طائر الدم الفصل 32 — من أجلِ سواه

اقرأ طائر الدم الفصل 32 — من أجلِ سواه باللغة العربية على مانجا تايم.

أبقته همومه الكثيرة بعيداً عن النوم حيناً، ولما استيقظ ثانية، لم يحمل ضوء النهار سوى القليل من السكوان. تنحى قلقه بشأن ماغنوس والحصول على رمز الرونة الأخير جانباً الآن. كان دوميتيان يحتضر. قبض الحمى عليه، وانتشر الوباء في جسده، طيف قادر على صرع أشجى الرجال. لم تجدِ أفعال الطبيب نفعاً، ولا نفعت إكسيرات الصيادلة والمشعوذين. تدلى حل واحد أمام أرن مباشرة، الحل الأوضح، وهو ذاته الذي أنقذه.

أعلن ماهان في الصباح من سيقاتل في ألعاب الغد، مما يعني أن اليوم هو يوم الاثنين. بدا الأمر آية من الملائكة، ففي هذه الليلة ستظهر هلينا مجدداً. ما كان على أرن فعله سوى إقناعها باستخدام القوى التي تكرهها، حين بالكاد سامحته على إجبارها على فعل ذلك في المرة الأخيرة، من أجل رجل بالكاد تعرفه. أخرج نَفَساً عميقاً وشرع في إفطار طعامه.

* * *

أدت الطقوس كالعادة في ساحة التدريب، وراقب هو من الظلال في تلك الأثناء. وما إن انتهت، وغادر المصارعون، انتظر أرن حتى لاحظته الأخت.

— أهلاً.

أشارت بيديها.

— أزرت للحديث؟

— بلى.

اقترب، وذهبا ليجلسا على المقعد. مقدراً أن النهج الأقل مباشرة هو الأفضل، أشار أرن: — أنا فضولي. لماذا تقومين بهذا العمل؟ المدرج مكان غير معتاد. عكس الدير الذي تعيشين فيه. رأى ثنيات حجابها تتحرك، مضطربة من التواء فمها نحو ابتسامة.

— ليس هذا كل ما أفعله.

في يوم السبت، أساعد في إعطاء الطعام للمحتاجين. وفي يوم الأحد، أعمل في المستشفى أسفل الشارع. وبقية الوقت، أعمل في الدير.

— بالطبع.

لم أظن أنك عاطلة بقية أيام الخمسة. ضحكت قليلاً.

— كنت أمزح فحسب.

معك حق بالطبع. إنه بناء على طلب اللورد فلايوس، راعي ديرنا. وهو يشرف على الألعاب أيضاً. تذكر أرن الرجل؛ الأرستقراطي الذي استضاف الشجار في حقيقته حيث نال شرف مقابلة سالفيوس ثانية. ودون وعي بفعله، لمس أرن ذقنه.

— يحضر بعض رفاقي المدرجات الأخرى.

طُلب مني حضور هذا.

— حظنا.

أحس أنها ابتسمت ثانية.

— منذ متى وأنت تأتين إلى هنا؟

— لابد أنه مرّ ثلاثة أو أربعة أعوام.

آن أوان الاقتراب من الموضوع الفعلي.

— لا بد أنك رأيت دوميتيان مرات كثيرة إذاً.

— لقد رأيت.

خفضت وجهها قليلاً، مطملة بصرها نحو الفراغ بينهما عوضاً عن يديه.

— يؤسفني سماع حالته.

سأدعو له. راد أرن أن يصرخ بأنها تستطيع فعل ما هو أبعد من ذلك بكثير، لكن الحدود الجسدية تعني أنه لا داعي للقلق بشأن ضبط نفسه في هذا الصدد. عوضاً عن ذلك، فكر في أفضل طريقة لطرح السؤال الذي عرف أنه سيثير غضبه.

— إنه يحتضر.

لا يمكن للطب وعناية الطبيب إنقاذه. ولا أظن أن الصلوات ستفعل أيضاً.

— يمكننا دائماً الأمل بمعجزة.

لا مزيد من التسويف.

— يمكن صنع معجزة أكيدة.

من الشخص المناسب. الأيدي المناسبة. رفع عينيه لينظر مباشرة في وجهها، الخفي خلف النسيج الأسود. رأى وجهها يتحرك حين أخرجت نَفَساً.

"لا بد أنك تمزح. ليس مجدداً".

— ليس لأجلي.

لأجله.

"أم ماذا؟"

عادت إلى الإشارة.

— ستفضح سراي؟

— لا تهديدات.

مجرد التماس. لم يُضطر أرن للاستفادة من خبرته كمؤدٍ لنقل القلق الثقيل الرابض عليه؛ فقد أتى من تلقاء نفسه، مكتوباً على تعابير وجهه.

— سيموت.

وحدك تستطيعين إنقاذه.

— أنت لا تدري ما تطلب!

أخبرته حركة يديها السريعة بالثورة التي لم يستطيع قراءتها على وجهها.

— ما شعرت بسوء قط في حياتي قدر شعوري حين ساعدتك.

لقد لعنني الملوك بهذه الهبة، وعاقبوني على استخدامها. لم يكن الأمر أوضح قط. أبقض أرن يديه، قمعاً للرغبة في إخبارها بأنها عانت ببساطة من إهاق سحرين، وهو ما يصيب أي مبتدئ يتجاوز مهاراته بكثير.

— سيموت، كرر.

— تملكين القدرة على إنقاذ حياة رجل.

أحس بأنها ترمقه.

— ماذا فعلت هذه القدرة لك؟

دمرت حياتك وجعلتك عبداً.

— الأداة ليست خيرة ولا شريرة.

النصل ذاته الذي يقتل الأعزل قد يستخدم في أيدي أخرى للدفاع عن الضعيف. هزت رأسها.

"لا"، نطقت.

"حتى الآرخيون يتفقون على أن بعض أنواع السحر خطيئة. هم فقط لا يفهمون أنه كل الأنواع".

— تصلّين لأجل هؤلاء الرجال كلما ذهبوا ليقاتلوا.

لما لا تستطيعين مساعدتهم الآن حين يكون الأمر مهمّاً حقاً؟ شدّت منكبيها.

— الصلاة بارة.

نحن نترك الأمر في أيدي الملوك.

— لكن يداك تملكان القدرة بالفعل لتقرير ذلك.

عاجزاً عن الكبح، مد يده وقبض على يديها، عاصراً إياهما.

"لا يفترض بك لمس عذراء القمر"، تمتمت، ساحبة يديها إلى الوراء.

"الأخت هلينا! أيها الشمالي!"

من عبر الساحة، بلغهما صوت ماهان. كان يقف في المدخل.

"لقد تأخر الوقت".

نهض أرن وأشار إليه: — أيمكننا زيارة دوميتيان؟ لقد طلبت من الأخت أن تبركه. تردد سيد الأسلحة.

"حسناً. لا بأس. فقط لا تأخذا وقتاً طويلاً".

نهضت هلينا أيضاً، وتخيل نظرة غاضبة تُرسل صوبه، رغم أن الحجاب صعّب معرفة ذلك. التفت ناظراً إليها.

— هيا.

في ورشة الطبيب، كان دوميتيان يرقد، مقترباً من الموت مع كل لحظة عابرة. كان الطبيب قد ذهب للنوم في الغرفة المجاورة. واضعاً في الاعتبار أن الوقت شحيح، وخائفاً من الضغط على هلينا، حافظ أرن على هدوئه وتركها ترى بعينيها ما هو على المحك، ومن تدينه إن لم تفعل. بعد هنيهة، رفعت رأسها ناظرة إليه.

— لماذا يهمك الأمر؟

أي فرق يصنع إن عاش أو مات؟

— إنه صديقي الوحيد.

أخرجت نَفَساً، مما جعل حجابها يرفرف ثانية.

— لن أفعله لأجلك.

لكنني سأفعله لأجله. شعر بالارتياح، فسحب أرن الغطاء كاشفاً عن ضمادات ملطخة بالدماء تغطي جراحه على بطنه. بتردد، وضعت الأخت يديها فوق الخرق، التي تحولت إلى لون صدئ. غادرت دفقة من القوة، وفوراً، ارتجف دوميتيان وانتفض. قبض أرن على منكبيه، ممسكاً به إلى أسفل، وبعد لحظة، صار هادئاً. في تلك الأثناء، نزعت هلينا الحجاب عن وجهها وتعثرت لتطهر نفسها في وعاء ماء، وأدار وجهه بسرعة.

"لا أعرف لمَ أسمح لك بفعل هذا بي"، تمتمت، ماسحة فمها قبل أن تعيد النسيج إلى مكانه.

— شكراً لك، أشار، لكنه لم يكن واثقة من أنها لاحظت؛

فقد غادر دون كلمات أخرى أو حتى نظرة في اتجاهه. على اللوح، كان دوميتيان ينام بسلام.

* * *

انتشرت أخبار تعافي دوميتيان في أرجاء المدرج خلال الإفطار، وعُدّت فألاً حسناً لقتالات اليوم القادمة. أكل أرن طعامه بصمت، ولم يغره قط المشاركة في النقاشات التي ملأت الغرفة المشتركة؛ فسيكون الأمر عسيراً جداً حتى لو اهتم بما يكفي لجعل رأيه معروفاً. وتضاعف المزاج الجيد بكونه يوم الأحد مع غياب ماهان، مما سمح بتدريب مسترخٍ. ضحك المصارعون واستمتعوا باليوم، وتضمن ذلك أرن؛

وفي أحيان، شقّت نصف ابتسامة طريقها إلى وجهه حتى. زار دوميتيان، الذي كان يتعافى بسرعة، رغم أنه لا يزال يرتاح. ومع دخول الطبيب وغيره من المتمنين الخيرين ورجوعهم من الورشة، ظن أرن أن من الأفضل تجنب أي نقاش حول شؤون دوميتيان الخاصة؛ فاكتفى بإيماءة استجابة للسؤال غير المكتوب على وجه صديقه. صَحّ فألهم إذ عاد مقاتلوهم من الساحة، وكلهم بانتصارات. فُتِحت بضعة جرار نبيذ وتشاركوها بعد التدريب، وبدا كل شيء حسناً في بيت إغنيوس.

* * *

بعد أن اعتزل إلى زنزانته بعد الظلام، سمع أرن طرقاً. وحين فتح، رأى ماهان بالخارج.

"أود الحديث".

إذ لم يكن لديه سبب ولا حتى الخيار لرفض سيد الأسلحة، تراجع أرن وسمح له بالدخول.

— نعم؟

أشار، متذكراً أنه يستطيع استخدام هذا مع ماهان.

"حدث شيء غريب في هذا البيت، وأظنك على دراية به".

امتعض أرن من الاتهام، لكونه صحيحاً في المقام الأول؛ في الوقت ذاته، استطاع ماهان الإشارة إلى أمور عدة، وعلى أي حال، لم يكن لديه سبب لتأكيد أي شكوك.

"البارحة، كان دوميتيان يحتضر. لقد رأيت من الإصابات ما يكفي لأعرف هذا. وظن الطبيب هذا أيضاً".

أبقى أرن يديه ساكنتين، غير راغب في تشجيع هذا الخط الفكري.

"اليوم، لا اثر لحمى أو ضعف. ما كان ينبغي لهذا أن يكون ممكناً".

رمقه ماهان بنظرة، ورقد الاتهام غير المكتوب بينهما. شاعراً بالاضطرار لتقديم نوع من الإجابة، رد أرن أخيرًا: — لقد صلينا جميعاً لأجل معجزة.

"ما رأيت معجزة قط، لكنني عاينت السحر. هذا هو الشيء الوحيد الذي أعرفه مما قد يعيد رجلاً، صحيحاً ومعافى، من باب الموت".

بذل أرن ما بوسعه ليضحك، جاعلاً ذلك بمثابة رده.

"أحضِرتَ الأخت إلى هنا الليلة الماضية".

اخترقت نظرة ماهان التييري.

"ماذا فعلت؟"

— لقد صلت.

أظن أن ملكتها استمعت. هز سيد الأسلحة رأسه.

"أظن أنها فعلت أكثر. تماماً مثلما كنت مصاباً بجروح بالغة، وجاءت لزيارتك. وبُعيد ذلك، صرت معافى ثانية".

— ما أهمية الأمر، سحر أم معجزة؟

دوميتيان معافى.

"هي غير مصرح لها بالعمل بالسحر"، هسّ ماهان.

"يمكن بحق اعتبارها ساحرة شريرة، ممارسة للفنون الشيطانية. وإن عُرف أننا خالطنا ساحرة مارقة، فقد يتلوث هذا البيت بأسره بالارتباط!"

— بالتأكيد لا!

"الشيء الآمن الوحيد هو الابلاغ عنها بأنفسنا"، تمتم سيد الأسلحة.

ابتلع أرن ريقه. وأدرك أن الشرف والعقل طلبا المسار ذاته منه. كان عليه حماية هلينا، التي ما فعلت ذلك إلا لأنه طلب منها، وكان عليه منح ماهان حافزاً للحفاظ على صمته، لئلا يكشف تحقيق رسمي حول هلينا والمدرج أمره للسلطات أيضاً.

— لا تملك سحراً.

تردد، شاعراً بحالة الرجل الأخرى المضطربة، وعارفاً أن هذا لن يزيد الأمر إلا سوءاً.

— أنا أملكه.

نظر إليه ماهان بلا استيعاب.

"ماذا تقصد؟ أظن أنك استخدمت الإشارات الخاطئة".

— لا.

أنا ما تدعونه ساحراً. أطلق سيد الأسلحة ضحكة جافة تحولت إلى سخرية.

"لقد خضعت لفحص حين أتيت إلى هنا أول مرة. لا تقل ذلك قط، ولا حتى مزاحاً".

متأوهاً، مد أرن يده. وباستخدام رونته القوية، قبض على ماهان من ياقته بيد واحدة ورفع الرجل الضخم في الهواء بسهولة حتى لمس رأسه السقف.

"ماذا – أنزلني!"

ببطء، وبتحكم، أنزل أرن ماهان إلى الأرض. وأطلق سراحه وأشار بحذر: — أملك سحراً. تبعت سلسلة من الكلمات بلغة مجهولة لأرن، لكنه استطاع تخمين المعنى.

"تملك سحراً"، هسّ ماهان بين أثنانه.

"أتعرف ما يعنيه هذا؟"

توقع أرن أنه لا يريد إجابة فعلية ولم يقدم واحدة.

"كلنا مذنبون بالتجديف، بانتهاك القوانين المقدسة للساحة! سيلقون بنا للأسود، هذا المدرج بأسره!"

رأى أرن الفرصة ليكون طريفاً، لكنه ظل صامتاً.

"أيعلم السيد؟"

كف ماهان عن هذيانه الغاضب ليطيل النظر مباشرة إلى أرن ثانية.

"بالتأكيد يعلم. لهذا يتركك تفعل ما تشاء. النار الأبدية، لقد أهلكتمانا كلاكما!"

سار خارجاً، مصقعاً الباب خلفه. أطلق أرن تنهيدة ومدد على فراشه. ازداد عدد الناس الذين يعرفون سراحه، وكان الوقت ينفد.