القبيلة. وصل الاثنان إلى الميناء فاصطدما بما يشبه عراكاً دموياً. مصارعون أسمال يحاربون حرس المدينة وعساكر دور التجارة المحليين إلى جانب عمال الميناء والبحارة. كثرة العدو أنهكت الفريق الأول، لكنهم تفوقوا حين خاضوا المعركة وسط الفوضى، وتمدد بعضهم موتى على الجانبين. نظر آرن إلى أسفل فرأى أندرو بلا حراك، وعيناه خاليتان من الحياة. طرد آرن مشاعر الحزن وألقى بنفسه في أتون القتال.
بخل بسحره خوفاً من نفاده، مع أنه استعان برونوهات سيفه. وحين رأى تيوريّاً مجنوناً يحمل سيفاً ملتهباً، رمى أكثر من عامل ميناء سلاحه البدتئي وفرّ هارباً. تمتع الحرس بانضباط أكبر، فاشتبك معهم آرن محاولاً شلّ حركتهم سريعاً والمضيّ قدماً لضيق الوقت. أنهى قطع في الساق أو مناورة تجريد من السلاح دورهم في المعركة، وإن أصرّوا على القتال، حسم الأمر ضربة قوية من عصا هيلينا لتكسر أنوفهم أو تغيبهم عن الوعي.
"أيها الشمالي! أخيراً!"
نادى دوميتيان وهو يشق طريقه نحو التيوريّ.
"لقد وصلنا، لكن أياً منا لم يشرب ماء البحر!"
"أركبوا الجميع!"
أمر آرن.
"ظننا ذلك!"
صاح المصارع الآخر رداً عليه.
"كلهم على متن السفينة، عدانا نحن المقاتلين!"
أدرك آرن أن شرذمة قليلة من إخوته بقيت على الرصيف تصد الحرس. صدّ رمحاً وتحرك اتجاهًا واحدًا لجذب انتباه الجندي، مما سمح لهيلينا بمهاجمته من الجهة الأخرى.
"أفكّوا رباط السفينة!"
"أجل، خمنا ذلك أيضاً!"
رد دوميتيان ساخطاً.
"ماذا بعد؟"
"ارفعوا المرساة!"
مع أن آرن لم يعمل قط بحاراً على متن سفينة حربية أكويلية، إلا أن رحلته إلى المدينة تمت على متن إحداها، وتذكر كيف تطلب حجمها الهائل آلية كاملة لهذا.
"العجلة!"
طرف المقاتل الضخم قبل أن يبرق النور في عينيه.
"المرساة، صحيح!"
قفز إلى ظهر السفينة حيث كان آخر البحارة يُطردون منها، رغم أن أحدهم آثر القفز إلى الميناء بنفسه.
"إليّ، يا رجال!"
صاح دوميتيان، وبلغ العجلة الكبرى التي سترفع المرساة. ألقى بنفسه عليها وبدأ يدفع ومساعده اثنان من إخوته.
"اصعدي"، قال آرن لهيلينا بين أنفاسه المتلاحقة.
كان آخر جندي قد رمى سلاحه وتخلى عن القتال، مخلفاً الرصيف خالياً من الأعداء في الوقت الحالي، لكن هذا لن يدوم. فضلاً عن كونهم جميعاً هاربين محكومين، لن يقف الأكويليون مكتوفي الأيدي وهم يسرقون سفينة حربية.
"وماذا عنك؟"
سألت وتبدو قلقة وقد علقت الأوساخ وبقع الدم بوجهها وهي تمسك عصاها، مشهد ينافس أيّ ملكة.
"سألحق بك"، وعدها.
نظر حوله في الميناء حين مشت نحو السفينة؛ كان عليه تخريب السفن الأخرى لمنع أي مطاردة. لكن ذلك سيتطلب وقتاً، سيما مع اقتراب سحره من النفاد، وفي أي لحظة ستظهر تعزيزات حرس المدينة. ربما بقي رجل أعظم وتدامل مع السفن الأخرى ليتيح لإخوته الهرب، لكن حين نظر إلى هيلينا على سطح السفينة، عرف آرن أنه ليس ذلك الرجل. لقد خاطر بكل شيء مراراً وتكراراً منذ وصوله إلى أكويلا؛ لقد حان الوقت للعب ضربته الأخيرة والانتهاء من هذه المدينة.
استدعى آخر قطرات السحر المتبقية لديه، فخلق رون تنافر في الهواء، مانحاً إياه أقصى طاقة استطاعها. وحين تفعّل، دفع السفينة الحربية برمتها بعيداً عن الرصيف. بقع سوداء غشيت عينيه، فمنح آرن نفسه دفعة جري وقفز. تحول سحره إلى فخ؛ إذ أبعدت السفينة نفسها مسافة كبيرة عن المرفأ بفضل رونه، فجاءت قفزته قصيرة ووقع في الماء.
* * *
أيقظته صدمة البرد، وبدأ يسبح، مباركاً طفولته الجزيرية على هذه المهارة. لم يكاد يأتي بحركتي سباحة حتى سمع صوت ارتطام ورآه. ظهر سيغيسموند غاطساً في الماء ليخرج منه صارخاً، وأحاط آرن بذراعيه. شعر التيوري بسحب قوي؛ كان رفيقه يربط حبل حوله، وكان الآخرون يجرهما على متن السفينة. وحين صعدا جانب السفينة، قبض عليهما آخرون كثر وساعدوهما على تجاوز الصابورة. ممدداً على ظهره، سعل آرن وواصل طرف عينيه، محاولاً إزالة البقع السوداء من رؤيته.
"أخرجوا المجاديف"، قال لهاثاً، آمناً أن أحدهم يستمع.
"الرياح لا تناسب الأشرعة بعد".
"سمعتموه! احتلوا المجاديف!"
صاح صوت ماهان، وسُمِع تخبط أقدام عبر سطح السفينة. حين صفا ذهنه، رأى آرن وجهاً جميلاً ينحني فوقه.
"أأنت مصاب؟"
سألت هيلينا. هز رأسه مبتسماً للمنظر حتى ظهر رأس آخر فوقه، رأس شيخ طاعن في السن.
"أجل، ستكون بخير، يا منشد الشفرات. لا تقلق – لقد أبحرْتُ كثيراً قبل أن أستقر هنا. سأصنع بحارة من هؤلاء الأكويليين حفاة القدمين بعد!"
قهقه حكيم المعرفة. رافضاً بيد واحدة شعاع الشمس الحاد الأفق، ضيق آرن عينيه.
"هيلغي؟ لماذا أنت هنا؟"
"حسناً، من الجيد رؤيتك أيضاً"، تنحنح التيوري العجوز.
"ألا تشعر به؟ كل هذا السحر في الهواء؟"
"أهذا ما هو؟"
سألت هيلينا بصوت يبدو عليه التوتر.
"يبدو جلدي كأنه يُدبّ طوال اليوم".
"متأكد تماماً أنه الشيء الوحيد الذي أبقاني حياً"، اعترف آرن.
شعر ورأى السفينة تبدأ بالحركة الصحيحة حين أمسك المصارعون الأشداء بالمجاديف. التفت فوق كتفه فوجد ماهان على دفة القيادة يوجههم نحو فتحة أسوار الميناء.
"لن يبقى الأمر هكذا"، زعم هيلغي بتجهم.
"هذا الصباح، كان يغلي ببطء، لكنه الآن يفور. الهلاك يحل بهذه المدينة، أقول لكم! لذا حين رأيت حفنة من المصارعين الأسمال يتحركون نحو الميناء، اعتبرت ذلك إشارة للعجوز هيلغي".
"ليس كأنك كَلِفْتَ بتحذيرنا"، جاء صوت امرأة ساخط.
"إيريس؟ ماذا تفعلين هنا؟"
حاول آرن النهوض، لكن الجهد المفاجئ كان أكبر من طاقته فاضطر للجلوس على السطح مسنداً بهيلينا.
"أحضَرنا كورنيليوس – أولئك منا الذين جرؤوا. سررت لرؤيتك استعدت سيفك".
"من هذه؟"
سألت هيلينا بتوجس.
"صديقة"، تمتم آرن ناظراً حوله.
انتشرت حفنة من النساء أخريات إلى جانب عدة أطفال على سطح السفينة.
"عليهن النزول إلى الأسفل. نحن لسن بأمان حتى نخرج من الميناء. ساعدوني على النهوض".
مد يده فساعدته هيلينا على الوقوف.
"خطر في الأمام!"
صاح ماهان.
"إنهم يرفعون السلسلة!"
مع الآخرين، وإن تحرك ببطء أشد، شق آرن طريقه نحو المؤخرة. في الأمام، رأوا الأبراج الممتدة على جانبي فتحة الميناء؛ وبينها، رُفِعَت سلسلة عظيمة تسد طريق هروبهم.
"أنا – لا أستطيع"، تمتم آرن.
ذاق طعم الدم في فمه فور تفكيره باستخدام سحره لتعويذة ذات قوة كافية لإزالة العائق.
"لست قوياً بالقدر الكافي"، اعترف مادّاً يده ليقبض على كتف هيلينا طلباً للدعم.
"وماذا عني؟"
سألت.
"أيمكنني المساعدة؟"
ربت هيلغي على كتفها الأخرى.
"لا تشغلي بالك. المعدن يأتي من الأرض، ونحن التيوريين نعرف الأرض. يستطيع العجوز هيلغي أكثر من صنع بضعة رونوهات".
مشى حكيم المعرفة العجوز إلى أقصى طرف السفينة الحربية مطارداً طفلاً صغيراً. مدّ يديه الاثنتين نحو السلسلة الهائلة في الأمام، واستطاع آرن الإحساس بتدفق السحر. قابضاً يديه، جذب هيلغي يديه الواحدة بعيداً عن الأخرى، فانفطرت السلسلة العظيمة وغرست في الماء.
"مثير للإعجاب، أيها العجوز"، اعترف آرن.
انحنى هيلغي وسعل مرات عديدة.
"حسناً، لن أكررها. حرّكوا تلك المجاديف!"
أضاف صارخاً.
"واكبوا الإيقاع، يا رؤوس الخراف! هذه السفينة تدور حول نفسها كعنزة مريضة!"
كان محقاً، لاحظ آرن؛ وبغیاب من يحافظ على الإيقاع، شد المصارعون المجاديف بسرعاتهم الخاصة، مما خلق زخماً غير منتظم. مع ذلك، تقدمت السفينة، رغم بطئها الشديد، وبدون السلسلة لم يعترض طريقهم شيء. سقط حجر عظيم في الماء جوارهم متناثراً بالماء على السطح.
"المنجنيقات!"
صاح ماهان.
"الدفاعات! اسحبوا تلك المجاديف بكل ما أوتيتم من قوة، أيها الرجال!"
نظر الواقفون على السطح ليواجهوا صخرة أخرى تطير عبر الهواء، محطمة هذه المرة أحد صواريْهم الاثنين. انطلقت من أحد الأبراج المبنية كجزء من تحصينات الميناء. قلّب آرن كل فكرة في ذهنه، لكن لم تفده أي فكرة. وحتی إن توفر لديه سحر فائض، فلم يستطع تخيل ما يفعله. جعلته المسافة وحدها عاجزاً عن فعل أي شيء بتعويذاته. منعه البحر الفاصل بينه وبين البرج من التأثير على أساساته التي يقوم عليها، إذ سيتداخل الماء مع أي تعويذة أرضية.
"هيلغي؟"
"عذراً يا صديقي، هذا يفوق قدرتي"، تمتم حكيم المعرفة.
أمسكت هيلينا بذراعه والتصقت بها بقوة.
"لا بأس"، همست.
"أن نكون هنا معاً، أفضل من أن أراك على الرمال".
بادلها آرن اللمسة وأغمض عينيه.
* * *
على بعد مئات الأميال، في مدينة آرشن، تعطلت طقوس. تحرر السحر المتراكم بعمل وتضحيات لا متناهية بلا سيطرة وانفجر في كل اتجاه، بما في ذلك عبر الاتصالات مع مواقع آرشن المختلفة. في الجناح الأبيض من برج السحر في أكويلا، توهجت حلقة طقوس مهملة ومهجورة للحظة. تلا ذلك انفجار الهيكل بأكمله. قذفت كل حجرة نحو الخارج لتغطي المدينة كزخات بَرَد جهنمية. وحيثما سقطت، حطمت المقذوفات المباني والناس على حد سواء.
في ومضة، سحق كل برج أو قصر، وكل معلم عظيم في العاصمة الإمبراطورية، لتتحول أكويلا إلى مدينة ركام. اخترقت صخرة واحدة البرج في الميناء مباشرة، مخلفةً وراءها مجرد حطام. حول ضغط السحر المتحرر المياه إلى عاصفة، دافعة بسفينة نحو عرض البحر. مخلفة وراءها الدمار، خطت سفينة الهاربين المحولين إلى لاجئين مساراً نحو الشمال، تاركة إمبراطورية أكويلا خلفها وهي تهوي إلى الخراب.