رغم انزعاج أحدهم واكتشافه الحقيقة عنه، شدّ آرن أعصابه. وضع خطة. كان سحره واهناً وغابت عنه قدرات معينة كالرونيك أو الأحرف الكبرى، فلم يثق بقدرته على هزيمة فارس سحر. سيستعيد آخر حروفه الصغرى؛ لم ينفع ذلك في القتال مباشرة، لكنّه زاد شفاءه الطبيعي وتعافيه، ليبقى مستعدّاً لكل نزال في ألعاب الانقلاب، حيث استطاع امتصاص طاقة كافية لاستعادة قدراته الأخرى، بما فيها طاقة سحرية تكفي للفوز بمبارزة سحرية.
في ذلك الوقت، سيجد هيّلغي حلّاً للسوار الذي حبسه في أكيلا؛ وما إن يتحرر، وبعد أخذ ثأره، ليهرب آرن. حاول ألا يفكّر في كل خطوة قد تفسد؛ في كل منعطف قد يسير في الاتجاه الخاطئ. في كل شخص قد يخونه. مع بدء تدريب اليوم، رمق آرن ماهان الذي حافظ على مسافته. وحين اقترب معلم الأسلحة، أطلق أوامره وتصحيحاته المعتادة قبل أن يتابع. أدّى دوراً جيّداً، وشعر آرن بانزعاج أقل. إن اكتُشف سحر آرن، فسيخسر ماهان بقدر ما يخسر التيري.
في المساء، وحين تكدّس البقية للاستحمام والأكل، تأخر دوميتيان وأشار إلى التيري لينضم إليه. جلسا على المقعد في الساحة، وفكّر آرن في حديث الأمس مع هيلينا في المكان نفسه.
"أهلاً، يا ابن الشمال، لا أستطيع إخبارك بمدى روعة التنفس بحرية والتجول!"
وكأنه يبرهن على ذلك، أخذ الأكيلي نفساً عميقاً وضحك. شارك بحذر في تدريب اليوم، لكنه بدا متعافى تماماً.
"أخبرني المعلم ماهان أن قطعتك الذهبية وصلت إليك. أأستنتج من تلميحك الصامت بالأمس أن ديني قد مُسح؟"
أومأ آرن برأسه، وافتقر للّوح ليسجل أي توضيحات.
"جيّد، جيّد. إيولانا؟ أرايتها؟"
كرر إشارته.
"أهلاً، ممتاز. لكنني نقصت عن الدين بقطعة ذهبية — هل دفعت المتبقي؟"
أومأ التيري برأسه مؤكداً بتواضع.
"أنت صديق حقيقي."
صفعه دوميتيان على كتفه.
"سأردّها لك بعد نصري القادم."
هزّ رأسه. لم يحتاج آرن للقطع الذهبية، وفعل أكثر من مجرد صرف الذهب لمساعدة دوميتيان؛ بدا رد المال تافهاً وسيقلل من شأن الفعل.
"إن كنت واثقاً... حسناً، أنا مدين لك على أي حال. إن احتجت يوماً لإنجاز أمر، فأعلمني فحسب."
نهض دوميتيان وغادر بابتسامة عريضة. لم يكن التيري متأكداً مما قد يفعله الأكيلي الضخم لأجله، نظراً لنوع المتاعب التي وقع فيها آرن، لكن وجود صديق قريب لم يضرّ قط.
* * *
تلت ذلك غروب شمس إضافية، واقترب يوم — أو بالأحرى ليلة — مهمة آرن الأخيرة نيابة عن ماغنوس. لم يقلق من قدرته على إنجازها؛ فمن لا يملك سحرًا لم يتخيل أو يفهم قط ما يمكن لمن يملكه فعله. خصوصاً هؤلاء الأكيليين إن واجهوا قوى تيرية. قد يتوقعونه في منزل التاجر ذاك، لكنهم لن يقفوا أمامه بحق. بدل ذلك، قلق آرن بشأن مشغّله. بدا وثوق بمارق حماقة تحت أفضل الظروف؛ التزم ماغنوس بنهاية اتفاقه حتى الآن، لكن غالباً فقط لأنه ما زال بحاجة لآرن.
سينتهي ذلك بموت هذه المرأة السندية، آيا، وإزالة منافسه. ومع كاسر السحر الذي يتعقبه، ومع معرفة ماغنوس بأن آرن يتخفى بزي مصارع — جعله كل شيء منزعجاً. رغم أن المعرفة أفضل من التخمين. أملاً في الوصول لبعض اليقين، طلب آرن إجازة ودخل المدينة.
* * *
تطلّب منه الأمر وقتاً ليجد وجهته؛ أعطته إيريس أقل التوجيهات شحّاً، كأنها اكتفت بالإشارة للاتجاه الصحيح. لكن بسؤال طريقه عبر لوحه، بلغ آرن المكان. مسكن تاجر نموذجي، يشبه كثيراً ذاك الذي نوى التسلل إليه في الليلة التالية. ما يميّز هذا المكان هو الخدمات والبضائع المقدمة. عُلّقت خارج العديد من الورش والحانات وما شابه لافتات تحمل صورة تدل على حرفتها، إذ لم يستطع الجميع القراءة.
خبز للخبازين، كوب جعة للحانات، أحذية للإسكافيين وهكذا. لم يكن الحال كذلك هنا. إن عجز أحدهم عن القراءة، فلن يُرحب به كزبون على الأرجح. بدل ذلك، حملت اللافتة عبارة بسيطة: المعلم كويرينيوس — حجارة مشكلة وممسوسة. سُرّ لوجود المكان، ودخل آرن ورشة ساحر أرض. ضمّت الساحة أكداساً وألواح حجارة ضخمة بمراحل تشكيل مختلفة. قُطع الكثير منها بخشونة، بانتظار تغييرها. بدت أخريات منحوتة باتقان، كآجر صُنع في أفران.
جرّها بضعة عمال نزولاً وصعوداً عن عربة، رامين نظرة سريعة على الوافد الجديد قبل مواصلة مهمتهم. تابع آرن الداخل إلى الغرفة الأولى، حيث جلست كاتبة خلف مكتب. رفعت رأسها.
"نعم؟ ألديك موعد مع المعلم كويرينيوس؟ أم عمل مطلوب مسبقاً؟"
أخرج آرن لوحه. جئت لتحصيل مستحقات ماغنوس.
"أرى."
قطبت جبينها.
"أحضارت عربتك وعمالك؟ لم أدرك إعداد أي شحنة لليوم سوى التي يُعدها الرجال بالفعل."
إنه حجر صغير، أوضح آرن.
"أه، إذن ليس للبناء. دني أنظر."
فتحت السجل أمامها، ومررت عينيها عبر السطور.
"آسفة، لا أرى مهام مفتوحة لأي ماغنوس."
هيّلغي؟ نظرت مجدداً.
"آسفة، ليس ذلك أيضاً."
متى اشترى ماغنوس حجراً لآخر مرة؟ رمقت التيري الندل الواقف على الجهة الأخرى للمكتب.
"أنا آسفة، لا يمكنني إفشاء معلومات عن زبائن آخرين."
لم يهم الأمر. استدار آرن وغادر. وجد ما أراده، وهو أن ماغنوس لم يشترِ حجراً آخر ليعسّده هيّلغي. للمرء تخيل الأسباب والأعذار، لكن آرن شكّ في سبب عدم شعور المارغ العجوز بالحاجة لإعداد دفعة لعمل آرن. موازناً خياراته، سار التيري عائداً إلى اللودوس. غداً الليلة المحددة لضرب آيا؛ واحتج لبلوغ قرار سريع.
* * *
قضى آرن اليوم التالي في التفكير، بين المبارزات وتلقي ضربات عرضية من دوميتيان بسبب تشتته. متجاهلاً ضحكات الأكيلي الضخم، أدرك آرن وقوع خيار بسيط أمامه؛ وكمن الصعوبة في تفحص أسباب فعل أحدهما. استطاع إنجاز المهمة كالمقرر والتعامل مع ماغنوس بعدها، سواء دفع له اللص أو خانه. أو، استطاع الارتداد على المارغ قبل أن يرتد على آرن. مع حلول الظلام، انتظر الاسكالد حتى نام اللودوس.
جامعاً الظلال حوله، شقّ طريقه إلى ساحة التدريب. فوقه، منح القمر ضوءاً خافتاً؛ مضت عشرة أيام منذ المحاق، مما يعني إضاءة أكثر مما راح له، لكن الوقت تحول إلى وحش ينقر كعبه. أخفت رونه التخفّي إلى حد ما، رغم أن الوقوع في ضوء كاشف سيجعله مرئياً. ساعدته بضعة غيوم، وحين بدت اللحظة الأكثر مناسبة، تسلق الجدار بقفزة واحدة. انتظره سيف في حانة متحالفة مع ماغنوس والمهربين؛ ربطه آرن بخصره وتابع.
قريباً، رأى وجهته، رامقاً إياها بينما بقي خلف زاوية مبنى آخر. لم يتواجد أحد في الأمام، لكن حارساً تواجد على الأرجح داخل الساحة يراقب ذلك المدخل. ودور حارس آخر حول مؤخرة المبنى. استطاع آرن الاقتراب وقته دون إحداث جلبة ربما، لكنها مخاطرة، وفعل عدائي واضح قد لا يمثل الخيار الأفضل. بدل ذلك، استخدم آرن رون القوة لتسلق مبنى آخر بأسفل الشارع. غاب الحراس هنا؛ دورية حارس المدينة جابت الطريق الرئيسي، لا الأزقة.
فور بلوغ السطح، مسحباً ذات القوة، قفز آرن إلى التالي. منتظراً انزلاق الحارس على الأرض حول الزاوية، أجرى قفزة أخرى لبلوغ وجهته. أثناء استطلاعه بالأمس، لاحظ امتلاك هذا السطح خصوصاً ما افتقرته هياكل أقدم عديدة. مدخنة، بحجم يكفي لتسلق شخص وتنظيفها — أو الهبوط منها.
* * *
مغطى بالسخام، احتاج آرن بالكاد لاستخدام رون التخفّي لجذب الظلال حوله. نام عدّة رجال مبعثرين في الغرفة المشتركة المرتبطة مدفاتها بالمدخنة. لم يتحرك أحدهم حين تحرك ظل بينهم، منزلقاً فوق الدرج. بلا شك وضعوا إنذارات على النوافذ والأبواب، واثقين بها لتحذيرهم من الدخلاء، كتسلل آرن لتلك الحانة لقتل فيرا، ذات الأذن الواحدة. لم يضعوا بالحسبان أن ما صعد دخاناً، قد ينزل ظلالاً.
بضع غرف فوق. بحذر، مستخدماً حسه السحري، شقّ آرن طريقه قدماً، مراقباً بعين خارقة بحثاً عن فخاخ أو أي أمر غير معتاد. فاتحاً باباً، مستطلعاً بسحره، شعر بما صدمه كجضرمة نار على السرير؛ تجمع ضخم من الذهب، صُمم لحماية أحدهم من السحر. والآن جذب الاسكالد كفراشة. جرّد سيفه، ناظراً إلى ضحيته. سندية، امتلكت المرأة بشرة أداكن من أغلب الأكيليين. امتلكت شعراً قصيراً ووجهاً جوّفته ونقشته عوامل الطقور، مما صعّب تخمين عمرها.
حتى في النوم، بدت صارمة. مستعداً بسيفه، وضع النصل عبر حقلها، وانفتحت عيناها بصدمة.