طائر الدم الفصل 21 — التحدّي

اقرأ طائر الدم الفصل 21 — التحدّي باللغة العربية على مانجا تايم.

تقدّم أرن من الصف. اقترب من طاولة عليها أسلحة تدريب متنوّعة. اختار ترساً أولاً فشدّه إلى معصمه، ثم التقط نَصلاً يناسبه.

قال له خصمه وهو ينتقي سلاحه بدوره: "تذكّر يا رجل الشمال، إنّها مجرد مبارزة".

كان هو الرجل الأصلع الذي حادثه قبل قليل.

ابتسم له وتابع: "لا تقتلني".

دخلا الحلبة معاً. رمق أرن وجوه الحاضرين المترقّبة المنتظرة لعرض مسلّ. لم ينوِ التايريني منحهم أكثر ممّا تحتاجه الحال. أسقطت امرأة قطعة قماش إيذاناً بالبدء، وكانت ترتجف توتراً، فتقدم أرن وساحه مرفوعة. عارض خصمه الحركة ليصدّ، فاستمد أرن قوّته من رمزه. اصطدم السيفان بقوّة حتى تهشّمت النصال الخشبية. ارتبك المصارع الآخر، فأفلت أرن القبضة واقترب بخطوات حثيثة ودفع خصمه بقوّة هائلة هوت به أرضاً.

انتهى القتال. لم يحاول أرن إخفاء الاشمئزاز البائن على وجهه من الأقويلين المحدقين به، فنزع الترس عن معصمه وألقى به بإهمال.

تمتم الأصلع وهو ينهض: "بعين الشمس، أتمنى ألا نلتقي على الرمال قط".

أعلن المُضيف بصوت جهوري: "المعلم إيغنيوس، يا له من بطل!".

وتبدّد التوتر وسط الهتافات والتصفيق.

"من أين نبشت مثل هذا الرجل؟"

أجاب اللانيستا: "متواضع أمام مديحك يا معلم فلايوس. وحش همجيّ من أقصى الشمال، أُلقي القبض عليه أثناء الإغارة على أراضينا. قتل عدداً من الجنود، وتطلب إخضاعه تعاون خمسة آخرين".

عقب صوت آخر بتباطؤ: "أندهش لمجازفتهم بأخذه حيّاً. أي همجي شمالي يقتل جنودنا لا يستحق سوى الموت".

تحوّلت نبرته العادية في كلماته الأولى إلى عداء، فرمقه أرن بنظرة. بخلاف الضيوف الآخرين المرتدين أزياء ملونة، ارتدى تونيكا سوداء عليها نسر فضي.

علق المُضيف: "أنت محقّ بلا شك. لكن فكر بما سنفوته من استعراض!".

ما إن سمع الاسم حتّى استنفر أرن كل إرادته ليبقي ملامحه ثابتة خوفاً من افتضاح مشاعره.

تحدث آخر: "لديك دراية بهؤلاء الهمج. ألم تقضِ بعض الوقت في الشمال؟"

"نعم. وقت بالكاد أعتزّ به".

رمق سالفيوس، الواقف بوقفة المحارب، أرن بنظرة خاطفة. لم تظهر أي علامة تعرف في عينيه؛ فبين لحية أرن وشعره المقصوصين، ناهيك عن الندبة التي تزين وجهه، لم يعد يشبه نفسه القديمة. أدرك أرن أن سالفيوس فارس سحريّ في الفيالق الأقويلية؛ ضبط رفيع المتبة يمتلك قدرات سحرية تدعم براعته القتالية. مقاتل قوي لا شك في ساحة المعركة وسط الجنود العاديين، لكنه يظلّ عرضة لكل القوى التي يجيد الشالد توظيفها.

ليت أرن امتلك تلك القوى كاملة، لكان انتقم منه في تلك اللحظة بالذات، أما الوضع الراهن فجعل الفوز مشكوكاً فيه.

أعلنت امرأة من الطبقة الراقية: "مفهوم، نظراً لأن التايريني يبدو الليلة الأقوى بين الجميع!".

"لا عجب في إحجام الإامبراطور عن التوسع شمالاً. إن وُجِد أمثاله كثر، فلن أود الاستقرار في نوردمارك أيضاً!".

أكد سالفيوس: "إنه مجرد رجل. يستطيع أي فارس سحري أقويلي هزيمة مئة مثله".

ويمكن لأي شالد تدمير أقوى فارس سحري، هكذا حدّث أرن نفسه. ستسحق الغالدرا والرموز هذا الساحر الثرثار في قتال متكافئ، وهو ما ينبغي للأقويلي إدراكه بمعزل عن لقائهما الأخير.

"أرنا!"

"نعم، لِنرَ ما يستطيع الأقويلي فعله!"

انضمت أصوات أخرى إلى الجوقة. رفع سالفيوس يديه متظاهراً بالممانعة قبل أن يتقدم ليختطف نصلاً من الطاولة، فانفجرت الهتافات. التقط سلاحاً ثانياً ودخل الدائرة ليواجه أرن، رامياً السيف الثاني نحوه.

ابتسم بخبث: "هيا أيتها العيون الشاحبة، اضرب بكل قوتك!".

تجاوب التايريني، رغم علمه بضرورة تجنب السحر ضد ساحر؛ فشن هجومه مقاتلاً كأي مصارع آخر. تصدى سالفيوس لسلاحه بسلاحه الخاص، لكن سحراً نقياً تلألأ حول الفارس السحري، بما في ذلك ما يمسكه، حامياً إياه من الضرر المادي؛ فتحطّم سيف أرن حين اصطدم بالحاجز. تعالت صرخات النصر من الحشد، وابتسم سالفيوس لهم. وحين رأى الدرع السحرية تخبو، قذف أرن قبضته في وجه الفارس السحري مباغتاً إياه.

أصابت ذقنه، فابتسم التايريني هذه المرة. لمس سالفيوس ذقنه بحذر وهو يرمق المصارع. تقدّم محركاً نصله بسرعة خارقة للطبيعة. عجز أرن عن الصدّ لعدم حمله سلاحاً، لكن السلاح لم يكن فولاذياً ولم يمتلك حدّاً؛ فاستجمع قواه ورفع ذراعه مستخدماً إياها للصدّ. متجاهلاً الألم إثر ضربة السيف الخشبي، اقترب أرن بخطوات حثيثة ودفع الفارس السحري المختلّ توازنه بقوّة أطاحت به أرضاً. قد يعدّ البعض القتال منتهياً بسقوط رجل، لكن سالفيوس تدحرج ونهض باحثاً عن متابعة القتال بوضوح.

كان قد أسقط سلاحه في غمرة الحركة، فاقترب من أرن حاملاً قبضتين مرفوعتين. ترحّب التايريني بالأمر رافعاً يديه، وتبادلا اللكمات دون نتائج متكافئة. سمح الفارس السحري لأرن بتسديد ضربة كي يقترب ويرد عليها. وبما أن سالفيوس استطاع استدعاء سحره للحماية، لم يلحق أرن به أضراراً فعلية، بل تلقاها فحسب. علاوة على ذلك، أدرك سالفيوس كيفية تعزيز نفسه بالسحر مثلما فعل أرن برموزه؛ فجاءت لكماته بقوة خارقة للطبيعة، تاركة التايريني مدججاً بالدماء والكدمات.

تحدّق عينا الشالد في الفارس السحري مفكّراً في مدى سهولة هذا النزال المفترض. ترنيمة غالدرا واحدة في أذني الرجل ليركع، أو إلقاء رمز كبير لرميه طائراً في الهواء. بيد أن أياً من ذلك تطلب كلاماً. امتلك أرن رمزه الأصغر للقوة، ممّا منحه قوة تضاهي الفارس السحري؛ لكن أي استخدام للسحر، مهما حاول إخفاءه، سيعني إعدامه إن اكتُشف، لذا تقبل اللكمة تلو الأخرى.

صرخ سالفيوس بغية إمتاع المتفرجين لا خصمه: "أكتفيت أيها الهمجي؟".

أدرك أرن وجوب استسلامه. فهو لا يجني شيئاً من هذا النزال، ولا يقدر على هزيمة ساحر بلا استخدام سحره الخاص. تاق لصرع هذا الفارس السحري بالذات من بين كل الأقويلين، لكن الوقت والمكان لم يحين بعد. مع ذلك، وعندما أبصر هذا الحشد الواثق أتم الثقة بقوة إمبراطوريتهم وحقهم في التعدي على أراضي تايريا، تحرّك شعور في داخله. مثّل في تلك اللحظة قبائل تايريا التسع جميعها، وكانوا يتعرضون للتحدي؛

وإن مرّ الأمر دون رد، فلن يزيدهم ذلك إلا جرأة. مسح أرن الدماء عن فمه ونهض. أسقطته لكمة أخرى فعاد للنهوض. لوّح بضربة واهية خلت من قوة رمزه، فتفادى الفارس السحري بابتسامة خبيثة ليرد بضربة أطاحت بأرن.

صاح صوت امرأة من بين الحضور: "حسبك!".

قال المُضيف بابتسامة نزعت الفتيل: "سيدي سالفيوس، أظن أن غايتك تحققت. ينبغي ألا نحرم الحلبة متعة رؤية هذا الرجل يقاتل على الرمال".

تنفس الفارس السحري بعمق وهو يرمق التايريني الناهض. انقلبت تعابير وجهه متخذة قناعاً من اللباقة.

"بالتأكيد. نسيت أننا برفقة ألطف مما في غابات تايريا المتوحشة".

تفرق الأقويليون مع انتهاء القتال. رمق أرن المصارعون بنظرات مشيحة لأسباب متباينة. التفت بصره نحو تجمع الكاهنات في الحديقة، لكن أغطية وجوههن حيلت بينه وبين قياس ردود أفعاله. مسح وجهه مطلاً على الدم الطافي على يديه، دمه الخاص، ولم يجد سوى حسنة واحدة لهذا النزال؛ فحالته المحطمة وإهاقه جعلاه أوهن من أن يشعر بالغضب الذي كان ينبغي لرؤية سالفيوس أن توقظه.

* * *

على الرغم من ضخامة برج الغموض، قلّ قاطنوه. احتل نفر قليل من المتدربين الطوابق السفلى. والتوى درج حلزوني ممتداً على طول الجدار الخارجي ليتيح الصعود إلى الأعلى. واُستخِصصت الطوابق الثلاث العليا لسادة البرج. وفيما كان أرن يقاتل في حدائق فلايوس، شقّ أتريوس طريقه صعوداً حتى بلغ باباً أحمر اللون يفصله طابقان عن قمة البرج. أخرج حجر حماية ولمس الخشب فانفتح متمايلًا. أبصر في الداخل حجرة نموذجية لساحر أركيني ارتقى إلى رتبة سيد البرج.

غرفة نوم، ومكتب، وورشة عمل مجتمعة في مكان واحد. نهضت امرأة مرتدية الأحمر لتحتفي بضيفها بابتسامة ما إن أغلق الباب خلفه.

"أتريوس".

"كورا".

تعانقا ثم افترقا.

"أقدر تخصيصك وقتاً للاستحمام قبل تلبية دعوتي".

"ما زلت أحتفظ بأخلاقي".

جلسا وسكبت المضيفة النبيذ لضيفها ولنفسها، فتقبل أتريوس كوبه.

"شكراً لك. الآن، لمَ طلبتِ مني المجيء؟ إلى أقويلا أعني".

"نعم، انتابني قلق متزايد. عملت أنا وبقية السادة بحرية معاً ذات يوم. أمّا الآن فنحرس أسرارنا بغيرة بالغة ولا نزور طوابق بعضنا بعضاً قط".

هزّ أتريوس كتفيه.

"تلك هي أركين بالنسبة لك. يسعى الجميع خلف طموحاتهم، والتحالفات مؤقتة وعملية".

عقبت كورا: "ربما، لكن شيئاً ما وقع. منذ نحو خمسة أيام. تجوّل مخلوق غير حيّ في شوارع أقويلا".

أنزل الضيف كوبه.

"أي نوع؟"

"النوع الأدنى، حسب ما بلغني. غالباً صنيعة عرضية".

أرخى كاسر التعاويذ كتفيه.

"إذن يُستبعد كونه مثالاً على الماليفيكوس. والأرجح أنه ساحر أقويلي أطلق سحره بغياب السيطرة".

"ربما. لكن ماذا لو كان الأمر يتعدى ذلك؟ تقع علينا مسؤولية التدخل إن تورط أي من زملائي السادة".

رمقته بعينين داكنتين تفليسان وجهه. أطلق تنهيدة بطيئة.

"في الحقيقة، نويت التعجيل بعودتي إلى أركين. إن ظننت أن الأمور تبدلت في هذا البرج، فذلك نزر يسير مقارنة بمدينتنا".

"ألا يمكنك تأجيل عودتك خمسة أيام أو عشرة ريثما تجري تحقيقاً؟"

"إن اضطررت فحسب. سيتطابق اقتراب الثلاثي مع بدر كامل بعد أشهر عدة، وأحبذ الوجود في أركين آنذاك".

عبست متسائلة: "أي سبب محدد لعجلتك؟ مثل هذه التوافقات تحدث مرة كل عامين تقريباً".

جاء دوره ليرمقها بحذر.

"أنا قلق. تعج أركين بالتكتلات السرية والزمر والفرق، وقد ركزت بصري على إحداها بالذات. وها أنا أجد الأبواب مغلقة والآذان صماء".

أمعنت كورا التفكير: "كالحال هنا. لكن لمَ يتركك ذلك قلقاً؟ لقد أبطلت مخاوفي للتو".

"يبدو الأمر مختلفاً. فالسرية في أركين تقارب جنون العظمة".

عبث أصابع أتريوس بساق كوبه دون أن تلتقطه.

"لا يشبه ذلك الخوف من سرقة المنافسين لأعمالهم، بل الخوف من اكتشاف كاسر تعاويذ لتورطهم في الماليفيكوس".

اتسعت عيناها: "سحر محظور يُمارس في قلب أركين؟ أتمتلك دليلاً؟"

اعترف قائلًا: "ولا حتى مثقال ذرة. لا أثر طفيفاً لشعوذة، أو سحر دماء، أو استعباد عقلي، أو أي صنف آخر من السحر المحظور. فإما أن مخاوفي لا أساس لها، أو أن نوعاً من السحر يُمارس خارج نطاق إدراكي".

حدق فيها مباشرة.

"وإن نويت طقساً جديداً غير مجرّب، لتنفذّته حين يلتقي الثلاثي في السماء تحت جنح بدر كامل".

توسلت: "حسناً، كما قُلْتِ، فالموعد يبعد أشهرًا. ألا يسعك إرجاء أيام معدودة لتحري ما جرى هنا؟ فقط لتبديد مخاوفي بشأن ضلال زملائي السادة".

أخذ كاسر التعاويذ نفساً عميقاً.

"حسناً. سأتقصى الأمر".