هدنة.
"أيها الشمالي. استيقظ."
يد لطخت خده بخفة فأدت غرضها مع آرن الذي فتح عينيه. لم يعرف الرجل الأسمر عريض المنكبين المنحني فوقه. وقف رجل عجوز يبدو أكويلياً على الجانب الآخر.
"اشرب هذا."
نظر آرن إلى قارورة صغيرة تكاد تتبين في يد الرجل الضخم. ذكريات رهيبة اخترقت عقله؛ مركب كريه حُشر في حلقه فتركه واهناً. على الرغم من حمّاه، أزاح آرن غطاءه وحاول القفز من السرير.
"أمسكوه!"
أمر ماهان واضعاً الإكسسوار على درج قريب ليخلي يديه وينفذ أمره. بذل الطبيب العجوز جهداً رمزياً فيما بالكاد سيطر على ذراع واحدة راح آرن يحركها بعنف.
"لا بأس،"
صاح ماهان مستخدماً قوته لدفع آرن مجدداً نحو السرير.
"احصلوا على المحلول فقط. اسكبوه فيه!"
تخبط آرن عبثاً بينما ثبتت يد رأسه وأمسكت أخرى فكه لفتحه عنوة. تدفق السائل في فمه وأُجبر على ابتلاعه. استمر في الالتواء لكنه أدرك عبثية الأمر فهدأ أخيراً.
"أيكفي هذا؟"
سأل ماهان.
"الملوك وحدهم يعلمون."
* * *
مع انحسار أحلام الحمى شعر آرن أخيراً بقدرته على ربط فكرتين متماسكتين معاً. فرز ذكرياته عن الأيام القليلة الماضية مفنداً ما ينتمي للماضي السحيق أو ما نسجه عقل منهك عما حدث فعلاً. لقد أُصيب وأنبته ألم حارق بعدوى حادة ربما تفاقمت بفعل ضعفه بعد امتصاص دماء ضحيته أو ربما كان النضال مطلياً بالسم. تلقى دواء ما ونسب إليه تحسن حالته طالما دام ذلك؛ ورغم افتقاره لمعرفة العطار أو الكيميائي لم يثق بأن هذا سيشفيه.
تمكن المرض من جسده بقوة تحول دون جدوى تلك العلاجات وتزيل أي أمل بتعافيه تلقائياً. كانت هذه هدنة ولن تدوم. وحدها السحر الحقيقي ينقذه. تحسست يداه الظلام ليجد لوحه أخيراً. وأمام الشمع استطاع أخيراً تمييز الحروف التي كتبها. عرف أنها تورية. غريب. محاها من الشمع وكرر الرسالة هذه المرة بالأكويلية آملاً أن يمتثل مساعدوه أو سجّانوه لطلبه. أرسل في طلب هيلينا.
* * *
مر الوقت. تناول آرن طعاماً وقُدمت له خمرة حامضة وإن لم تنفعه كثيراً. ومع انقضاء الساعات شعرت بالحمى تعود ببطء ولأول مرة صلى.
"لا أرى ما بوسعي فعله أكثر من ذلك،"
أعلن صوت خارج الغرفة.
"من يدرك؟ لكنه ما طلبه. لقد كتبه مجدداً وهذه المرة بالأكويلية."
"لكنني زرته مرة. لعله ارتبك ونسي. من الأفضل أن أتركه يرتاح بدلاً من إزعاجه."
"انظر قد يكون مشرفاً على الموت. يبدو قاسياً حرمانه أمنيته الأخيرة."
لم ترد نقاشات أخرى؛ انفتح الباب ودخلت الأخت هيلينا.
"سأقضي لحظة واحدة لا غير."
"لا داعي للعجلة."
أغلق ماهان الباب مجدداً. وما إن انفردت حتى التفتت الراهبة برأسها نحو التوريّ.
"دعني وشأني،"
قالت شاتمة من بين أسنانها المصطكة.
"لديك سحر. اشفني."
تلألأت عيناه وهي ترمقها. وصل ضوء قمر باهت عبر النافذة ليسمح له بتبين ظلها رغم عجزه عن رؤية وجهها خلف النقاب.
"ليس لدي،"
أجابت بالطريقة الصامتة نفسها.
"بل لديك. رأيت جروحك. تلتئم بسرعة. وحد السحر يفعل ذلك."
أخذ آرن أنفاساً عميقة؛ شعر بإعهاق ذهني وهو يحاول صياغة كلامه بما تيسر له من إشارات يعرفها.
"تكتمين الأمر. اشفني ولن أخبر أحداً."
"أتهدد..."
توقف وتتابعت الإشارات.
"أتهددني؟ بعد أن ساعدتك؟"
"نجل. اشفني أو أموت. موتي..."
لم يعرف آرن الإشارة المناسبة للضمير.
"موتي سيكقل كاهلك."
"أنت مريض بالهواجس،"
ردت هيلينا ولعل الغضب دفعها للكلام أو ربما بلغت أقصى ما تستطيع التعبير عنه بيديها.
"لن يصدقك أحد."
"كم معالجاً في الإمبراطورية كلها؟ خمسة؟ سيصدقون إن ظهر سادس."
تنفس بصعوبة بالغة.
"أنقذني. أنقذ نفسك. اشفني."
"لا أستطيع!"
عضت شفتها.
"لا يمكنني. لا أعرف كيف."
"جسدك يعرف. شفاك مراراً. يمكنك فعلها معي."
لم يعترف بأنه أقل يقينًا بشأن الشطر الأخير. السحر التوري يعمل بخلاف السحر الأكويلي؛ ورغم إلمامه بمبادئ الأخير لم يثق بانطباقه على طريقة تطبيقهم للشفاء لكونه نادراً ولم يشهده قط. لكن لم يكن أمامه خيار آخر.
"ضع يدك على جرحي. استعمل إرادتك. اطلب الشفاء. سينجح الأمر."
أو هكذا صلى آرن.
"لا أستطيع،"
تمتمت وبدت على وشك البكاء تحت النقاب الخافي لوجهها.
"هذا شرير. السحر شرير."
"إنه أملي الوحيد وإلا مت."
شعر بغشاوة الحمى تزحف على عقله. صار التركيز أصعب.
"لكنني سأخبرهم عنك أولاً. سيجعلونك تستخدمين السحر كل يوم. أو تفعلينها مرة. من أجلي."
"تستحق الموت!"
صاحت قبل أن تكمم فمها بيدها لتعصر النسيج الأسود بين أصابعها.
"وسأفعل. أو تساعدينني. وأصمت."
خيم الصمت بينهما مثقلاً بالنتن.
"كيف أفعلها؟"
"المس جرحي."
أبعد آرن الغطاء ليظهر الضماد الملطخ بالدماء. تحركت هيلينا للجانب الآخر من سريره ومدت يداً مترددة لتستجيب لطلبه.
"اطب الشفاء. استعمل إرادتك. سيسطاع سحرك."
صلى آرن كما لم يفعل قط راجياً أن يشفق عليه صانع الرعد مرة أخرى. تسللت اللحظات. رمش آرن محساً بالعرق ينحدر من جبينه نحو خده. بدا تنفسه كمنفاخ كور. رآها أخيراً. وميض سحر قد يخفى على من خلا من الموهبة. والأهم أنه شعر به. طاقة شفاء تتدفق في داخله لتعيد جسده لحالته الطبيعية وتصارع الآفات المهددة باجتياحه. تعثرت هيلينا مبتعدة. نزعت النقاب عن وجهها وتقيأت في إناء غسيل. إذ شعر بتحسن رفع آرن رأسه ليرمقها وهي واقفة وقد أعطته ظهرها.
تساءل أسيقتلها الجهد؛ فمستخدم سحر غير متمرن يحاول تعويذة مرتجلة كهذه قد يلقى حتفه. وإن اقتصر ما عانته على الإرهاق السحر المسبب للقيء وربما صداع مزعج فقد كانت محظوظة.
"انتهينا،"
تمتمت وأعادت نقابها قبل أن تواجهه.
"لا تحدثني قط. الموت أهون."
غادرت بالسرعة المتاحة لضعفها. أكأ آرن رأسه للخلف. ما زال واهناً؛ لم تنحسارة الحمى دفعة واحدة. فطاقة الشفاء لمبتدئ كامل لن تزيح كل أمراضه بيوم واحد كما توقع. أمل آرن بتوجيه ما بعد نيل ثقتها أن تعيد له لسانه لعل وعسى. ولربما كان أملا أحمق لغياب تدريبها وعجزها عن شفاء جرح ملتهب. وإن جناها من الراهبة فهذا فحسب؛ لم يندم. سيعيش. أغلق عينيه وأخذ نفساً عميقاً. سيعيش.