طائر الدم الفصل 16 — مسمار يضيع ملكاً يضيع

اقرأ طائر الدم الفصل 16 — مسمار يضيع ملكاً يضيع باللغة العربية على مانجا تايم.

لأجل مسمار سمع أرن زملاءه المصارعين يغادرون زلازلهم متجمعين لتناول الفطور وأدرك أنه لا أمل له في اجتياز التدريب. قلة النوم وفقدان الدماء أبطآ حركته وسيدرك ماهان فوراً أن ثمة خطأ ولن يستطيع تبرير جرح طعن. لم يجد مفراً سوى حيلة واحدة وإن كان ذلك لضعف قدرته الحالية على التفكير. نفذ خطته فنزع ضماداته الملطخة بالدماء وحشاها في تبن فراشه. شق أرن طريقه بخطى متعثرة نحو ساحة التدريب.

لاحظ من قبل مسماراً معوجاً بارزاً من الخشب وكان عليه الآن أن يتخذه نجاة مروعة. رغم حالته الواهية استمر السحر في طاعته واستخدم قوته لانتزاع المسمار. تردّد برهة وعض على أنيابه قبل أن يغرس المعدن الحاد في جرحه أخيراً. كادت الألم تعصف به مظلمة عينيه وما زاد الطين بلة نزيفه. غادر ساحة التدريب متعثراً صوب ورشة الطبيب.

* * *

"ما الذي حدث؟"

تمدد أرن مغمض العينين. منعه الألم والانزعاج من الاستغراق في النوم بينما صعّب عليه الإرهاق الانتباه لما يحيط به. مع ذلك تعرف على صوت ماهان.

"أصيب أحدهم بمسمار في جنبه."

جاء الرد من الطبيب.

"ماذا؟ وكيف يعقل هذا؟"

"حسناً الكثير من الخشب القديم هنا بحاجة للاستبدال. أو ربما كان خطافاً معلقاً على جدار ما"

تخمن العجوز.

"لا يفترض بجرح أن يسقط مقاتلاً متمرساً."

"لأكون صادقاً بدا الأمر أشبه بطعنة سكين. وكان المسمار غائراً فيه كأن أحدهم استعمله خنجراً ضده."

عقب ذلك لحظة صمت.

"سأتحقق من هذا"

نطق ماهان أخيراً.

"وانقله إلى الدار الداخلية. واصل علاجاتك."

"نظفت الجرح ووضعت الضماد وربطته. لا أملك أكثر من هذا. أينبغي إعلام السيد؟"

"غادر أمس في شأن عمل. ولن يعود قبل عشرة أيام على الأقل."

أنبأته خطى المنسحبين بأن ماهان قد سارع بالابتعاد.

* * *

في لحظة ما استغرق أرن في النوم. حين استيقظ زادت البيئة غير المألوفة من الضباب المخيم على عقله. استلقى في فراش حقيقي وامتد الألم كحلقات من خاصرته كلما تحرك أو لمس جنبه الأيسر. ورغم الأغطية الثقيلة شعر بالبرد وانكمش أكثر تحت حمايتها. في مرحلة ما ورغم جهله بمدة استيقاظه دخل رجل واستغرق الأمر برهة ليتعرف على معلم الأسلحة.

"أيها الشمالي. عليك إخباري بما حدث. أهمهاجم هاجمك؟"

طفَت ذكريات شتى على السطح. خنجر مُلقى أصاب جنبه. ورغم شعوره بالضعف أمره شيء ما بإبقاء الأمر طسماً. فتح أرن شفتيه ليتظاهر بالجهل حين أدرك أمراً مرعباً؛ لم يكن يملك لساناً بل مجرد قطعة في فمه. عجز عن الكلام حتى لو أراد. حسناً هذا ما جعل كتم الأسرار أيسر.

"يمكنك استخدام إشاراتك"

أخبره ماهان.

"سأفهم."

حدق فيه أرن بعينين زائغتين وأدار رأسه بعيداً.

* * *

أيقظه صوت أصوات غير أن أرن أبقى عينيه مغلقتين تفادياً للإفصاح بأنه يستمع.

"حسناً؟"

سأل ماهان.

"مصاب بححمى. غريب. جرح أُصيب به صباحاً لا ينبغي أن يلتهب بعد نصف يوم. لم تظلم السماء بعد"

تمتم الطبيب.

"إنه في حالة واهية بشكل غير طبيعي."

"الشيطان يأخذني"

تمتم معلم الأسلحة بدوره.

"رحل السيد ويحدث هذا. ما الذي يحتاجه؟"

"ربما يصارع جسده المرض وحده"

تأمل العجوز.

"وإن لا فالخيمياء أو معالِج."

"أشك في قدرة السيد على تحمل تكلفة الأخير حتى لو كانت حياته على المحك. لكن إكسير ما قد يكون مقدوراً عليه."

"ماذا يقول المقاتلون الآخرون؟"

"يزعمون جميعاً أنهم لم يروا شيئاً. سألته هذا الصباح لكنه بدا غائباً ولم يجبني."

صوت جلبجة أشياء تُبعثر لعلها أدوات الطبيب.

"سأعود غداً لتغيير ضماداته."

* * *

بينما داهمته الحمى وجد أرن قبضته على وضعه تتداعى. دخل الغرفة أشخاص مجهولون له وأطعموه أو سقوه الماء بسرعة وكفاءة كما يُسقى شجر في حديقة يهددها الجفاف. وتتعرض جروحه أحياناً للعبث باعثة ألماً يسري في جسده. لم يخاطبه أحد وحين نوى فعل ذلك عجز عن إيجاد الكلمات قبل مغادرتهم مجدداً. حظي بلحظات وعي معدودة؛ وبالتطلع للخارج رأى ضوء الشمس عاجزاً عن تبين أي يوم هو. تذكر امتلاكه لسرا.

لا يحق لأحد معرفة سحره أو كيفية إصابته. ورغم إهاكه تمسك بتلك الفكرة مدركاً أهميتها القصوى. وعلم بسر آخر. راهبة تخفي سحرها هي الأخرى. آن الأوان لاستغلال ذلك. ورغم صعوبة التفكير جراء حالته أدرك أرن حاجته لمساعدة تفوق ما يقدمه طبيب الفقراء؛ وعزز ضباب عقله هذا الاعتقاد. ولحسن الحظ جلب أحدهم لوحه إلى الغرفة بذهن صافٍ. ماداً يده نجح أرن في التقاطه وفك شقيه. مرتجفاً من الحمى وبال بالكاد يستجمع تركيزه نقش حروفاً على الشمع.

أرسل في طلب هيلينا.

* * *

أيقظ أرن إحساس بارد بقطعة قماش مبللة على وجهه وتمكن من تمييز حجاب داكن يعلوه. حاول التحدث فما خرج سوى نقيق؛ لقد نسي مجدداً افتقاره لتلك القدرة.

"أرن؟ أتسمعني؟"

ببطء وبشيء من العناء للاستلقاء أومأ أرن.

"قالوا إنك طلبتني. وإن لم يكونوا واثقين. كتبت بحروف تيورية لذا اضطروا للبحث عمن يقرؤها."

بمشقة استعاد طريقة التواصل معها. 'ساعديني.'

"سأدلّي لأجلك بالطبع! وبإمكانني جعلك تشعر بتحسن."

أعادت القماش إلى وعاء الماء والتقطته لتعصره. 'لا. ساعديني. بالسحر.' أوقفت حركتها لبرهة قبل وضع القماش البارد على جبينه.

"أنت أسوأ مما ظننت."

'أعلم أنك تملكين سحراً.' زفر أرن متثاقلاً في تنفسه.

"سأصلي لأجلك يا سيد أرن."

اعتدلت فجأة وألقت القماش في الوعاء باعثة رذاذ الماء ومغادرة غرفته بخطى عجلى.

* * *

بدت النافذة مشرعة لإدخال هواء نقي لغرفة يثقلها العرق والمرض لكنها في ليلة غائمة بلا قمر لم تقدم ضوءاً. مستلقياً في العتمة يتأرجح بين أحلام الحمى والاستيقاظ مرتعشاً من البرد تحت الأغطية كان عقل أرن في متاهة. وجد نفسه يتسلل إلى معسكر متفادياً الحراس ليذكر وجوده في الحلبة مع أسد يمزقه إرباً قبل أن يفتح عينيه لاهثاً ظاناً عودته لجزيرته الأم ومتسائلاً عن سبب اختلاف منزل عائلته.

حاول مناداة أمه أو أبيه فما صدر عن فيه سوى أصوات مبهمة. مسح العرق عن جبينه وتذوق الملح صدفة بمرور يده على شفتيه لاحقاً. حرك أصابعه لمس رُنس التعافي على فخذه الأيسر متسائلاً لِمَ لم يتفعل لمساعدته على التحسن؛ وقدم نسيج الندبة الملامس لأطراف أصابعه إجابة عجز عقله المكدود عن إدراكها. مع إشراقة الصباح ازدادت حماته سوءاً فحسب.