مرّت الأسابيع. وكما قال غافن، لم تُبِدِ الكرات أيّ تفاعل مع بقائها مجتمعة. حاولتُ ضخّ المانا فيها، وبدت منيعةً ضدّ التلف حتّى. أو هكذا بدا الأمر مقارنةً بكميّة القوّة التي يمكنني حشدها حالياً. تدرّبتُ قدر الإمكان، لكنّ المعارك ظلّت أفضل وسيلة للتحسّن، كما تبيّن لي. وبدا تطوّر [الروح الطيفيّة] فرصةً لا تعوض في العمر، كما بدا تأثر تغيّرها الواضح بنفْسيتي الحالية أمراً جليّاً.
هكذا بقيتُ في حالة جمودٍ شبه تامّ. لم يكن ذلك أمراً أتقزّز منه حقّاً، مع ذلك. ظلّت الأمور هادئةً بعد فترة طويلة قضيتُها هارباً في مختلف أنحاء العالم. وشعرتُ أنّ هذه هي محطّتي الأخيرة، ولن أذهب أبعد من هذه الجزر. غير أنّ العالم لم يتوقّف عن التغيّر يوماً، حتّى وإن بدوتُ متجمّداً في بعض اللحظات. أتى إليّ غافن معلناً رحيله.
— نداء سيّد البحار قويّ، وأشعر أنني سأتوجه إلى أبعد بكثير من راكفول هذه المرة.
سألتُه: — ألا تعرف السبب؟ أطلق غافن ضحكةً خفيضة.
— أبداً.
لكنّ غاياتنا لا تُقشَر على حجر، وكلّ ما يمكننا فعله هو مجاراة التيار. لقد قادني إليك مرّة، وبدا أنّ شيئاً آخر يتطلّب انتباهي. احتلّ الرجل مكاناً مهماً في حياتي على هذا الكوكب، رغم أنني لم أعرفه لفترة طويلة. وأراد جزء مني ألا يرحل. غير أنّني لا أستطيع الاختباء خلفه إلى الأبد، وبدا أنّه هذا ما كنتُ أفعله طوال الوقت. لابدّ أنه رأى الإحباط على وجهي، فتحدث بلطف.
— لقد فعلت كلّ شيء بنفسك يا كين.
القليل من التوجيه لا يلغي إنجازاتك. أومأتُ برأسي، عاجزاً عن إيجاد ردّ. وبربتةٍ على كتفي، رحل غافن. بدا الأمر غريباً، البقاء على الجزيرة دونه. ما زلتُ لا أختلط بقرويي الجزيرة كثيراً، إذ بإمكاني الحصول على مؤونتي والمغادرة بنفس السرعة. لم تكن هناك حاجة حقيقيّة لدخول البلدة، ولم تعد هناك أيّ أسباب لزيارة المعبد. بعد يومين من رحيله، شعرتُ بنفسي أنزلق في غمرة نيراني فوق المنارة.
كان هواء الليل منعشاً حولي، يتسلّل عبر الجدران الرقيقة. وكانت الكرات الثلاث في كفّي، فأدرتها بغير اهتمام. فجأة، بدت صفارات الإنذار وكأنّها تغنّي. اختلف صوتها عن المعتاد — بدا خائفاً تقريباً، عوضاً عن أن يكون مغوياً. نهضتُ مصغياً باهتمام. كانت الأمواج أعلى من المعتاد في جانبي من الجزيرة، وحركاتها غير طبيعية تقريباً. وإذ لم أرد أن أكون غير مستعدّ إن كان غناء الصفارات تحذيراً، نزلتُ إلى الأسفل لأرتدي درعي وألتقط فأسي، منزلقاً بالكرات الزجاجيّة إلى جيب صدري تحت الجلد.
لقد نمت ثقتي في ماتيلد، ولم تكن لديّ أيّ أفكار لاستغفار شعبها. لقد كانوا يحاولون النجاة فحسب، شأنهم شأن الجميع. واقفاً بجوار المنارة، رمقتُ المحيط. زاد توتري مع كلّ ثانية، وهدأت الأمواج ببطء. ثم وصل إلى أذني صوت القوارب المألوف. لابدّ أنّه وُجد المئات منها. لماذا يأتون إلى هنا، وفي منتصف الليل؟ الشيء الوحيد المهمّ في هذه الجزيرة كان غافن، وقد رحل. ربّما كانوا يبحثون عنه، لكنّني لم أستطع الاستنتاج فوراً.
بدأت مئات القوارب ترسو على الشاطئ، يصدر صوت احتكاك الرمال حين جُرّت على الشاطئ. ثبتّ في مكاني، بلا خطّة لمقابلة القوة التي وصلت. كانت نواياهم مجهولة، ولم أتوقّع سوى مسارين — إمكانيّة طرح الأسئلة والبقاء أو الرحيل، أو الهجوم. كانت طاقتهم حازمة، وما يقارب ألف وقع أخطىء دوت صاعدة التلّ بعد ترجلهم جميعاً من القوارب. قوّة هائلة كهذه، وبدأ قلبي يخفق باززعاج، بينما شددتُ قبضتي على مقبض فأسي.
توقّفت الدفعة الأولى من الناس على بعد ثلاثين قدمًا منّي، وتقدّم رجل إلى الأمام.
— كين!
صرخ والغضب يملأ صوته. شعرتُ بصدمة مطلقة، وبدا الذهول مشوّشاً لعقلي. كيف عرفني؟
— ماذا تريد؟
ومن أنت؟ أبرز أنيابه مجيباً: — أظننتَ أن بإمكانك الاختباء للأبد؟ تصاعد الاستياء داخلي. ممّ كان يظنّ أنني أهرب؟
— الاختباء ممّ؟
سألتُ، آملاً أن يجيب عن السؤال هذه المرة.
— الاختباء من العدالة!
غافن ليس هنا لإنقاذك الآن. خطا الرجل خطوة إلى الأمام، واخترق الهواء صوت سيفٍ يُسلّ. تسابق عقلي. لابدّ أنّ هؤلاء الناس انتظروا رحيل غافن، على مسافة بعيدة بما يكفي كي لا يلاحظهم؛ ولهذا استغرق وصولهم يومين بعد رحيله. لكن كيف عرفوا أنه رحل؟ وماذا فعلتُ ليؤدّي هذا إلى غضبهم تجاهي؟ جاء جيش بأكمله تقريباً لإخضاعي. لم أستطع التفكير سوى في راكفول، فقد كنتُ هناك آخر مرة. مع ذلك، أتت هذه القوّة الهائلة من أجلي أنا وحدي.
ولماذا؟ لم أستطع فهم الأمر. تسابق عقلي. الشيء الوحيد الذي بدا منطقيّاً هو أمر أولمور، الذي أراد منّي قتل الملك. ماذا حدث بعد أن غادرت؟ إن استخدمني ككبش فداء، فقد يبدو هذا منطقيّاً بعض الشيء. أكانوا قد نجحوا بالفعل في الاغتيال؟ لكن لماذا أنا؟ وكيف أقنعوا — بافتراض موت الملك — القادة الجدد بأنني من فعلها؟ دفعتُ أيّ احتمال آخر جانباً. لم يكن الاتحاد ليأتي كلّ هذه المسافة لمجرد التمرد، وكنتُ أعرف أنّ دافيون لا يملك هذه القوّة الهائلة خلفه.
لكان قد جاء بنفسه لو كان الأمر كذلك. بدا مستاءً من صمتي، فصرخ في وجهي: — ستدفع ثمن خطاياك أيّها الخائن! ثم اندفع، واندفع بقية الجنود خلفه. هبط سيفه نحوي بسرعة مذهلة، لكنّني رفعتُ فأسي لصدّه بعيداً. تلت ذلك ضربة جانبية فورية شقت الهواء، مستهدفة جذعي. قفزتُ إلى الوراء فأخطأني، فهجمتُ عليه. لم أكن سريعاً بما يكفي لإعادة توجيه سيفه، فانغرس فأسي في بطنه، قاطعاً درعه التافه.
وبصوت رطب، سحبتُ النصل ليتلوه الدم والأمعاء. سقط على الأرض بصوت زهيد. لحق بي البقرة أخيراً، زائرين غضباً لمقتل قائدهم. ميّزتُ اللهب فوق المنارة، محتاجاً إلى كلّ قطرة مانا متاحة لديّ. لقد هجموا أولاً، لذا لن أتردد. لم يستطيعوا الهجوم دفعة واحدة؛ أحاط بي حدّ أربعة أشخاص. كان الأدرينالين الذي يسري في سيوفهم مميتاً، ودفع كلّ منهم براعتي إلى أقصاها. تفاديتُ وداصَفتُ. قطعت بعض السيوف الجلد السميك لمقبض فأسي، مسببة ارتعاش ذراعيّ مع سحبها.
كان ظهري عرضة للخطر دائماً، فاستمررتُ في الاستدارة. ترددت أصداء الضربات المعدنية للسيوف عبر الليل. ثم بضربة صاعدة، قطعتُ ذراع جندي، جاعلة إياه يسقط إلى الوراء صارخاً بألم. جُرف كلّ جسد أسقطتُه تحت أقدام الجنود المندفعين، والأحذية الثقيلة ترتطم بجلد يبرد. خفضتُ رأسي، ليلتقط السيف الحادّ من خلفي شعري. واخترق الرجل أمامي، مرسلاً إياه إلى الأرض متأوهاً. كانت الموجة بلا نهاية، تدفعني إلى الأسفل باستمرار.
وكلّ ضربة صدَدتها بفأسي بدت أثقل من سابقتها. درتُ زائراً، غارزاً فأسي في صدر رجل سيء الحظّ. ثم انتزعته متلوياً لتفادي رمح، ومحتاراً بذراعيّ إلى اليسار لقطع رأس آخر. سقط على الأرض، وضاع الارتطام المقزّز في صخب المعركة. بدأت الضربات تصيبني، فقطع سيف عميقاً في ذراعي، وطعن آخر الجلد الضعيف لخاصرتي. هبطتُ بفأسي محطّماً ذلك السيف، ثم عكستُ الحركة لشقّ صاحب السلاح من مغبنه إلى صدره.
قُتل حوالي خمسين شخصاً بفأسي؛ وبدأت أفقد العدّ. وبقي المئات، ولم أرى نهاية. سمحتُ لـ [نصل صامت] بالسيطرة على فأسي وبدء إحداث مزيد من الفوضى. وبرحلة جرف، قطعتُ خشب رمح، قاطعاً تماماً جذع صاحبه. واصل نصلّي طريقه، ليستقرّ في خاصرة رجل آخر. كنتُ غارقاً في الدماء — فقد تفجّرت من رقبة عدوّ وغطّت وجهي بمزيد منها. لم تستطع أسلحة المهاجمين تحمل قوّة [نصل صامت]، فتهاووا على الأرض كورود ذابلة.
كان [إحساس معزز] يعربد، مخبراً إيّاني بكلّ طعنة ظهر وضربة. هاجمتُ رجلاً، رامياً إياه جانباً بفأسي، قاطعاً الخاصرة بصوت طحن مقزز. تحرّرتُ من دائرة المهاجمين، راكضاً عبر الرجال غير الغافلين في المنتصف. درتُ بذراعيّ مع كلّ خطوة، شارداً في سيقان وأذرع جنود المشاة. طارت الرؤوس بينما كنتُ أندفع، متحركاً بسرعة لتفادي الوقوع فريسة لأيّ سيوف متأرجحة. كادت مانتي تستنفد، وألمتني ذراعيّ.
لابدّ أنهما بلغتا نحو مئة قتيل الآن. ليس كافياً بأيّ حال. لن أموت واقفاً. انتشر شعور حارق عبر صدري، شبیه بأن أُغرق في شمع مصهور. بدا كأنّ قلبي دُفع إلى حافة الانهيار. لم يكن هناك وقت لتحليل الأمر أكثر من ذلك. لكن جداراً آخر من الأجسام أوقف هيامي، مجبراً إيّاني على الثبات في مكاني. ضغط الجنود عليّ، ثم اخترق ألم حارق دماغي. تأوّهتُ محاولاً منع نفسي عن التوقف. فأيّ لحظة جمود تعني موتي.
لم تكن مانتي قد استنفدت بالكامل، لذا عرفتُ أنها لم تكن سبب هذا الألم. مع ذلك، سمحتُ لـ [نصل صامت] بالتبخّر، لعلّ ذلك يخفّف من الوجع. خفت تدمير نصلي، ولاحظ الجنود ذلك. وعلى عكسي، لم يكونوا يشعرون بالإرهاق. بدأت جروح سطحية إضافية تتراكم في ذراعيّ والمناطق المكشوفة، مما جعل الأمر يبدو وكأنّ جسدي يحترق جنباً إلى جنب مع رأسي. فجأة، تردّد ذلك الصوت البارد في رأسي.
[تم استيفاء المتطلبات]
وعندها صرختُ هذه المرة بينما انفجر دماغي. بدا أنّ هذا أوقف الجيش في حيرة، وكلّ حركة قاموا بها أزعجت تدفق الرياح كانت بالحركة البطيئة. بدأت الرسائل تغرق وعيي المتلاشي.
[حكمة +1]
[حكمة +1]
[ذكاء +1]
[ذكاء +1]
... استمرّ الأمر حتى زاد ذكائي بمقدار عشرة، واشتعل رأسي كأنّ قضيباً معدنيّاً مسخّناً كان يُدفع خلاله. تركّزت بقايا عقلي المجهدة للحظة، وربّتُ على صدري. لقد اختفى محيط الكرات الزجاجيّة. توسّع قلب ماني قسراً مع طقطقة في صدري، ممّا صعّب التنفّس. وامتلاء تماماً أيضاً، فاستعيدت كلّ مانا المستخدمة، لكنّ الرسائل لم تنته.
[تمت ترقية المهارة]
- [استدعاء لهب (4) ← (6)] ضحكتُ بتهكّم، ثم تحول الصوت إلى سعال. سيكون مهووس النيران سعيداً للغاية. قطرت الدماء على وجهي — من أنفي ومن أولئك حولي — منزلقة إلى فمي المفتوح. سمحتُ لتلك الرغبة الملحّة بالاستهلاك أخيراً، متدفقة من قلب ماني إلى كلّ شبر من جسدي. انفجرتُ، متفجرةً النيران في كلّ اتجاه. وانتشرت محلقة لأعلى، حتى صرتُ في مركز فرن حارق ضخم. ترددت الأصداء بالصرخات في أذنيّ، متحولة أجساد الجنود إلى رماد وهم يتخبطون.
تحطّمت حدود [استدعاء لهب]، وارتفع مداه وشدته فوق ما أستطيع فهمه. وتغيّر اللون من ذلك البرتقالي المحمرّ إلى لون أبيض تقريباً، قافزاً من جندي إلى آخر. كانت مانا تستنفد، لكنني لم أهتم. سمحتُ لها كلها بالتدفق في نيراني، وشعرتُ بالتحرّر وأنا أطالع العالم يحترق. هذا ما أردناه، أليس كذلك؟ انزلق فأسي من يدري، مستقراً على الأرض المحروقة بجوار مكان ركوعي. وواستني حرارة الجحيم كنسيم لطيف.
دفعتُ غضب نيراني بقوّة أكبر، لكنّه لم يصل بعد إلى حدوده. لن أموت هنا؛ وإن فعلتُ، فسآخذ الجميع معي في لهيب لا يُكبح. بدأ الجنود الأبعد عني بالركض، لكنّ نيراني المندفعة طاردتهم ككلاب الجحيم في الكوابيس. إن كان هذا هو شكل المستوى السادس، فلم أستطيع تخيل دمار المستوى العاشر. استُنفدت المانا، ولا تزال البقايا الأخيرة من النار تحترق، ولم يبق في هذا العالم الملعون سوى الرماد، فلاشى وعيي في الظلام المستهلك.