مدينة العجائب. ترقد أركين في حضن الجبال. عُرفت المدينة لقرون بوصفها مركز السحر في القارة بأكملها. اكتفى التيريون بما لديهم من معرفة، وعدّ الخيفيون السحر مسعىً دينياً، غير أن الأركيين غاصوا أعمق وأبعد من أي س سواهم. برعوا في التنجيم والسحر، وادرك الجميع ضرورة احترام بأس السحر الأركي. من بين أبناء جلدتهم، قلة نالوا الشهرة التي نالها أتريوس كاسر التعاويذ. واجه شيطاناً من العالم السفلي ونجا، وطرد الكائنات الخبيثة إلى حيث أتى.
وصل من أكيلا، وحدثت عودته إلى أركين تحت سماء ميمونة، حيث تقاربت النجوم لتلتقي تحت بدر كامل، وتأبق السحر في الهواء. قرأ آخرون من طبقته العلامات ذاتها؛ فاجتمعة ثلة من كاسري التعاويذ وغاصوا في المؤامرة التي تغلغلت في المدينة وجميع معاقلها في القارة. استعدوا معاً للقتال من أجل روح أركين. * في قبو مقبب عميق تحت قاعة المجلس، وقف تسعة سحرة متفرقين، يحيطون بحشد من الرموز السحرية المنقوشة على الأرض.
حاصرت حلقة خارجية عدة حلقات داخلية أصغر. كانت كثير منها تضيء بالفعل بضوء غريب يتبدل ألوانه.
قالت إحداهن وهي ترى آخر رمز خامل حتى ذلك الحين يضيء بدوره: "تلك هي كل النقاط المرتبطة، سيدتي".
بدأ الطقس المقابل أخيراً في أكيلا البعيدة. مدت امرأة، زعيمتهم باحترام البقية لها، يدها نحو الدائرة المضيئة، دعت جلدها يمتلئ ضياءً.
"الوقت؟"
نظر زميل لها من فوق كتفه نحو ساعة ماء.
"بضع ساعات أخر حتى يبلغ مالاك ذروته".
أومأت المرأة المسؤولة.
"ابدأوا ضخ قوتكم. ببطء. لا نريد الانتهاء قبل بلوغ الاقتران ذروته".
أجابوا: "حاضر، سيدتي".
مدّ الجميع أيديهم، وقوفاً عند حافة الدائرة، وبدأوا يصبون سحرهم في الرموز التي ازدادت توهجاً. * مراقبةً من شرفة مطلة على القبو المقبب، نظرت كاسرة تعاويذ إلى أسفل لترى الطقس يبدأ. مع تدفق القوة وغمرها الغرفة، زحفت على بطنها إلى الوراء عبر النفق الضيق خلفها حتى تمكنت أخيرًا من الهبوط على قدميها ومسير باقي الطريق حيث انتظرها ثلاثة آخرون من بني جلدتها، ومن ضمنهم أتريوس.
سردت قائلة: "لقد بدأ. هناك دائرة ذات رموز تشبه تلك التي اكتشفناها، وسحر أكثر مما شعرت به قط في مكان واحد. لا بد أنهم أعدوا لهذا لسنوات".
ترددت، ناظرة إلى أتريوس.
"إيلينا تقودهم".
سأل ببساطة: "كم عددهم؟"
"تسعة".
أومأت برأسها قليلاً.
"ثلاثة في ثلاثة".
أشار كاسر تعاويذ آخر: "وأربعة منا فقط. الأرقام ليست في صالحنا. علينا طلب المساعدة، وتنبيه المجلس..."
قاطع آخر جماعتهم: "إيلينا عضوة في المجلس. من س سواها قد يكون مخترقاً؟"
سأل أتريوس: "كم بقي ليبلغ الاقتران ذروته؟"
"بضع ساعات، تزيد قليلاً أو تنقص".
"إن اقتحمنا المكان، أربعة ضد تسعة، سنموت".
"سيكونون قد انتهوا حين نجد أي تعزيزات جديرة بالثقة".
"نحن لا نفعل حتى ما يفعلونه تماماً!"
"إنها بوابة إلى العالم السفلي، ما عسى أن تكون غير ذلك؟"
استمر كاسرو التعاويذ في الجدال، عدا أتريوس الذي صمت. في النهاية، نظروا جميعاً إليه. لم يكن لطبقتهم تراتبية؛ عُدّوا جميعاً متساوين في المناصب، ومؤتمنين على اتخاذ التدابير كما يروق لهم. ومع ذلك كان أقدمهم خبرة إن لم يكن سناً؛ فإنجازاته تفوقت على إنجازاتهم. حنى أتريوس رأسه، واستمر الصمت نفساً بعد نفس حتى نظر أخيراً إلى إخوته.
"إن أتموا ذلك الطقس، فلا يعلم أحد أي مسوخ وشقاوات قد تعبر. ستكون نهاية أركين، وبعدها القارة".
ثبت نظراته في عيونهم، واحداً تلو الآخر.
"هذا هو القسم الذي أقسمناه. نحن مستعدون للموت ليعيش الآخرون".
لم يتحدث أحد.
"نفعل ما يجب. من أجل أركين".
"من أجل أركين".
كرر البقية عبارته، بحماس أو بتمتمة، لكن أحداً لم يعترض. * رقد القبو المقبب برمته غارقاً في ضوء الرموز المنقوشة على الأرض. مع ذلك، استمر السحرة الأشرار، محافظين على روابط القوة بينهم وبين الدائرة. فجأة، هزت إيلينا رأسها إلى أعلى.
"الحواجز! لقد اكتشفنا!"
توقف التسعة عن عملهم واستداروا نحو المدخل. لم يعد التخفي ممكناً، فركض كاسرو التعاويذ الأربعة إلى داخل القبو، متفرقين، وامتلأ الهواء بالسحر. ضربت قوى العناصر. التقت خطوط النار بأشعة الجليد. تطايرت الحصى من الجدران لتصيب السحرة برياح عويل تدفعهم إلى الوراء. أعقب ذلك محاولات سيطرة عقلية، حيث تشابكت أعين السحرة الأشرار مع كاسري التعاويذ. لم تجدِ نفعاً ضد تعاويذ الدفاع الخاصة بقاتلي السحرة، وأطلق السحرة الفاسدون هجمات أذى خالص لتهديم عقولهم بدلاً من ذلك.
سقط كاسر تعاويذ على ركبتيه بينما رد إخوته بالمثل، مما جعل عدوين يصرخان ألماً. أطلق ساحر شرير خيط سحر ليتشبث بكاسر تعاويذ ويمتص قوتها مباشرةً؛ ومدربة على تقويض ذلك، سمّمت مدافعَة أركين الجسر بينهما، وبدأ الساحر الخبيث يرتعش بلا وئام، مزبداً من فمه. واقفة في أقصى الخلف، راقبت إيلينا وانتظرت، بنظرتها الباردة التي جالت عبر المعركة. حين بلغ كاسر تعاويذ المدى، أطلقت نار الروح التي جعلت هدفها يصرخ ويسقط.
وقبل أن يتسنى للمسكين الوقوف، انقض عليه سحرة أشرار آخرون بشفرات مصنوعة من سحر خالص، متألقة خضراء؛ فطعنوه، مسببين جراحاً لا تلتئم ولا تشفى، تاركين إياه ينزف حتى الموت. مصاباً، دفع أتريوس عدواً وأمسك بآخر يقف في طريقه، رافعاً إياها بقبضة سحرية فقط ليصدمها بالجدار. قفز إلى الأمام ليواجه إيلينا، فضحكت.
"أتريوس! أتصق حقاً أنك قادر على الوقوف في وجهي؟"
لم يرد سوى بإثارة الريح بأكبر قوة استطاع حشدها؛ هبة قوية هبت متجاوزة إياه. دفعت زعيمة السحرة الأشرار خطوات عدة إلى الوراء، عميقاً في دائرة القوة التي ما زالت تضيء على الأرض، لكن هذا كل ما أنجزته. ضحكت مرة أخرى.
"أهذا كل شيء؟"
باستهزاء، أطلقت نار الروح عليه، وسقط أتريوس على الأرض، مرتعشاً من شدة الألم.
تمتم: "لا. كنت أحتاج فقط لإبعادك عن الطريق".
أحاطت أفلّت بيضاء قبضاته. محتشداً بكل ذرة سحر تبقت في جسده، ضرب الأرض بقوة لتهشيم البناء الحجري، معطلاً الدائرة.
صرخت إيلينا: "أحمق!"، وربطت لعنة رهيبة لتلحقها بكاسر التعاويذ الواهن.
وبينما أطلقت تعويذتها الخبيثة، أُطلقت كل القوة المحبوسة للطقس من الدائرة المحطمة. بلا سيطرة، متفاعلة مع كل السحر المتغلغل في المدينة، انفجرت. في لمح البصر، استُهلكت أركين، بلا حجر فوق حجر. وعبر كل الروابط التي أنشأها الطقس، منتشرة كخيوط عبر القارة إلى كل النقاط، أمطرت دماراً تاماً على مدينة تلو الأخرى.