اتّخذ روان جلسة مريحة وأغمق عينيه. لم يتقن بعد تقنية تنفّس الربيع اليقظ ليستخدمها أثناء النوم، لكنّه حظي بإتقان الأنماط العشرة كلها. هذا كفاه في الوقت الراهن. لاجتياز الخطوة، احتاج فقط للقدرة على استخدامها أثناء الزراعة. بعد ساعاتٍ قليلة قضاها في الإبحار داخل مسارات طاقته، استطاع استشعار العناصر الخمسة المختلفة وهي تدور في جسده. مرّر طاقته أيضاً عبر ورقة البوذي في كفّيه، آملًا في نتيجة إعجازية ما.
لكنّ أيّ محاولة للتفاعل مع ورقة البوذي باءت بالفشل القاطع. كأنّ الورقة غير موجودة من الأساس. كلّ شيء في العالم الطبيعي يحمل قدراً من الطاقة، ويتفاعل بطريقة ما مع الزراعة. حتّى إنّه تحقّق من ذلك بأوراق انتزعها عبر نافذته المفتوحة. على العكس، دلّت الطريقة التي تجاهلت بها الورقة باصرار أيّ طاقة حاول روان سبر أغوارها بها، والعجز التامّ عما تقدّمه حين كان يجذبها، على مدى غرابتها.
«لا تستجيب ورقة البوذي لزراعتك، بل لروحك».
رفضت أوسترا الإسهاب أكثر. صار الليل نهاراً، فتوقف روان عن الزراعة ليحضر دروسه. كان مُتعباً وفاقداً للنشاط لعدم نيله أيّ قسط من النوم، لكنّ نظراته اشتعلت بإصرار محموم. سيدفع الورقة لتستجيب له. تناهى تركيز روان في تقدمه لدرجة جعلته يُدرك، بعد درس المعلم ساتر، أنّه لم ينتبه قط لمعلمه. إن بلغ به التشتّت هذا المبلغ، فخير له العودة إلى مهجعه والزراعة. تركزت أغلب المحاضرات على مواضيع أساسيّة أُجبر على حفظها طفلاً — تشكيلات المصفوفات المفردة، والتعرّف على أعشاب الروح، وما شابه ذلك.
خُصصت تلك المحاضرات لطلبة الجدارة ومبتدئي الزراعة — أمّا بالنسبة للنبلاء من أمثال روان، وحتى داميمن ديكاتور، فلم تكن سوى فرصة لترسيخ الدروس التي تلقّوها في بيوتهم، وبناء علاقات مع المعلمين. حتّى يُعيَّن له مرشد من التلاميذ الداخليين مع نهاية حصصهم العامة، فلم يكن لدى روان الكثير ليتعلّمه من المحاضرات. لذا، تغيّب عن باقي حصصه. وسيحضر جلسات التدريب فقط. عاد إلى مهجعه، وبدأ التأمل مجدداً، مختاراً الطريقة المألوفة في تصور بحر طاقته بعينين مغمضتين.
بعد ساعاتٍ عديدة، غرق في حالة ذهنية غريبة. وجد روان نفسه يطوف حول بحر طاقته، العالق في مياه مظلمة، حيث تثني التيارات اللطيفة الضوء الأبيض النقيّ. حين تحرّك، تبدّل الضوء. تعقّب أشعة الضوء الراقصة، وتأمّلها من مسافات متباينة، وممّا غير اتجاهه من مع عقارب الساعة إلى عكسها والعكس بالعكس. بحث روان عن نمط ما، لكنّ شيئاً لم يلوح في الأفق. وقف ساكناً. لمفاجأته، ظهرت عجوز نحيلة ومتعبة، خطت داخل الوهج الأبيض لبحر الطاقة.
بدا فيها ما ألأفه، حين استقرّ الأمر في ذهنه أخيراً. كانت بائعة الطعام التي باعتْهُ فطيرة، والتي اختفت ابنتها، رغم أنها بدت أكبر سناً بكثير. ابتسمت له بابتسامة خافتة — شاحبة، لكنّها صادقة. تساءل روان لمَ أخذ يفكّر بها فجأة. ثم شرعت تتكلّم.
«أيها الخالد الجليل»، قالت، مطبقة يديها في حجرها وانحنت بعمق.
«شكراً لك لإبلاغ الطائفة بشأن ابنتي المفقودة. لاحظ الكثيرون أنها لم تعد تلعب في الشوارع مع بقية الأطفال، لكنّ أحداً لم يحرّك ساكناً. أنت رجل طيب للغاية. بفضل أفعالك نُقذت ابنتي وعادت إليّ. لقد تزوجت الآن، ولديها أطفالها الخاصّون. حياتها مدينة لك...»
«لا داعي لشكري».
حدّق بها روان.
«كان مجرد إبلاغ شخص ما الحد الأدنى المطلق. يسعدني العثور على جين سالمة».
اغرورقت عيناها بالدموع.
«الخالد الجليل يتذكر اسمها...»
«الأمر على ما يرام»، أكّد لها روان.
هزت العجوز رأسها.
«يجب أن أشكرك. ولهذا أنا هنا. أنا رؤية من المستقبل، أُرسلت عبر الزمن لتقديم نصيحة. أيها الخالد الجليل، أقسم لي أنك ستُركّز على الزراعة وتبلغ الخلود. القلق بشأننا نحن البشر العاديين... سيكون نهايتك. اترك هذه الأمور لمحققّي محكمة الداو وشيوخ طائفتك. مصير عظيم ينتظرك، إن استطعت الصعود متجاوزاً عالم الفناء. لم تعد مديناً لنا بشيء».
وضعت يديها على كتفي روان وحدقت إليه بأمل.
«لا يمكنني الوعد بذلك»، قال روان، بألطف طريقة استطاعها.
«الأمر لا يتعلق بما هو مُستَحَقّ. بل بما هو صائب».
«يا له من عبء فظيع تحمله»، همست.
«لا يعدو العبء شيئاً إن كان ما اخترته»، قال روان.
وشرع في المشي مجدداً، محيطاً بأنوار بحر طاقته. هزت العجوز رأسها وتنهّدت. وحين ابتعد عنها، تلاشت في الظلام. التفت روان بعيداً عن بحر الطاقة ليتلفت حوله، للمرة الأولى فيما بدا. أين هو؟
«لكن هل منحتُكَ خياراً حقّاً؟»
عرف روان الصوت منذ الكلمة الأولى.
«أمي»، تمتم، والتفت للخلف.
وقفت أمامه السيدة إيزولت برانغين، الزوجة الراحلة للَّورد سايرس هيلسينغ — والدة روان — مضاءة في الوهج الدافئ لبحر طاقته. كانت سليمة، مختلفة عن أيّ صورة رآها لها روان من قبل. باستثناء تلك المرة، حين تجسدت من مسبحتها لتحارب ليرين نوستراغا. التفتت المسبحة حول معصمها وعنقها وخصرها، وكانت تعدّ الخرزات، دافعة إياها واحدة تلو الأخرى. كانت تلك عادتها ذاتها حين كانت على قيد الحياة، لكنّ أصابعها تحركت الآن بقوة عفوية ودقة مزارع — نوع من المزارعين عرفه روان، بشكل أو بآخر، كشخص متجاوز لأي شخص صادفه سابقاً.
«روان»، قالت.
«أمي»، كرّر.
وقفا في صمت. كان كافياً بطريقته الخاصة، أن يستطيع رؤيتها مجدداً. توقف العدّ. عثرت أصابعها على خرزة معينة، فأمسكتها ثابتة في كفها.
«أيتها تلك هي؟»
سأل روان. كان سؤالاً معتاداً. لكنّ والدته هزّت رأسها، بدلاً من إخباره، كما طالما أخذت وقتاً لتفعل.
«لقد كان أمراً أنانياً، أن أطلب منك المراقبة. أن أمنعك من حماية عينيك. حين كنتُ صغيرة، خطوت خطوة على الدرب، لأصنع عالماً لا يتطلب ذلك».
حملت عينا والدته العزم العميق ذاته، والهدوء التحليلي ذاته الذي تذكره روان، لكنّ اليأس العالق قد ولّى — لا، لم تكن والدته ميؤوساً منها، أبداً لم تكن كذلك.
«المواقف اليائسة تصنع أناساً يائسين»، قالت وهي تهز رأسها.
تحركت أصابعها مجدداً، تعدّ الخرزات، حتى توقفت عند خرزة أخرى.
«عقد من الزمن للقاء اليأس للمرة الأولى، وعقد آخر لنسيانه. ثم وجدت اليأس مجدداً في عشر أخرى، كعدو قديم أبى الموت».
واجهت نظرات روان بفولاذ في عينيها. ولدت في الفولاذ.
«لقد اخترت اليأس. وحاولت جعل الأمر بحيث لا تضطر للاختيار، بفرضه عليك. تلطخ الكارما الراغب وغير الراغب. ومهما أُغلق الباب بإحكام، تظل المكنسة تخلف غباراً أحمر».
لم يفهم روان معظم ما قالته والدته حين كان أصغر سناً، وما زال لا يفهم تماماً. لكنّهما بدا أقرب الآن. فكّر في صمت، كما عُلّم.
«لقد كنت شجاعاً للغاية»، قالت.
«إن تركت مسبحتي على قبري، فلن يقلل أحد من قدرك. ولا حتى أشقائي الكبار».
كبح روان الأسئلة الملتهبة التي حملها عن ماضِي والدته.
«لا تُتخذ الخيارات في الماضي. بل تُصنع في اللحظة. بعض الأشياء يستحيل نسيانها، لكنّ تذكر تلك الأشياء حماقة عادة».
تذكّر ما يفعلونه بنا.
«تقف الحماقة في وجه الاستنارة».
تذمّر روان مراراً وتكراراً بشأن صعوبة تذكر الأشكال التي رسمتها والدته حين وضعتها أمامه. لقد أظهرت له تلك الأشكال، بعد سنوات، النقاط والخطوط التي جعلت من الممكن له تشكيل بحر طاقته. لذا أرجع الكلمات التي منحتها إياها والدته حين كان صغيراً.
«يقف النسيان في وجه الاستنارة».
«حين جلس تحت الشجرة، جفلت ورقة واحدة من أغصانها لتستقر في كفّيه. دوّن كاتبه أنه في طريق الاستنارة، لم يستطع المشي وحيداً أبداً، لأنه حيث وجدته الورقة كان المكان الذي اختار الذهاب إليه».
«لا أفهم».
«انسَ الأمر»، قالت، تماماً كما اعتادت قولها.
«لا أُريد».
«ماذا تريد إذن؟»
أراد روان معرفة ما حاربته والدته، وكيف انتهى المطاف بآخر طاقتها في مسبحتها، وما كانت المسبحة عليه حقاً. أراد معرفة إن كانت ستقول الكلمات ذاتها كصورتها هذه في ذهنه.
«بعض الأشياء لا يمكن معرفتها»، قالت هيئة والدته.
بدأ روان بالمشي، لأنه علم أن أمّاً ستجد هذا النوع من الجهل شنيعاً. افتقد روان والدته، لأنه تذكّر من كانت. لم يكن هناك الكثير من الناس الذين افتقدهم روان، لكنّه افتقدهم بصدق. توقف مجدداً، آملًا أن تعود والدته، حتى لو كانت مجرد طيف يرتدي وجهها، فقط ليتمكن من رؤيتها مرة أخرى. هذه المرة، ظهرت هيئة شابة، عيناها الفضيتان تلمعان بمكر خجول. لم تتكلّم. بل لفت ذراعيها حول عنقه وضغطت جسدها عليه كقطة، مائلة إلى الأعلى، مطابقة شفتيها لشفتيه.
لثانية واحدة صُدم روان لدرجة عجزته عن فعل أي شيء. كانت شفتاها ناعمتين ودافئتين. حين مرّرت طرف لسانها على خط شفتيه، انتفض دافعاً إياها للخور. شعر بجسده ساخناً، وشفتاه توخزان من إحساس القبلة. مسحت بليس فمها بظهر يدها، مبتسمة له، كأنها عرفت تماماً رد الفعل الذي سببته واستمتعت به.
«افتقدتني؟»
عرف روان، بالطبع، أن هذه لم تكن بليس بيلاكانيكوس الحقيقية — مجرد وهم استحضره عقله. مشابهة للعجوز البائعة ووالدته.
«لم أفكر بك منذ افترقنا»، كذب، وما زال يشعر بدفء مزعج.
حتى في عقله الخاص، لم يكن ليعترف بكيفية شرود أفكاره إليها بين الحين والآخر. كان الأمر مثيراً للشفقة بعض الشيء. وعلم أن بليس الحقيقية ربما نسيت أمره تماماً بحلول الآن.
«أوه، اعضني يا رو. ستتذكرني حتى يوم مماتك»، قالت.
«ليس أن في الأمر خطباً ما — لا يمكنك تجنبه. الرجال عاجزون أمام جاذبية جسد الين الأقصى الذي لا يُبارى».
«أرى أنك ما زلت تفكرين بإيجابية مفرطة عن نفسك».
ملست على شعرها الطويل الأسود للغاية، سوداء لدرجة بدت وكأنها تلمع أرجوانياً.
«تعلم... لست معارضة ل... التواجد معك».
«هاه؟»
«أنا- لم أستطع نسيانك أيضاً»، همست، عاضة شفتها قليلاً.
«رأيتك في أكثر حالاتك ضعفاً، ومنحتك قبلتي الأولى، ونشارك رباط حياة وموت. لكن حتى مع استبعاد كل ذلك... هناك شيء ما بشأنك. أشعر وكأننا لم نلتقِ صدفة. ربما كان قدراً. ربما ننتمي لبعضنا البعض — نحن ضد العالم».
عجز روان تماماً عن الكلام. حتى في جامح أحلامه، لم يتخيلها يقطر منها قول كهذا.
«أنت مزارعة شيطانية»، قال بوهن، واختصرت تلك الكلمات الأربع كل شيء ولا شيء.
«وماذا في ذلك؟»
قالت.
«أنا من الطيبات. أنت تعتقد ذلك بالفعل».
«لا أستطيع».
«ظننتُ أن النساء فقط من يتمنّعن»، همست قبل أن تتنهّد.
«هذا ما أحصده لاعترافي للولد الذي أحبه، بدل الانتظار حتى يلاحقني».
«بليس»، قال بجدية بالغة.
«أنا أتبع الدرب الصالح. لن يحدث هذا».
«ماذا — إذن ستقتلني؟»
أخذت إحدى يديه ولفّتها حول عنقها النحيل الشاحب.
«يبدو ممتعاً. أتريد التجربة؟ إن عصرت بقوة كافية، قد تخترق. هذا ما يحدث حين تزرع مزدوجاً مع جسد الين الأقصى. يمكنك أن تريَني مدى قوتك».
لا. لم يكن يعلم ذلك. جذب روان يده وكأنها احترقت. ذاق ظهر فمه طعماً معدنياً خفيفاً.
«لدي واجب تجاه داري. لدي واجب تجاه طائفتي. لا يمكنني الهيام في العالم معك يا بليس».
«أستتزوج من أجل الواجب؟»
توقف. فكر بوالده، الذي كسر خطوبته من نبيلة أخرى ليتروج عامية مشلولة. فكر بعائلته المتصدعة، أجيال من الروابط المقطوعة، عمه الذي لم يتزوج قط، بل اتخذ جواري فقط. احتاجت داره للاستقرار. حين يحين دوره ليصبح سيّد الأسرة، أيمكنه تحمل تكلّفة الزواج حباً؟
«إن اضطررت».
أظهرت أسنانها له، وبدت أنيابها حادة بشكل غريب. وما جعل قلبه يعتصر وميض ألم حقيقي في عيناها.
«حسنناً. سأختار شخصاً آخر ليكون رفيقاً لدواي. حين تشعر بالبرد ليلاً، أنا متأكدة أن مثالياتك ستدفئك. لا تندم على خيارك!»
تبدد الظلام ورمش روان، عائداً للعالم الحقيقي. لم يستطع الهروب من الحزن العالق الذي شعر به من محادثته مع بليس. جلس على سريره لثانية قبل أن يُدرك أن ورقة البوذي لم تعد في كفّه. برد دمُه.
راح يربت على الأغطية حوله، منقباً بين رداءاته— «أسرع مما توقعت»، أثنت أوسترا.
ولأول مرة.
«عمل جيد. أنت سليل حقيقي لهيلسينغ الخشب الدموي».
عمل جيد...؟ لم يزل الحزن العالق حين مد يده نحو بحر طاقته، ليجد، عوضاً عن كرة من الضوء الأبيض، شجيرة صغيرة تعلق في مكانها. جذبت جذورها المياه من حولها ووصلت أغصانها إلى الأماكن المختلفة التي يمكن لطاقته بلوغها — خطوط طاقته ومساماته. اكتست طاقة بحر طاقته النقيّة طبيعة طاقة الخشب. على أحد تلك الأغصان، نمت ورقة واحدة. كانت مألوفة، وما زالت ذابلة. كان يبحث عنها قبل لحظة فقط.
مد روان يده لمسها، لكنّ أصابعه مرت عبرها كأنها لم تكن موجودة.
«أعلي القلق يا أوسترا؟»
«لمَ؟ لقد دمجت فكرة الخشب بنجاح في بحر طاقتك. من الطبيعي أن تتخذ الشكل الذي يمثل العنصر في عقلك».
«لكن ماذا عن ورقة البوذي؟»
«وماذا عن ورقة البوذي؟»
«لمَ هي الورقة الوحيدة على الشجرة التي تمثل بحر طاقتي؟»
ساد صمت طويل.
«لا أعلم»، قالت أوسترا، بلهجة بدت مبتهجة تقريباً.
«أتساءل إن كانت طفيلية، أو تكافلية، أو تمثيلية. قد تكون حتى تاريخية. يا له من حدث فريد».
تلك استجابة لم يتوقعها.
«ماذا عليّ فعلُه؟»
«جهّز وصيتك. ثم اعثر على لفافة من اليشب، وفي أقل من أربعة مئة كلمة، صفْ شروط زراعتك. أنشئ ضريحاً بأكبر عدد ممكن من الفخاخ الباطنية التي يمكنك التفكير فيها، ثم استلقِ في تابوت حتى يكتشفك شاب ما».
«ماذا؟»
«يحدث هذا أكثر مما تظن».
«أدمرت زراعتي؟»
«لا تكن ميلودرامياً. إنها مجرد ورقة في الوقت الحالي. لن تعلم إن كانت ستسبب مشاكل حتى تزرع».
أطلق روان صوتاً كدلالة على الاستيعاب. صحيح — لقد كان في منتصف اجتياز الخطوة. لقد اختار جدولاً مناسباً رسمياً. والآن كل ما احتتاجه كان القفز فوق الشلال. أخذ حجر روح تلو حجر روح، مستنزفاً طاقة السماء والأرض الروحية النقية إلى بحر طاقته. بعد خمسة أحجار روح، ظن روان أنه سمع صرير الخشب يتوتر في بحر طاقته. تابع روان بتركيز أحادي الجانب، ملتقطاً حجر روح تلو حجر روح، غير آبه بالثروة التي كان يستهلكها.
وتمنى فقط أن يملك ما يكفي. عشرة أحجار روح إضافية وتحولت الحركة إلى غليان. انتفخت الشجرة في مخيلته، وكأنها مشبعة بالماء. أنا قريب. قليل آخر... كان على عتبة الدفع نحو الطبقة الثانية من تكثيف الطاقة. ومع استمراره في استخدام أحجار الروح، دفعت عروقه ضد جلد رسغيه الرقيق، لتثخن وتتعقد كجذور الأشجار. اهتز بحر طاقته بشراسة ثم خضع فجأة لتغيير كيفي. صارت الطاقة أثخن، أثقل. لم يعد بحر طاقته مجرد تقليد باهت لشجيرة، بل البنّي العميق للبلوط.
تسللت سيول من الضوء عبر حبيبات القشرة — ساطعة وخضراء وصحية. نبثق فرعان واهنان من القشرة. كان أحد الفرعين عارياً تماماً، بينما امتلك الآخر تلك الورقة الوحيدة. لكن هذا لم يُعَدّ سوى نجاح. فتح روان عينيه بتعبير بطولي ومظفر، وقد غطى وجهه طلاء من العرق. بات يملك الآن بحر طاقة بدرب الخشب. سيجعل هذا تعلّم تقنيات وتعويذات الخشب أمراً أسهل بكثير.
«كم هو خلاب — أنت تجسد أولى علامات الربيع»، مطّت أوسترا حروفها.
«شجرة، أُجبرت على السبات بفعل أشهر الشتاء الباردة، تستيقظ أخيرًا وتُخرج ورقة واحدة مفعمة بالأمل، تبدأ رحلتها من جديد...»
«سيقبل هذا المرء الثناء، أيها الكبير»، قال روان بخفة دم.
لم تدم حالته المزاجية الجيدة طويلاً، مع ذلك، حين نظر في كمّيه وأدرك كم عدد أحجار الروح التي استهلكها. خمسة وعشرون. ألمه قلبه جراء الخسارة. معظم المزارعين لم يحتاجوا لأكثر من اثنين أو ثلاثة لمحاولة ناجحة. لقد احتاج حقاً هذا العدد الكبير. على الأقل لقد نجح — فقد ظلت هناك دائماً فرصة للفشل. العقبة الكبيرة الأولى تمثلت في تشكيل بحر الطاقة من الأساس. فالقدرة على الاستشعار والتحكم وتكثيف الطاقة النقية في جسدك كانت تمريناً في المهارة.
ومع ذلك، لبلوغ الطبقة الثانية، كانت المسألة مجرد امتلاك جزء من الطاقة متوافقاً مع دربك المختار وأحجار الروح. الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة — المرحلة الوسطى من تكثيف الطاقة — ستتطلب بعض الرؤى الأخرى، لكنّ روان علم أنّه بقليل من التوجيه، يمكن تحقيقها أيضاً. لكنّ معدل الفشل كان أعلى بكثير. كانت المرحلة المتأخرة من تكثيف الطاقة وحشاً مختلفاً تماماً. حتى لو امتلكت ما يكفي من الرؤى وأحجار الروح، فقد يظل بإمكانك عدم القدرة على التسلق.
والاجتياز نحو تنقية الطاقة كان أصعب بعد. عالقون كثر في ذروة تكثيف الطاقة، من تلامذة النواة المرموقين في طائفته إلى عمه بايل. لكن في الوقت الراهن، سيتقبل روان الصعود السهل نسبياً، رغم تكلفته، إلى الطبقة الثانية من تكثيف الطاقة. شعر بأنه يستحق ذلك بعد صراعه الشاق لمجرد تشكيل بحر طاقته. كما سُرَّ للغاية بعبقريته الخاصة في طلب أحجار الروح من بليس عوضاً عن التائلات. لولا تلك الغنيمة المفاجئة، لما استطاع جمع خمسة وعشرون حجر روح حتى في مئة عام.
تساؤل عرضاً عن كمّ الثروة التي تمتلكها، لتتخلى عن أحجار الروح دون عناء عدّها. والآن — الجزء الأكثر إثارة. تعلم تعويذة. أخرج روان لفافة يشب مستلبة في الخشب وشرع في نسخ التقنية الأولى على ورقة بردي. قرر إخراج لفافة اليشب فقط حين الضرورة القصوى، لتقليل فرص مصادفة الناس له بها. إن وجدوه ببضع أوراق فقط، فقد يتمكن من الإفلات من المتاعب بطريقة ما. الإنبات. شُرحت التقنية بثلاث طرق.
كان الإنبات سوترا وُزعت في أربعة أسطر شعرية فقط. نسخ روان كل كلمة بعناية فائقة قدر الإمكان. كان هذا الجزء الأهم. رافقها مقال قصير مكثف، لكنه مكتوب بوضوح. اختار تلخيص المقال، لكنه كان مجرداً وبسيطاً ومباشراً لدرجة انتهى معها إلى كتابة معظمه حرفياً. وأخيراً، كان هناك مخطط لنظام طاقة، مع المسامات وخطوط الطاقة ذات الصلة ملصقة بالأسماء. لقد رأى روان حفنة من التعويذات المعتمدة على السوترا، لكنه لم يرَ قط مخططاً كهذا.
أشير فيه إلى أن غالبية طاقة التقنية أُنتجت عبر تصفية طاقته من خلال خط طاقة القلب لإنتاج طاقة خشب يانغ الكبرى، وحدد بوضوح خط طاقة الكبد كمصدر استقرار لطاقة خشب ين الصغرى، والتي وجب عكسها من طاقة خشب يانغ الساطع في المعدة المستمدة عبر جذره الروحي. عادة ما كان هذا النوع من الأمور يُتعلم عبر التجربة الحذر والخطأ الخطير. بدأ روان يصدق أن عامل التحديد الحقيقي لنكريبت من الرتبة السادسة كان وضوحه التام.
رسم المخطط على البردي بعقدة حبر جاف. كان الإنبات أبعد ما يكون عن تقنية مبهرجة، لكنّ تطبيقه كان صعباً. افترض بالمرء صياغة جزء من طاقته وإطلاقها من يده، بسرعة كافية لتضمينها في عدو وبدقة كافية لإصابة مسام متلقٍ. أينما لامست البذرة، ستضطرب طاقة خصمهم، لكنها لن تجد فعاليتها الحقيقية إلا إذا وصلت إلى خط طاقة. أو، الأفضل من ذلك، بحر طاقة المزارع الخصم. حين انتهى أخيراً، سارع بالخروج من الغرفة.
تأخر عن الصف، لكنه لم يتأخر لدرجة تفويت المحاضرة بأكملها. تُوقع من روان وبقية صفه التواجد في ساحة التدريب لتقييمات ما قبل البطولة.