نصل في الظلام كان أول ما فعله آرن هو تدبير سيف. لم يواجه عناءً يُذكر سوى أن الساقي في حانة الصاري المكسور لم يكن يجيد القراءة، فاضطر لاستدعاء الفتاة العاملة التي تقرأ. ما إن استوعبا أن السلاح المخبأ تحت المنضدة مخصص لآرن، حتى سلّماه إياه بلا تردد، كأن مناولة السيوف جزء معتاد من مهام عملهما. كان سيفاً قصيراً، يختلف عن ذلك الذي مُنح له سابقاً، وخالياً من أي علامات تخص الفيلق.
شدّه إلى حزامه ومضى عابراً بسرعة، فأمامه مسافة طويلة أخرى يمشيها، وتساءل آرن إن كان يجدر به مطالبة سلاح أطول يناسب أسلوب قتاله، لكن في المقابل، كان السلاح القصير أسهل خفاءً تحت عباءته، وبالنظر إلى كثرة من يحملون هذا النوع من الأسلعة، فلن يلفت الانتباه حتى لو لمحه الآخرون. ما إن بلغ حانة أخرى حتى اشترى كوب جعة وانطوى في ركن. لم يشرب منه إلا نزراً يسيرًا، مسكوبًا الشراب خفية كلما سنحت فرصة؛
وحين فرغ الكوب عاد إلى المنضدة واشترى آخر. هكذا، تقمّص أفضل أدواره كمسافر متجهم، ينفق نقوده بشق الأنفس ليثمل بينما يراقب المكان خلسة. لا أثر لهدفه بعد، مما قد يعني أنها آوت إلى غرفتها في الطابق العلوي — ظن آرن أن غرفتها في الطابق الثاني — أو أنها غائبة تماماً. نال صبره مكافأته أخيرًا عند كوبه السادس، وقد نفد معظم فضيّه. انفتحت أبواب الغرفة الخلفية بعنف. عبر رجل المكان مهرولًا، فاصطدم بكرسي وأثار ضحكات.
وحين مرّ من جوار آرن، لمح المنشد ما دفعه للخروج. كان جرح يمتد على خده، وتشبثت إحدى يديه بالأخرى عند صدره؛ وبدت الأصابع منتفخة ومكسورة. أفرغ آرن كوبه، وتوجه إلى المنضدة ليشير بإبهامه فوق كتفه نحو الأبواب التي ما زالت تتأرجح إثر خروج الرجل المصاب المتعجل.
" مجرد أحمق آخر مدين بدين لا يطيق سداده،"
هكذا أوضح الساقي متعاونًا وهو يملأ كوب آرن.
"الأفضل أن تحرص على ألا تشرب إلا ما تطيق ثمنه يا صديقي."
ناول آرن بعض القطع النحاسية وعاد إلى مقعده. بعد لحظات، رأى امرأة مقطوعة الأذن تخرج بخطى واسعة من الغرفة الخلفية متجهة إلى السلالم.
* * *
انتظر آرن قدر ما استطاع تحمله، إذ لم يدْرِ إن كانت فيرا منشغلة بمهام أخرى تبقيها سهرانه؛ وظن أنها ستضطر للنوم في مرحلة ما، فمنحها كل الوقت الذي يحتمله وقته. حين لم يتبقَ على الفجر سوى ساعات قليلة، قرر التحرك أخيرًا. غادر الحانة، ورفع غطاء رأسه وطاف حول المبنى. كانت له فناء خلفي مسور، مخصص لتسليم المؤن وتخزينها. وتأكدًا من خلو الزقاق، استدعى آرن رونه وفعل كما فعل في مدرسة المصارعة، متسلقًا الحاجز بقفزة واحدة.
حالفه الحظ في تلك الساعة المتأخرة؛ كان الفناء فارغًا. وجاءت الصعوبة التالية. لم يغامر بدخول المبنى واجتياز الممر باحثًا غرفة إثر غرفة. لكن لابد أن غرفة نوم فيرا في الطابق العلوي، إذ شغل الطابق الأرضي الحانة وحدها. رفع بصري، فرأى آرن أربع نوافذ، لكل منها مصاريع. وكما فعل سابقًا، قفز آرن حتى أدركت إحدى يديه حافة النافذة. وبالأخرى، دفع أحد المصاريع ليفتحه وجذب نفسه صاعدًا لينظر إلى الداخل.
شكّل غياب ضوء القمر وما تبعه من عتمة عقبة أخرى، لكن آرن استنتج أنه ينظر إلى غرفة دراسة. وترك نفسه يهبط إلى الأرض، خمن آرن أن فيرا تحتفظ بغرفتها قريبة لسهولة الوصول. ووضع هذا في بالحسبان، فكرر الإجراء مع النافذة الأقرب، قافزًا ليقبض على الحافة، ويفتح المصراع عنوة، ويلقي نظرة بالداخل. هذه المرة، رأى محتد سرير، ووصلت أذنيه أصوات شخير خافت. بحذر، رفع آرن نفسه أكثر، وما إن كاد يعبر إلى داخل الغرفة حتى لمح خيطاً رفيعاً ممتداً عبر النافذة.
وتخيل أنه مربوط بشيء يحدث ضجيجاً كبيراً إذا انقطع. مسروراً بفطنته لملاحظة ذلك، دفع آرن نفسه صاعداً ببراعة وتجاوز الخيط بحذر. صار بالداخل. استل سيفه، ونظر آرن إلى المرأة النائمة متأكداً من أنها لا تملك سوى أذن واحدة حقاً. حان وقت الضربة. تردد. رغم أن آرن قتل الكثيرين من قبل، فقد واجهوه دائماً بسلاح في أيديهم، ولم تكن له عداوة مع هذه المرأة أيضاً. عارض جزء من آرن ما يعد جريمة قتل بدم بارد.
ومع ذلك، همس صوت آخر في أذنه، مع سحر آرن، لا فرق إن واجهه أحدهم نائماً أو شاهراً سلاحاً؛ فلن تكون له أي فرصة على أية حال. لم يقدم المصارعون الذين قتلهم في الحلبة أي إساءة إليه، ولم تكن لديهم فرصة تذكر لمقاومته، وقد ذبحهم آرن جميعاً على أي حال، بل واستمتع بذلك لأنه سمح له استعادة قواه. ورغم أن هذه المرأة ربما لم ترتكب شيئاً ضد آرن، إلا أنها لم تكن بريئة أبداً؛ فما من أحد يدفع للمشعوذين لاغتيال الأناس الشرفاء.
والحجّة الأخيرة، ولعلها الأقوى التي حدّث بها آرن نفسه: بفعل هذا الآن، ودون إزعاج، يستطيع امتصاص حياته ليغذّي بها نفسه أكثر. دافعاً الشك جانباً، ضغط آرن بيده الطليقة على فمها واستخدم السيف في الأخرى ليطعنها في صدرها. اتسعت عيناها وبرزتا. حاولت فتح شفتيها لإطلاق صرخة، بلا جدوى. عرف آرن أين يضرب، بين الضلوع، وجاءها الموت في لمح البصر. وحين فارقت الحياة جسدها، استولى عليها آرن وأجبرها على دخول نفسه، ليجعل شجرة سيده تنبت فرعًا آخر.
وبهذه القطعة المسروقة من السحر، سيخضع عنصر الماء لإرادته مرة أخرى. وكالعادة، سرعان ما حلّت البهجة محلّ الانتكاسة المرتقبة، رغم أن الخبرة السابقة ساعدت آرن على تجاوزها. تشوش بصره، لكن ليس طويلاً؛ وارتجفت ركبتاه تحته، وسقط بجوار السرير، لكن بعد لحظات، استطاع الوقوف مجدداً، وإن ظل يشعر بالغثيان. متذكراً ما يحل بجثث من يمتص قواهم، التقط آرن سيفه وانتزعه من الجسد. مستدعياً رونه، وجه ضربة قاضية ليحتز رأسها بضربة واحدة، محطماً أي فرصة لتعود حية كشبح هامد.
وما زال يتعافى من آثار انتكاسة الامتصاص، تجمد آرن حين سمع طقاً على الباب.
"فيرا؟ آسف لإزعاجك. سأدخل إن كان هذا يناسبك."
متخبطاً، ألقى آرن بسيفه من النافذة ووثب إلى الحافة ليهبط ويفر. وفي عجلته، نسي أمر الخيط، الذي انقطع الآن، مما جعل طبقاً وكوبين يسقطان على الأرض بضجيج مدوٍّ.
"فيرا؟"
انفتح الباب بعنف، ونظر الحارس من الجثة مقطوعة الرأس في السرير إلى الشكل القافز من النافذة.
"النجدة! جريمة قتل!"
كان آرن على الأرض. لم يتبين سيفه فوراً، ولم يهتم؛ فلم يكن في حالة صالحة للقتال، وكانت فرصته الكبرى في الفرار. راكضاً عبر الفناء الصغير، جهّز آرن نفسه واستجمع قواه مجدداً ليقفز فوق السور. وحين همّ بالهبوط، لمح النافذة ورأى الحارس يقذف نحوه سكيناً. لو كان آرن يمسك بسيف، لاستطاع استخدام أغنية نصله لاعتراضه؛ أو لو امتلك رونه السرعة، لأمكنه التقاط السلاح في الهواء. لم يملك أياً منهما، فاستقر السلاح في الجانب الأيسر من خصره، مغروساً بعمق.
متأوهاً من الألم، انتزع آرن السلاح وقذف به بعيداً قبل أن يترك نفسه يهبط من فوق السور. مترنحاً، لاذ بالفرار إلى عتمة الأزقة المحيطة.
* * *
حين ترك آرن مسافة بينه وبين أي مطارد محتمل، انهار على الأرض. بين عقاب الامتصاص وطعنته، كان في حالة مزرية. ضغطت إحدى يديه على الإصابة، بينما عبثت الأخرى لتمزق جزءاً من قميصه وتستخدمه خرقاً لوقف النزيف. وإدراكاً منه أنهم سيشرعون في البحث عنه، عاد للوقوف واستأنف جري المتعرج؛ وبينما ضغطت يده اليسرى بقطعة القماش على جرحه، فكت يده اليمنى غمد السلاح الفارغ إلى جانبه وألقته بعيداً.
كان آرن ينوي التوجه نحو الموانئ لتحصيل أجرته مباشرة؛ وتبين الآن أن هذا طموح مبالغ فيه. فهذا سيضاعف رحلته، وكان بحاجة لبلوغ مكان آمن بأسرع ما يمكن. لحسن الحظ، سلك هذا الطريق الليلة الماضية، وحتى في حالته الراهنة، تذكر المسار. رغم أنه لم يتخيل يوماً مثل هذا التردد، فإن رؤية السور المحيط بساحة تدريب مدرسة المصارعة كانت رؤية مرحباً بها. بجهد أخير، مستعيناً برونه مرة أخرى، تسلق الحاجز.
بأسرع ما أمكن، عاد إلى زنزانته. مستخدماً الماء في جرته، غسل جرحه قبل أن يحول ما تبقى من قميصه إلى ضمادة، لفتها حول جسده بأكمله. وأخيراً مستلقياً على فراشه، مسح آرن العرق البارد عن جبينه. كان بحاجة للراحة؛ ولم يكن يدري كيف سيواجه تدريب الغد. وما إن أغلق عينيه حتى تردد في الأفق صوت دق الجرس الأول.