انطباعات. قضى أرن ليلة طويلة أخرى يمتص الطاقة من قطن الروني الذي ظفر به من مهمته الأخيرة. لم ينتهِ إلا مع بزوغ الفجر، وكان سيشفع له قلة النوم تلك خلال النزال، لكن الأمر نجح. رمى الحصاة الفارغة في الهواء، ليلتقطها بيده الأخرى بسرعة تُثير حسد صقر منقضٍ. أرسلت الرونية المستعادة في ذراعه ومضات ألم تهز كيانه، لكنها لم تكن سوى ما يسهل احتماله. لم يبقَ الكثير الآن. لم يتبقَ له سوى رونية واحدة ليستعيدها.
استناداً إلى عدد النزالات التي سيخوضها خلال ألعاب الانقلاب، كان بإمكانه سرقة ما يكفي من قوة الحياة لاستعادة أغلب قواه المفقودة. مع إيجاد هيلي لحلّ يتخلص به من دمالة الذراع اللعينة التي تبقيه حبيساً في أكيلا، أصبح أرن على وشك الجاهزية التامة. ما زال الانتقام وحده بانتظاره، وهو ما عجز بعد عن صياغة خطة أو إدراك معالمها لأجله. لكنه رصد عدوه عن كثب، وثبت له نفع ذلك.
أدرك أرن أن سالفيوس لم يتعرف عليه، وأنهما معا في أكيلا، وأن قدرات فارس السحر لا تضاهي قدرات الشالد، ولا حتى لشالد واهٍ كأرن.
* * *
بعد الفطور، توجه التايري نحو مشغل الطبيب. كان دوميتيان لا يزال مستلقياً على اللوح، تغطيه بطانية ووسادة من القش تحت رأسه. عيناه مغمضتان، لكن عرقاً كثيفاً يكسو وجهه. لفت انتباه الطبيب، فرفع أرن لوحه. كيف حاله؟ هزّ العجوز كتفيه.
"سلني غداً مجدداً."
تناول أرن قطعة قماش عوضاً عن ذلك ومسح بها وجه دوميتيان. أيقظه الإحساس، فحدق في أرن بعينين هائمتين.
"الشمالي! عدت بالفعل. لم تنسَ الذهاب، أليس كذلك؟"
التفت أرن إلى الطبيب وكتب على لوحه، اتركنا. تمتم العجوز باعتراض، لكنه امتثل.
"مرضى يطردون طبيباً من مشغله، ليحميني النجوم من هؤلاء المصارعين..."
حين خلا بهما المكان، كتب أرن، ذهبت. دفعت تاجَين إلى م. حدق دوميتيان في اللوح، وعيناه تلمعان من الحمى.
"من؟ أه، ماريوس! حسن، أيها الشمالي. لا أزال أدين له بثلاثة أخرى فقط."
لماذا؟ ابتسم دوميتيان.
"أرأيتها؟ فتاتي. أليست رائعة؟"
كان أرن أكبر من أن يفتنه سواد عينين، لكن الوقت لم يكن مناسباً للجدال. أراد أن يتيقن إن كان صديقه يُستغفل. أجل. من تكون؟
أوضح دوميتيان: "فتاة من الجزيرة. والداها ميتان. عُرض عليها العمل هنا على الطرف الآخر."
كان نفسه يتقطع في فترات متباعدة، وندم أرن على دفعه نحو التوضيح.
"تعلمت لغتنا على ظهر السفينة. وأدركت المصير الذي ينتظرها. مجرد إضافة غريبة أخرى لأي بيت بغاء مرموق، تُباع وتُشترى كحيوان في قفص!"
لم يختلف الأمر كثيراً عن مصير آخرين، ككل أسير حرب، لكن أرن احتفظ برأيه لنفسه، راجياً أن ينتهي صديقه من الكلام ويعود للراحة.
"حين رست السفينة، هربت تلك الفتاة الذكية بحياتها. لاحقها أولئك الأوغاد، وهنالك أتدخل أنا."
ابتسم دوميتيان، محملقاً في الفراغ.
"أريتهم من أنا، وهم يتحرشون بالفتيات البريئات."
قصة معقولة في غالبها، إلا أنها لم تفسر كل شيء. تردد أرن بين غض الطرف ورغبته في الفهم. كتب أخيرًا، والفتى؟ المال؟ استغرق دوميتيان لحظات ليقرأ الأسئلة؛ وبدا وكأنه نسى للتو أنه ليس وحده، فحدق بذهول في اللوح الماثل فجأة أمام عينيه.
"الفتى. المال. مال الفتى. استأجرنا رجلاً ليحضره. ليجمع بين الأخت والأخ. نسيت اسم الرجل فجأة. صنف بغيض، لكنه الوحيد الذي قبل."
اتسعت عيناه فجأة.
"نسيت أن أدفع! كنت سأذهب الليلة!"
بذل أرن وسعه لتهدئته — وهي مهمة عسيرة حين يعجز عن نطق ما يسكّن روعه — واستخدم القماش مجدداً ليخفف عنه. فسر هذا أين ذهبت كل أرباح دوميتيان؛ وسواء كانت فتاة الجزيرة تستغل المصارع أم لا، فقد رأى أرن أن الأمر قابل للتأويل. بغض النظر عن ذلك، تشبع فضول أرن. وما عاد يهم الآن سوى تعافي دوميتيان واستعادة صحته.
* * *
"يا رئيس، هناك امرأة هنا تريد مقابلتك."
أطلّ رجل ضخم ذو أنف مكسور برأسه من خلف إطار الباب، ناظراً إلى ماريوس الجالس في الغرفة الداخلية. كانا داخل إحدى الشقق الصغيرة المتناثرة حول الموانئ، شاغلين وحدة واسعة بدلاً من تلك المكونة من حجرة واحدة.
"أتبدو ممن يملكن المال؟"
"ثيابها ليست سيئة."
"أدخلها."
بعد لحظة، دخلت فاسيليا، مع أن شيئاً في مظهرها لم يدلِ على أنها سيدة برج السحر. كانت متبدية بثياب زوجة باتريكي، بعباءة ثقيلة وغطاء رأس. تفقدها ماريوس بملء عينيه.
"بأي شيء أخدم سيدتي الفاضلة؟ نقدم شتى الخدمات. حل المشكلات، جلب البضائع صعوداً وهبوطاً، أو الأشخاص. ونقبل شتى أنواع الدفع."
رمقها بنظرة ماكرة. انبعثت منها دفقة سحرية خفية.
"لا أرتدي ذهباً. هذا يسهل الأمر قليلاً."
"هاه؟"
تحركت حول المكتب. رفع بصره إليها مذهولاً وهي تلمس صدغيه، لتتوهج كفها بالسحر.
"حظيت بلقاء تايري في الأيام الماضية. أليست هذه الحقيقة؟"
أجاب ماريوس بصوت خاوٍ: "نجل."
"دفع لك مالاً؟"
"أجل. تاجَين."
"وأوجع رجالَك ضرباً؟"
"أجل. فعل."
"أتتذكر مظهره؟"
"أجل. أتذكره."
قالت له فاسيليا، وتشتد توهج الأصابع المحيطة برأسه: "صغ إلي جيداً. هكذا كان شكله. شابّ ذو شعر بني طويل. وإذا سألك أحد إن كانت بوجهه ندوب، فأخبرهم بأنه بلا ندوب."
"أجل."
"صف التايري الذي التقيته."
جاءت الكلمات بنبرة رتيبة: "شاب ذو شعر بني طويل."
"أكانت بوجهه ندوب؟"
هزّ ماريوس رأسه ببطء.
"لا، لم تكن."
ابتسمت فاسيليا وتراجعت بينما كان ماريوس يطرف بعينيه مراراً. وخبا التوهج المحيط بيدها.
"جيد جداً. والآن أنصحك بأن تدخل رجالَك هنا، واحداً تلو الآخر، لأجري معهم الحديث ذاته."
خرجت كلماتها محملة بالنبرة المؤكدة. أومأ ماريوس لنفسه، كأن الفكرة نابعة من رأسه.
"حاضر يا سيدتي الفاضلة، سأجلب البقين لتتحدثي إليهم."