طائر الدم الفصل 48 — شبكة العنكبوت

اقرأ طائر الدم الفصل 48 — شبكة العنكبوت باللغة العربية على مانجا تايم.

شباكة العكبوت كان آرن شبه فاقد الوعي طوال رحلته إلى سجون أكويلا. تيه ذهنه ولم يستفق لبيئته إلّا ومضات، كحالته حين أُصيب وأشرف على الهلاك من حمّاه. ظل الحراس غير آبهين؛ وتحت حراسة كاسر السحر اليقظة، سحبوا المنشد إلى زنزانة ضيقة، وثبّتوا سلاسله بحلقة في الجدار، ومضوا. انقضى الوقت، وعجز آرن عن تقدير مدّته؛ إذ عادت حواسه ببطء، ولم تساعده عتمة محبسه الغريب. كان بارداً ومجلسه على الحجر.

ما هذا بمعزل التدريب، وافتقر حتى لقطع الأثاث الشحيحة التي ضمّتها زنزانته السابقة. افترش القش الأرض ومعه دلو ووطاء. دلو في زاوية يدرك بلوغه إن مدّ ذراعيه. قيود — لقد أُوثق. وأدرك من لسعتها الغريبة والحارة أنها من الذهب. وأدرك الحقيقة أخيراً. لقد كُشف أمرُه وأُسر وهلك. سيفعلونها به ثانية. يحطمون سحره ويرمونه إلى الحلبة ليموت لهواً. أو ربما يعدمونه علناً في الساحة الكبرى ضمن طقوسهم.

وسواء هذا أو ذاك فلن ينجو هذه المرة بمعجزة؛ فقد أفرط في تبديد الفرصة التي وهبها إياه الملوك. وما بقي لآرن سوى طلب الموت بطريقة أحفظ لكرامته من كونه مجرد ترفيه أو قربان. خبّأ إبرة دقيقة في حزامه. قد يجدي طعن نفسه في الموضع الملائم. بيد أنهم سيضطرون لإخراجه من هذه الزنزانة في مرحلة ما؛ وحين تستعيد قواه، يستطيع امتشاق سلاح جارد. وموثقاً بلا سحر، انعدمت فرصة فراره، لكنه سيموت مقاتلاً وربما يجر معه حقيرين أو ثلاثة.

انفتح الباب. لا بدّ أنه الليل،إذ غاب النور عن النافذة الصغيرة المرتفعة في الجدار. وحين ظهر لهيب من العدم مضيئاً الزنزانة، تعرّف آرن على كاسر السحر.

"أحضرت هذا".

مدّ أتروس لوحا وقلم حفر للسجين.

"لدي بعض الأسئلة لك. إن أجبْت بصدق، أمنت لك بعض سبل الراحة".

تناول آرن ما مُد إليه وكتب: أين قومي؟

"التيوريون؟"

عبس الأركي.

"أوه، تقصد المصارعين. حسنًا، إن أجبْت عن أسئلة سأجيب عن أسئلتك لاحقاً. أمتفققان؟"

أومأ المنشد بحركات متعبة. اختفى أتروس عن الزنزانة هنيهة، وبقي لهيبه. مدّ آرن معصمه المقيد، عالماً بأن الذهب سيخمد سحره إن دنا بما يكفي. لكن المسافة فاقت مداه؛ فخشخشت قيوده مع إرخائه لذراعه، وهوى مستنداً بظهره إلى الجدار. عاد كاسر السحر بمقعد وجلس أمام آرن.

"أتعاونت مع آخرين؟"

لا داعي لكتابة الجواب. هز السجين رأسه.

"نظراً لعدم رؤيتي دليلاً على ساحر ثانٍ في أكويلا، فأنا أميل لتصديقك — باستثناء تلك".

وأشار إلى الدملج الذي لا يزال يزين آرن.

"أعرف السحر الأركي حق المعرفة. كيف حصلت عليه؟"

فكتب: إغنيوس.

"لا تكذبْ عليّ. ما كان لمدرب مغمور نيل قطعة أركية".

خمن آرن الأمر ذاته، لكنه لم يعلم كيف ظفر بها إغنيوس. كُنت مصاباً. واستيقظت في معزل التدريب وهو معي. لا أعلم أكثر. قطب كاسر السحر حاجبيه حاكّاً شعره الأشعث.

"أتدري ما تفعل؟"

تتعقبني. لئلا أفر.

"مم. إن سمحت لي..."

مد أتروس يده ولمس سوار الذراع. وأغمض عينيه برهة.

"يصعب التبيّن وسط هذا الذهب الذي ترتديه".

رحب بأتروس أشد الترحيب لو نزع قيوده، لكن التيوري لم يكلف نفسه عناء كتابة ذلك.

"أكان إغنيوس يعلم بحيازتك السحر إذن؟"

أومأ آرن.

"وأخيراً، ما غاية هجماتك؟ تركت ميتاً حيّاً في الأحياء الفقيرة، ودنست جثة فارس ساحر، ولا شك في ضربات أخرى لم أكتشفها".

تنهد آرن وكتب رده. لأسترد ما سلبوه. انتقاماً. لأزرع الروب.

"حسنًا جداً. يمكنك طرح أسئلتك الآن".

مع انتفاء الجدوى، أراد آرن المعرفة رغم ذلك؛ أي خطأ ارتكب؟ أكان خيانة؟ كيف عثرت عليّ؟

"بمشقة بالغة. وبالصدفة تقريظاً مررت بالحانة حيث أخفيت أغراضك. لم يرد صديقك الصغير تسليمك، لكن آخرين كانوا أكثر ثرثرة".

أوحى هذا على الأقل بجهل كاسر السحر وسواه بأمر هيلينا. إخوتي؟

"مصارِعوك رفاقك هنا في السجون".

سوى آرن الشمع سريعاً ليفسح مكاناً. ما مصيرهم؟ تردد كاسر السحر.

"لا أدري. لو الأمر لي لاستجوبت كل واحد، وإن تأكدت من جهله بأنشطتك لأطلقت سراحه. بنظر أركين، لم يرتكبوا خطيئة. لكني أخشى نظرة الأكويليين المختلفة".

هذا ما خشيه آرن. انتهى الكلام. قذف باللوح جانباً.

* * *

عاد أتروس إلى غرفة حراس السجون؛ وما إن رأوا الساحر الأركي حتى هبّوا واقفين.

"أين يُحتجز إغنيوس؟ المدرب. عليّ محادثته".

تبادل الحراس النظرات.

"اغفر لنا، سيّدي، ألم يخبروك؟"

"طبعاً لا. ما الجري؟"

جاء الرد نافداً صبر.

"حاول الفرار. فَقُتل".

حدق بهما كاسر السحر غير مصدق.

"قُتل؟ أي تهديد شكّل؟ كيف حدث هذا؟"

"معذرة، لم نكن هناك".

تمتم أتروس لنفسه ملتفتاً في الغرفة كأن الأجوبة تعلو الجدران قرب مصابيح الزيت وحارسين قلقين. واستدار أخيراً وخرج بخطى واسعة.

* * *

في الجناح الأحمر للبرج السحري، راقبت كورا زميلها الأركي وهو يروح ويجيء.

تمتم أتروس: "الأمر ليس طبيعياً. يرتدي السجين سواراً أركياً في ذراعه، يُزعم أن مدرباً أخرق منحه إياه، ثم يُقتل محاولاً الفرار؟"

أسندت المعلمة الحمراء ظهرها إلى مقعدها مراقبة كاسر السحر.

"هذا دليل صلة بأركين. قطعة كتلك التي تصفها — معادن عدة مصهورة — ليست صنع مبتدئ. وباستبعادي، لا يبقى سواه المعلم الأزرق والمعلم الأبيض. أخبرتك أن فاسيليا تدبر أمراً".

"أميل لتصديقه، لكن ما هو؟ لا أرى غاية خدمته هذا التيوري لها، ولا كيف نفعتها أفعاله. إلا إن كانت تضمر ضغينة شخصية لفارس السحر الميت واتخذت الشاعر سلاحاً".

اعترفت كورا: "لا أدرك صلة تجمعها بسالفيوس. قد أُحاول كسر الحواجز المؤدية إلى الجناح الأبيض. بلا شك ثمة أدلة في غرفها".

هز أتروس رأسه.

"أشك في استطاعتنا. والمجرد المحاولة ستستدعي ردها، وهو حق لها".

"فما العمل إذن؟ التيوري مقيّد بالسلاسل. أفتشلت خططها أم تمّت؟"

لم يسمع كاسر السحر؛ بل أمعن النظر من النافذة. من هذا العلو، بدت المدينة بمهابة؛ ومن امتلك طرف حادة أبصر البحر غرباً.

"الأمر لا يخص أكويلا ولا فاسيليا".

"ما تعنيه؟"

استدار ناظراً إليها.

"قبل مجيئي هنا، كنت في الموقع الأركي بشمال الأراضي القاحلة. لم يرحب بي المعلمون بل سُرّوا برحيلي. والعام الفارط، الوحش الذي عاث فساداً في موركاستر... لم نعرف قط مصدره. ولعله الموقع الواقع شمال المدينة".

قطبت كورا جبينها.

"أترى كل هذا مترابطاً؟"

"كشباكة عنكبوت في مركزها أركين. ومهما كانت شؤون معلمي المواقع الخفية، فستدار بتنسيق من أركين".

وخطا نحو الباب.

"عليّ العودة!"

"انتظري!"

هبت واقفة من مقعدها.

"إن كنت مخطئاً، والخطر محصور هنا في أكويلا؟"

توقف والتفت ناظراً إليها من فوق كتفه.

"المسؤولية تلقى على عاتقك حينها. اغفر لي، لكن إن وُجد أدنى خطر يهدد أركين، فمكاني هناك. لا أي مكان آخر".

ترددت هنيهة قبل أن تحني رأسها.

"سأعينك على رحيلك".