مجرّد خدش. على الرغم من إعلانه العودة لتنفيذ المهمة وفق طلب لوسيوس، شعر آرن بالتردّد. بدا الأمر مخاطرة جسيمة على عدة أصعدة. خوض قتال بلا معرفة سابقة تقريباً، وتجنّب الشهود الذين قد يلمحونه داخلاً إلى المبنى أو خارجاً منه، والثقة بأنّ مُشغّله المؤقّت لن يخونه. وبينما شكّوك آرن في أن يكشف الأكيليّ أو العليم عن هويّة الفاعل — إذ لن يفعل ذلك سوى تسليط الضوء على تورطهما الشخصيّ — فقد يعمدان إلى حجب الأجر، وفي ظلّ ظروف آرن، سيكون إجبارُهما على الالتزام باتفاقهما أمراً عسيراً.
كما أنّ توفّر بضع ساعات فقط في المساء لخوض رحلات استكشافيّة في المدينة عقّد كل شيء. ومع ذلك، لم يستطع تصوّر وجود عليم آخر في أكيليا يمكنه مساعدته، وغياب رُونه أثار حفيظته. وهكذا تقلّب بين أمرين، يتأرجح بين اعتبار المخاطرة أكبر من أن تُحتمل، واليقين بأنّه ملزم بفعل كل ما يتطلّبه الأمر لاستعادة قُدراته. وفي غضون ذلك، كانت الأيام تمضي داخل المدرسة.
* "المعلم ماهان، ما جدوى جعلي أتدرب مع الأخرس؟ كلينا من الجنود الخفيفة"
تذمر أندرو.
"لن أواجه جندياً خفيفاً آخر في الحلبة".
تقدّم معلم الأسلحة بخطوات واثقة.
صاح: "بقتالك لشبيهك، ستكتسب على الأرجح فهمًا أفضل لضعفك الخاص. أتهلتَ من استجوابي؟".
تمتم أندرو: "نعم، يا معلم"، رافعاً أسلحته المماثلة لتجهيزات آرن.
"حسناً، يا رأس القش، لنر ما عندك".
اتخذا وضعيتيهما وقاس كل منهما الآخر، مقدّرين الحركة وسرعة البديهة. بضربات خاطفة قليلة، لم تُقصد إلا لاكتساب المعرفة، أدرك آرن ما تذكر أن معلم الأسلحة ذكره سابقاً؛ فما إن يهمّ بالضرب حتى يتنشق أندرو الهواء بعمق، مطلقاً أنّةً مع كل ضربة يوجهها. ورغم أنّ ضجيج الأسلحة المتقارعة حولهما جعل السماع متعذراً، استطاع آرن مع ذلك استخلاص الإنذار بإيلاء انتباه صارم. إذ منحه سماع الصوت ومراقبة الحركة الدقيقة في الذراع أو الساق كل المعرفة السابقة اللازمة ليس للصدّ فحسب بل للرد بالمثل أيضاً.
وما إن طرح آرن خصمه أرضاً أكثر من مرة، حتى غرز أندرو سيفه في التربة متأججاً بالإحباط.
"هذا سحر أسود! رأس القش يعرف حركاتي قبلي!".
ظهر ماهان فوراً.
"أخبرتك. كل هذا الضجيج الذي تحدثه. لقد حالفك الحظّ في ألا يكتشف أيّ خصم في الحلبة هذا الأمر، لكن حين يفعل أحدهم، ستخسر".
صرّ أندرو على أسنانه والتقط سيفه.
"مجدداً، أيها الشماليّ!".
ابتسم آرن بفم مغلق واستجاب لطلبه.
* "أنا لا أفهم".
في وجبة المساء، ألقى أندرو بنفسه على المقعد المجاور لآرن.
"بالكاد أصدرت صوتاً، وصححت نفسي، وما زلت تعلم متى سأضرب".
تنهّد آرن. لم يكن في مزاج يسمح له بالاستماع إلى التذمر المطول، فقرر إعلام الرجل ببساطة: أنت تتنفس بصوت عالٍ جداً.
جاء الرد الساخط بصوت لاهث: "حسناً، اعذرني لأنني بحاجة إلى الهواء!".
ثم تابع وهو يتمتم: "حقاً. كيف يمكنك سماع ذلك أصلا؟".
هزّ آرن كتفيه.
"أقول لك، أيها الشماليّ، هذا سحر مؤذٍ".
في ظروف أخرى، لكان محقاً؛ أما هنا، فما هو إلا عقد من الزمن في التدرب على المبارزة.
"حسناً. وصل الدرس. شكراً لك على النزال اليوم"، قال أندرو للأثيوبي، ضارباً على كتفه بذهن ساهٍ قبل أن يشرع في تناول وجعته.
وإذ باغته بعض الشيء هذا المظهر من الود، أعاد آرن تركيزه إلى طعامه الخاص. ظهر معلم أسلحتهما في الغرفة، منادياً على المصارعين لمعارك الغد. قد يكون ذلك وقتاً مناسباً ليتولى آرن أمره مع معركته الخاصة خارج المدينة؛ فبفضل الألعاب، كان يوم الأحد يوم مرح للكثيرين. يسهل الاختباء بين الحشود أو المرور دون ملاحظة، ومن المرجح أن يكون أي شهود يراقبون قدومه وذهابه سكارى. وانتهت الوجبة، فعاد نفر من المصارعين إلى ساحة التدريب لأداء الطقس، ومن ضمنهم اولئك المقرر خوضهم للقتال.
وبينما لم يكن لدى آرن أي اهتمام بانتصارهم أو هزيمتهم، إذ لم يتفاعل معهم سوى عرضاً خلال المبارزة، فقد مضى ببساطة لإشباع فضوله بشأن الطقس. ليس وكأنه سيشارك، لكن الأيام كانت طويلة ورتيبة داخل المدرسة، وشعر بمزيد من فضوله القديم كشاعر يتوقد، الآن وقد لمس البوادر الأولى لعودة قُدراته إليه. وكما كان الحال سابقاً، استندت عصا الراهبة إلى جدار الساحة. لا بد أن بها شقاً أو ما شابه في قمتها، يتيح تثبيت سلسلة فضية بأمان في داخلها، وهي بدورها تحمل قرصاً على شكل هلال، كما لاحظ آرن في المرة الفائتة.
ركع المصارعون والرهبة أمامها، وهمهمون بصلوات متنوعة. وحين انتهوا، نهضت وحدها واستدارت لتواجههم، صابةً نوعاً من الزيت من جرة على رؤوسهم قبل أن ترسم علامة على جباههم. ولم يكن الأمر يختلف كثيراً عما قد يكون عليه الحال في أثيوبيا، باستثناء أنه بدلاً من الزيت، لكانوا استعملوا الدماء. وبينما كان يراقب بشرود، لفت شيئاً انتباه آرن، متمتعاً ببركات نسوة السحر. على الرغم من القماش الأسود الذي غطى وجه الراهبة كحجاب، لاحظ تغييراً؛
وتحديداً، ألا اثر لشيء يُذكر. ومع ذلك، فقبل خمسة أيام، كانت كدمة طازجة وعميقة قد لونت تلك الملامح. كان آرن شديد الإلمام بالإصابات ومدى سرعة تعافيها، ولم يكن وقته في مدرسة المصارعين إلا ليزيد هذا الإلمام عمقاً. وفي الوقت الحالي، كان يحمل بنفسه عدة بقع متغيرة اللون نتيجة ضربات متفرقة بأسلحة خشبية أثناء التدريب. وبدا له أن ثمة أمراً غير مريح. * انتظر آرن حتى انتهى الطقس واقترب من الراهبة.
وحين نظرت إليه بابتسامة متفاجئة، رفع لوحته. أتعلمني الإشارة؟
"لقد غيرت رأيك".
اتسعت ابتسامتها.
"يسعدني ذلك! يمكننا فعل ذلك هنا تماماً".
أشارت إلى مقعد في الساحة، حيث يمكن للمصارعين التقاط أنفاسهم بين التدريبات.
"سأبدأ بتعليمك بعض الكلمات الأساسية، ويمكننا التوسع من هناك".
أومأ آرن، دون أن يعير الأمر انتباهه حقاً. كان عقله في مكان آخر. وحين تحركا للجلوس على المقعد، سبقها؛ وأثناء مروره، خدش بمهارة يدها بإبرته، المخفية بين أصابعه. صدرت منها نفخة ألم خفيفة.
أعلنت بضحكة عصبية: "أظن أن ظفرك خدشني!".
أخرج لوحته، وأعاد إبرته إلى كيسها بالحركة نفسها، وكتب: آسف.
"لا بأس، مجرد خدش. لكن لعلها تكون أول كلمة تتعلمها. إنها مفيدة".
حركت يديها بنمط محدد.
"هذا يعني «آسف». افعل مثلي".
مراقباً إياها وهي تصنع الإشارة مجدداً، كررها آرن.
"جيد جداً. وعلى هذا المنوال، هكذا تقول «شكراً»..."
* بعد نصف ساعة، أعلنت الراهبة نهاية الدرس.
"هذا ما يكفي الآن. أحثك على ممارسة هذه بمفردك، ويمكننا أن نرى مدى جودة تذكرك لها يوم الأحد القادم عند عودتي".
أشار آرن ملوحاً: «شكراً».
وبالإضافة إلى ذلك، مدّ يده ليأخذ بيد الراهبة بيده، واضعاً الأخرى فوق يدها، ظاهرياً في لفتة امتنان. انلت يده من قبض