت وهو يؤدي الصواب. صمتت أوسترا. ظهر توهج أحمر في عتمة الحفرة الأرضية، وانبثق منها متأمل، بينما انسدلت حوله ستارة شعريّة متشابكة.
أول ما لاحظه رون أظافره الطويلة غير المتناسقة الملتفة على أصابعه. ارتدى عباءة بالية ومثقوبة تلطخت بسوائل قذرة وتراب، وبدت عيناه منفوختان ومحمرتين لدرجة بدت معها القرنيتان وكأنهما تقطران دماً إن هو رمش. نزت من الرجل طاقة شيطانية خبيثة، وقد قبض قبضتيه بتركيز وهو ينهض. بدا أمر جليّ. لم يكن الرجل في تشكيل النواة قطعاً. أتراه أخطأ الفهم؟ سيّد الداو هو لقب متأمّل في عالم التأمل الرابع، لا الطبقة الرابعة من تكثيف الطاقة.
"إن كنت سيّداً للداو، فأنا كير هيلسنغ"، قال رون بابتسامة ساخرة كانت ستجعل ديميون ديكاتور فخوراً به.
"أنت–!"
استهلّ المتأمل الشيطاني بغضب.
"أيتها الفتى المقيت. أفتى عليّ باستن، أم ذلك الشيطان ذو الأسنان الفضية؟ لقد عقدنا اتفاقاً. اتفاق! من حرّضك عليّ أيها الفتى؟ لا أظنك تنتمي لتلك الطائفة اللعينَة. وإلا لكان هناك المزيد من الجرذان أمثالك".
"باستن. لقد ضجر من ترتيباتك"، قال رون.
بدا أن الرجل يعشق صوت نفسه، فأراد رون معرفة إن كان بإمكانه استدرار المزيد من المعلومات منه.
"من أين لباستن مال ليقضي به متأملاً؟"
تساءل الطاوي محنقاً.
"تلك الحثالة الكاذبة لا تستطيع دفع أجري في موعده حتى. لقد كان يخطط لخيّانة سيّد الداو الكريم هذا منذ زمن طويل، أليس كذلك؟"
"أخذتُ منه أربعين تيلًا".
"أربعون؟ لتفكر أنه سيكذب على سيّد الداو هذا إلى هذا الحد. يا له من رجل مثير للشفقة. لم يستسغ طعم الفتيات حتى بعد أن انتهى. وظنّ أنه يستطيع أن يصبح متأملاً"، تمتم الرجل سريعاً.
"كان حريّاً بي قتله منذ زمن. هذا القلب الرحيم الذي أملكه يُستغل دائماً. كنت أتمنى أن يكثف بحر طاقة ويغدو وجبة لائقة".
بينما استرسل الرجل في الثرثرة، راح رون يطوف حوله ببطء، محاولاً بلوغ بقعة أكثر وضوحاً كي لا يتعثر بالحطام حين تبدأ المعركة.
"لم أقطف طعم متأمّل من قبل. أفضّل أن تكون فتاة، لكنني لست منتقياً للغاية".
"أنت تعيش تحت الأرض. فيما عساك تنتقي أصلاً؟"
"هاه!"
ضحك المتأمل الشيطاني. بدا وكأنه يزداد حجماً.
"يظن الجميع أن الدرب الشيطاني رخيص ويسير. ماذا تدري أنت؟ ماذا عساك تدري أساساً؟"
تحول في الهواء. أدرك رون وقوع الهجمة قبل حدوثها. تثخنت الطاقة الخبيثة كسحابة عاصفة متجمعة، مستجيبة لذروة نية القتل لدى الرجل. لطم جسد لحميّ المكان الذي كان رون فيه قبل ثانية واحدة، مخترقاً الأرضية كساطور، وتاركاً أثراً دموياً في أعقابه. تدفقت طاقة سوداء من مآقي الرجل كالضباب.
"سترى. سترى. سأريك الدرب الشيطاني!"
طبق رون على فكيه. كان هذا متأملاً شيطانياً حقيقياً. تماماً من النوع الذي ظل يبحث عنه.
"أخبرني باسمك!"
طالب رون. ابتسم الرجل، مسروراً للغاية بالتلبية.
"هذا العبد هو سيّد الداو أبيكس! انقشه في قلبك، فستغدو جزءاً منه قريباً".
استعرض رون قائمة الأسماء في ذهنه فوجدها مألوفة… لا بد أن هذا هو الطاوي أبيكس في كتاب الإحصاء. تكثيف طاقة متوسط المرحلة. الطبقة الرابعة. علامة إحصاء سوداء واحدة — ألف حياة أُزهقت. 40 نقطة رصيد متجر!
"أيها الطاوي أبيكس"، قال، عاجزاً عن نعته بسيّد الداو.
"اعلم أن رون هيلسنغ هو من سيقبض روحك".
"أفلح متكبر من بيت تأمل؟"
كشر الرجل بابتسامة حادة.
"سألتهمك أشلاءً، ثم أدمر بيتك كما دمرت بيتي. سأبدأ بأطفال عائلتك وآكل وأكل حتى أشبع من كل فرد فيكم".
انزلق السيف من كمّ رون، ليستقر القبض في كفّه. جرد غمده بصليل عالٍ.
"إنك تبالغ في تقدير نفسك كثيراً".
ضربا في آنٍ واحد. دار جسد عدوه الضخم، مخروط مشوه ومتنامٍ من اللحم الملتوي. اجتاح جسد لحمي كبير الردهة، مخترقاً بقايا جدار تلو جدار تلو جدار. قفز رون في الهواء، ضارباً الجسد الرئيسي بسيفه. نهش الصلب اللحم، لكنه لم يخترقه. بدا اللحم كأنه صُنِع من مطاط. أصدر رون أنيناً، باذلاً كامل قوته في الضربة دون جدوى. قفز خطوات عديدة إلى الوراء متفادياً الجسد اللحمي. كان الطاوي أبيكس متأملاً جسدياً.
وقد استخدم دم ولحم عدد لا يحصى من البشر لتعزيز هيئته. فاقت قوة رون، بطبيعة هيكله الجديد، المعدل الطبيعي لمستوى تأمله، لكنه لم يتعلم أي تقنيات تأمل جسدي بعد. وحين تعلق الأمر بالقوة الخالصة والصلابة، لم يكن نداً للطاوي أبيكس. ولن يفلح سيف من الصلب البشري هنا أيضاً. ما عساه يفعل؟ لقد كان يمني النفس بإضعاف الطاوي أبيكس تدريجياً قبل الإجهاز عليه بإبات مفرط الشحن. إن أطلق إبات نحوه الآن، فما بالك إن لم تقتله؟
شكّ في أن الرجل سيكون مهذباً بالقدر الكافي ليمتّعه ببضع دقائق يجلس فيها ويعبّئ بحر طاقته من جديد. ألقى رون نظرة على سيفه. لم يكف المعدن وحده، فماذا لو عززه ببعض طاقته؟ بينما تهاوت اللحمات كالمطر عليه، تفادى رون يمنة ويسرة. استمر الطاوي أبيكس في الازدياد حجماً، وتشكلت لحمات ثانية وثالثة، وأضحت هجماته أسرع وأشد فتكاً. وجد رون ثانية ليتنفس. مدّ طاقته بحذر مكسياً سيفه بها.
لكن السيف ارتجف في قبضته. بدأت أوراق معدنية تبرز من حواف السيف، ونمت كروم فولاذية حوله. لم تكن طاقته تعزز السيف — بل كانت تحوره. توقف رون فوراً، مندفعاً يمنة لتجنب لوح لحمي متهاوٍ. حسناً. إن كان الجسد شديد الصلابة، فسيوجه ضربته للرأس إذن! وما إن قفز للأمام ضارباً، حتى كان الطاوي أبيكس يركض نحوه أيضاً. كانت عينا الرجل ترافقان سيف السير. انحنى في اللحظة الأخيرة. التوى رون متفادياً ركلة، ومسدداً ضربة نحو صدر الرجل.
كانا على وشك التصادم. بدافع غريزي، أشعل رون طاقته محاولاً تخفيف وقع الارتطام. ترددت أصداء قوة هذا الاصطدام بين كليهما. جزّ رون على أسنانها بينما طار إلى الوراء وارتطم ظهره بالجدار. سُمع الدويّ الهائل لاصطدام المتأملين عبر شوارع عدة. تصاعد الغبار حين انهار ما تبقى من عمارة دار الأيتام أخيراً. تشققت الأرضية الخشبية، متكسرة كوعاء من الخزف هوى على الأرض. مع حركة وتحطم كبيرين، اتسعت الحفرة وسط دار الأيتام، فانزلق الحطام والأثاث في جوفها.
تمايل رون إلى الوراء متمسكاً بإطار باب فيما هوت الأرض تحته. ترددت أصداء تشقق وتفرقع العوارض الخشبية البالية في مكان ما بعيداً في العتمة بالأسفل. حلقت شظايا خشبية ضخمة في الهواء، وأصابت بعضها رون. بدا أن أية مكونات إنشائية بين دار الأيتام والمساحة الضيقة تحتها قد دُمِّرت. اُنتزع النفس من صدره حين تشقق السقف فوقه وانهار مصيباً إياه. هوي إطار الباب الذي كان متمسكاً به نحو الهاوية في الأسفل.
وإلى الجانب، سقط الطاوي أبيكس هو الآخر في الحفرة، وتلفت لحماته متلوية وهو يحاول عبثاً الإمساك بحواف الحفرة. قبل ثانية واحدة من اصطدامه بالأرض، داس رون على قطعة جدار كبيرة وأطلق نفسه مبتعداً عن كتلة الحطام والأحجار والزجاج المنهارة. تعثر مصطدماً بجدار صخري. كانا على عمق عشرين قدماً تحت دار الأيتام. لم يدرِ رون مدى امتداد الأنفاق من حوله، لكنه أحصى ثلاث فتحات ضخمة.
لم يكن هذا مجرد متأمل شيطاني يقرفص في قبو. بل سنوات وسنوات من الجهد، عملية كاملة برمتها. ولربما بُنيت الأنفاق قبل دار الأيتام نفسها. لم يستطع أي منهما الخروج بسهولة — وإن أرادا القتال، فسيحدث هنا. هزّ صوت رعدي الكهف حين اصطدم الطاوي أبيكس بالأرض. لم يكن الرجل برشاقة رون، فقد تلقى الوقع الكامل للسُّفول وللأثاث المتساقط فوقه كالمطر. سعل رون، متناثراً بالدم على الأرض.
تألمت عظامه. تحسس بخرق دواء لتخثر الدم في كمّه، فابتلعه. لم يدرِ ما الذي أصابه بالضبط، لكن الأمر سيتطلب لحظات ليتعافى. نهض الطاوي أبيكس من شرنقته الحطامية.