السلاسل التي تقيدنا. أيام طوال ولم يكسر رتابة السجن في الأقبية شيء. تقدم وجبات من حساء غليظ أو خبز بايت، ويتسلل خيط ضحيل من النهار عبر النوافذ الصغيرة، وما عدا ذلك انقطعت صلة السجناء بالحياة خارج الأقبية. المجمع تحت الأرض بغالبيته وفيه جناحمان. الأغر ضم زنزانات مخصصة للسجناء المنفردين، أولئك المحتجزين لفترات أطول بانتظار المحاكمة، أو من يُعدّون خطيرين بوجه خاص. الجناح الآخر ضم غرفاً واسعة تتسع لأعداد أكبر معاً؛
وهي مفيدة في الأعياد حين يجمع حراس المدينة العبثيين أو المخمورين الصاخبين ويحتجزونهم لفترة. في الزنزانة الأكبر احتُجزي كل مصارعي بيت إيغنيوس. سمعوا قرقعة المفاتيح في القفل فتبادلوا نظرات متسائلة؛ لم يكن موعد الطعام. انفتح الباب على مصراعيه سامحاً لراهبة بالدخول، فنهض الرجال جميعاً مسرعين رغم أن السلاسل حول كواحلهم كبلتهم.
هتفوا: "الأخت هيلينا!"
رفعت غطاءها كعادته وفكت لفة في ذراعيها كاشفة عن أرغفة خبز طازج.
"أحضرت هذا. جل ما تمكنت من الحصول عليه ويا للأسف".
أثار العبير وحده بطوناً لتتضور، وحاول الرجال التدافع نحوها مجدداً.
صاح ماهان: "تراجعوا! سينال كل منكم نصيبه".
أخذ أحد الأرغفة وشرع يمزق منه قطَعاً ليوزعها في أنحاء الزنزانة.
جاء رد ماركوس متهدجاً وهو يتلقى حصته: "باركك السيّد يا أختي".
سأل هيكتور: "أتعرفين ما سيحل بنا يا أختي؟ الحراس لا يخبروننا بشيء".
ترددت فأطالوا التحديق في الحجاب الأسود الخافي لوجهها.
"الخامسة المقبلة يتزامن النجم والقمر. حدث مبارك. ستقام ألعاب واحتفالات إضافية. ستشاركون فيها".
"سنعود إلى الحلبة؟"
"ليس هذا أسوأها أليس كذلك؟ فقدنا لياقتنا بعض الشيء لكننا سننال فرصة".
زمجر سيغيسموند وهو يقطع لقمة بأسنانه: "لا تكن أغبياء. نذهب إلى هناك لنموت لا شي آخر".
سأل دوميتيان: "وما أمر أرن؟"
فرمقه الآخرون.
"لماذا تكترث؟ إنه سبب إرسالنا إلى حتم حتفنا!"
"حقاً، لم أطق يوماً ذلك اللعين التيرياني!"
قطع سيغيسموند كلامه: "كفى. ماذا عساه يفعل؟ سجين في اللودوس ذو مواهب سحرية؛ مارس اللعبة التي فرضتها عليه".
جاء صوت مرير من جوف الزنزانة: "كلمات غريبة منك وأنت تطوعت. كان لديك خيار على الأقل".
رد البطل السابق: "أجل أمتعت الجماهير يوم السوق إثر يوم وعاماً بعد عام وهذا جزائي. استغل الشمالي ظروفه أفضل استغلال مثلما فعلنا جميعاً. وها نحن نموت أجمعون".
جلس سيغيسموند يمضغ خبزه.
عقب دوميتيان: "لم تجيبي عن سؤالي يا أختي".
قدرت هيلينا: "لم أره. لكن حتم أن مصيره سيكون الأسوأ".
تمتم عدة رجال: "جيد".
عقب أندرو: "لا أدري. حين قاتل ذلك الساحر الآخر منع الرمح من إصابتي. أتذكرون؟ بعد أن انكسر طار طرفه مستقيماً نحو وجهي لكن الشمالي أوقفه. حتى في قتال مميت فعل ذلك".
عالج أحدهم: "أجل لأنه أراد السلاح".
رد أندرو: "حسناً فعل ذلك قبل أن يشق وجهي نصفين وهو فارق أقدره".
سأل ماهان منتهياً من تقسيم الخبز: "أأنت متأكدة من رؤية إيغنيوس يا أختي؟"
أرغمهم ترددها على تركيز انتباههم عليها: "قيل لي إنه مات محاولاً الهرب".
بصق كورنيليوس أمامه مردداً: "إلى الجحيم به!"
فارتد جيرانه عنه ولعنوه.
التفت هيكتور نحو ماهان: "أجل، تجادلوا ما شئتم بشأن الشمالي، لكن إيغنيوس كان يعلم يقيناً! أكنت تعلم؟"
أطبق صمت مطبق على الزنزانة إثر السؤال.
اعترف معلم الأسلحة: "اكتشفت الحقيقة أخيراً. قبيل الانقلاب الشتوي بفترة قصيرة حيث بدا متأخراً فعل أي شيء".
أعلن سيغيسموند: "لا ذنب لك. إيغنيوس بلى لأنه اللانيستا ولن أبكي موته. لم يقضِ المرء لحظة معنا في ساحة التدريب ومع ذلك أبقاه عرقنا ودماؤنا في حرير".
جاء سؤال من داخل الزنزانة: "كيف عرفت؟"
هوى ماهان على الأرض مسنداً ظهره إلى الجدار.
كاشفاً: "حين أصيب".
مشيراً إلى دوميتيان.
"أنا؟"
"نعم. كنت تحتضر يا صديقي. غير أنك تعافيت عشية وضحاها. وخلال يوم لم يبقَ أثر للمرض فيك".
تحركت هيلينا بتململ مراجعة نحو الخلف وواقفة عند الباب.
"هاه؟ أفعله الشمالي؟ ظننت أنني قوي فحسب".
تردد صدى ضحكة في الغرفة الكئيبة للمرة الأولى.
قال ماهان لدوميتيان: "لست بهذا القدر من القوة. كان التغيير جلياً وبما أنه حدث فور زيارته لك استقامت الأمور فجأة. تعافيه السريع وأداؤه القوي في الحلبة ضد خصوم أشد. حين واجهته اعترف بالحقيقة".
تمتمت هيلينا دافعة بمعلم الأسلحة إلى رفع بصره إليها: "أعجب لعدم محاولته إلقاء اللوم على الآخرين".
"قطعا لا. سأقول هذا عنه على الأقل. اعترف فوراً".
فرمقها ماهان بنظرة محرجة: "اشتبهت بك للحظة وجيزة إذ لم أظن مصارحاً لينجو من الاكتشاف".
"أه. يا لها من فكرة ممتعة".
سأل ماركوس: "أتعودين يا أختي؟"
"إن سُمح لي فسأعود قبل أن ترحلوا جميعاً".
"باركك الملوك يا أختي على كل ما فعلته لأجلنا".
كرر الجميع المشاعر ذاتها ولبكت الراهبة يديها فوق قلبها.
* * *
رمق أرن شعاع الشمس وهو يزحف ببطء على الأرض. أمضى الأيام الأولى مستذكراً كل أغنية تعلمها. وبعدها سرد كل رونة وتاريخ القبائل وكل ما عرفه سواه. بدا أن كل ذلك يتلاشى في لحظة ما. استطاع فعلها مجدداً لكن عقله لم يرَ غاية فيها. لذا راقب شظية الضوء من الصباح الباكر حتى المساء المتأخر طالعة من النافذة العالية. وحين اختفت أغمض عينيه ونام بوضع تجعلها تحط على وجهه فور عودتها وتوقظه مساغاً له لاستئناف مراقبته.
انفتح الباب. لم يكلف نفسه عناء النظر. لم يتناول طعامه قط إلى أن أغلق الباب مجدداً.
"أرن؟"
هز الصوت كيانه. أدرك كم كان قذراً. وكم بدا ضئيلاً في البدن والروح. أغلق الباب مجدداً لكن الحضور بقي؛ شعر به فصرف بصره.
"هذا أنا".
مبقياً بصره زائغاً أشار: «اذهبي».
"سأفعل. أنا فقط – وجب علي رؤيتك".
لماذا؟ لتشمت في بؤسه المستحق، أو ما هو أسوأ لتشففق عليه؟ لم يجسر على السؤال.
«ها قد فعلت».
"لم أحضر لك شيئاً. أنا آسفة. أعطيته كله للآخرين".
«لا يزالون هنا؟ أحياء؟»
"نعم. الآن".
فاجأه ذلك. تخيل أن الأكويليين يدخرون مصيراً خاصاً له لا المصارعين. احتاجت القوادف رجالاً أقوياء دوماً عند المذاذيف.
«لماذا؟ ماذا سيفعلون بهم؟»
"هناك حدث سماوي مع ألعاب إضافية. سيكونون الترفيه. وأنت أيضاً على ما أظن".
زفر أرن. توقع المثل لنفسه ومع ذلك تشبث بأمل نجاة إخوته من الموت والحكم عليهم بالقوادف أو المناجم. هز رأسه مضطرباً لينتهي به المطاف ناظراً إليها. لم يرَ سوى الحجاب الأسود فهدأ؛ استطاع احتمال ذلك.
"أنا آسفة. لا يستحق أحدكم هذا".
«لا يستحقون. أما أنا ففعلت. أردت الانتقام مهما بلغ الخطر والثمن. لو أنني تخليت لما اكتشفت ولما واجهوا الموت».
ركعت أمامه.
«لم تصدري حكماً عليهم. لو وجدت العدالة في هذه الإمبراطورية لكانوا أحراراً».
تنفس بعمق.
«لا يهم بعد الآن. سنموت جميعاً قريباً بما يكفي».
ومع جلاء عقله من الضباب الذي فرضه السجن المنفرد وافاه سؤال.
«لماذا أنت هنا؟ نويت الرحيل إلى الجزيرة».
"تأخر الاستعمار. فقطل أحدهم قائده بعد كل شيء. سنرحل غداة الحدث السماوي فهو يُعد فألاً حسناً سيبارك مساعينا".
لم يجب بل حدق في الحجاب الخافي لوجهها عنه. استذكر حديثهما الأخير قبل الآن واقفين على جانبي البوابة في اللودوس. المرة الوحيدة التي لم يفصلهما شيء كانت في زنزانتها بالدير. حينها أردى سالفيس قتيلاً ووضع هذه السلسلة من الأحداث في نصابها؛ وحينها جاء أي كشف متأخراً وعجز عن تغيير مصيره. لعل الأمر كان للأفضل. بدت فكرة احتمالية سير الأمور في اتجاه آخر وتمدده عثوراً عليها أصعب من أن تحتمل.
رفع يديه نحوها بدافع فطري حتى ذكرته قسوة سلاسله بحاله. أخبرني ماهان بشيء. تحولت إلى الإشارات.
«أنه خمن علاجي لدوميتيان لكنك أخبرته بأنك أنت».
رمش أرن مراراً بحيرة إلى أن تذكر حديثه مع معلم الأسلحة.
«نعم».
«لماذا تحملت المسؤولية؟ أمكنه تسليمك وإنقاذ نفسه على الأرجح».
حدق في العتمة حيث ينبغي أن يكون وجهها.
«كيف لي خيانتك؟»
«لعله لم يفت الأوان بعد. أخبرهم برغبتك في عقد صفقة. ستخبرهم بأمر راهبة ذات موهبة نادرة في الشفاء مقابل حياتك».
مقترحة وقد ازدادت حركاتها حماسة.
«لا. ققتل فارساً ساحراً. واستهزأت بألعابهم. لن يتركوني أحيا أبداً».
حدق حيث ينبغي أن تكون عيناها.
«سببت ما يكفي من اضطراب. غادري هذه المدينة كما نويت وحين تفكرين بي تذكري شيئاً واحداً لا غير».
سأل بصوت واهن: "ما هو؟"
«علموك بغض إياك. حاولوا خفت نورك. ومع ذلك يتألق بقوة حتى إنه اخترق حتى العتمة المحيطة بي».
علت وجهه ابتسامة بلا مرح.
«أي سحر أعظم من ذاك؟»
رأى حجابها يضطرب قبل أن تدفن رأسها بين كديها. اهتزت كتفاها لبرهة قبل أن تتمالك نفسها وتستقيم واقفة مخفضة يديها لاستخدامهما في الإشارة عوضاً عن ذلك.
«أكره ما فعلت وأردت كرهك. حاولت. لكن حين سمعت باعتقالك انكسر قلبي. لماذا أكترث وحين ينبغي أن تكون كل ما أمقته؟»
عجز عن الإجابة؛ كان عاجزاً عن التفكير لفرط ما غمره. أزالت هيلينا حجابها بحركات بطيئة ومدروسة. ولمح ومضاً من وجهها في ضوء النهار الخافت قبل أن يصرف بصره للأرض. شعر بها تركع أمامه مجدداً.
"لماذا تختبئ؟"
«لا أستحق رؤيتك».
امتدت يدها لتلامس خده وتدير وجهه نحو وجهها.
"تجاوزنا ما يستحقه أحد".
أحس بعينيها المسددتين إلى عينيه كضربة أسقطت أنفاسه.
«لا تعذبيني بأفكار عما كان يمكن أن يكون».
لم ترَ إشاراته؛ ظلت مقلتان مثبتتين فوق يديه.
"كنت محقاً. وجب علي تعلم تسخير قوتي. لكنت قوية بما يكفي لإنقاذك".
لم يرد؛ لا وكأنها سترى ذلك أيضاً. لم يلمس سوى يدها الأخرى منضمة إلى الأولى لتأطير وجهه، وحين قبلته أضاء ألق كيانه.