قضيت معظم اليومين التاليين في غرفة التدريب. ركّزت على استخدام [النصل الصامت] و[استدعاء اللهب]، وأصبح ضخّ المانا في نلي عندما ألوح به أمراً غريزيّاً، سواء أكان سكيناً أم فأساً. تطلّب [النصل الصامت] مانا أقلّ مما تطلّبه [استدعاء اللهب]، ويا للمفاجأة. ربما ارتفعت تكلفة استخدام النار مع ارتفاع مستوى المهارة، إذ تتطلب الحرارة والنطاق المحسّنان طاقة أكبر من اللهب الأضعف سابقاً.
لكن الثمن كان يستحق العناء. وحين حسّنت تحكّمي في [استدعاء اللهب]، وجدت أنه بات ينمو ليبلغ حجماً يغلف معصميّ، ويكاد يصل إلى منتصف ساعدي. بعد ذلك، صار الأمر مجرد مسألة صقل. لم أختبر مدى قدرته على إحراق الأشياء المختلفة، لعدم توفر أي شيء يمكنني تدميره. شعرت أنه سيكون أكثر تدميراً الآن مقارنة بوقت قتالي ضد إريك، وحتى حينها، كان قادراً على إذابة الجلد بسهولة. كان نقص المانا حقاً أكبر مشكلة واجهتها.
لم أستطع تنشيط [النصل الصامت] سوى عدد محدود من المرات، وإذا فعلت ذلك، كانت هناك فرصة ضئيلة للغاية لأتمكن من استخدام [اليد الطيفية] بعدها مباشرة. لقد استهلك الأمر قدراً هائلاً من المانا. سيكون [النصل الصامت] عمليّاً حتى في القتال المخطط له مسبقاً، إذ يباغت حواس خصمي ويجعل ضرباتي أسرع. لكنه تألق حقاً في الهجمات المفاجئة، مانحاً إيّاي تفوّقاً أكبر بكثير. أما [اليد الطيفية]
فكانت أكثر عمليّة في مواقف مثل قتالات الحفرة نظراً لعجز خصومي عن رؤيتها، وكان بإمكانها أن تمنحني ثغرات عديدة. خلال اليوم التالي، استخدمت [اليد الطيفية] بالتناوب مع التدرب على مهارة الفأس. كنت أحرك الأشياء بأفضل ما أستطيع حتى تكاد المانا تنفد تماماً. ابتعدت عن الفراغ التام لتجنب الإرهاق الشلل الذي كنت سأعانيه نتيجة لذلك. لابد أن هناك طرقاً لزيادة كمية المانا التي تملكها في هذا العالم، وخشيت أن يكون الأمر متعلقاً بخصائص الحكمة.
كانت الخاصية الوحيدة التي لم أرفعها بنفسي، إذ جاء نموها الوحيد من اكتساب الفئة. لم بدُ الحكمة شيئاً يمكن تحسينه بهذه السهولة. ورغم تلك العقبة، شعرت بتحسن في مهاراتي. على سبيل المثال، بات [النصل الصامت] قابلاً للاستخدام بشكل متكرر، وأصبحت نيراني أكثر قوة، وتجلي [اليد الطيفية] استمر تدريجياً لفترة أطول قليلاً مع كل استخدام. وإذا كانت هذه هي نتائج ثلاثة أيام فقط من التدريب المتفاني، فلربما تخيلت نفسي أقاتل ملكاً وأنا لا أتمزق فوراً.
مع ذلك، لم أكن أنوي القبول في الوقت الحالي. كانت هناك عوامل كثيرة يجب تسويتها. زرت تيريزا في اليوم التالي، إذ تبقى بحوزتي قطعة ذهبية واحدة. كانت لدي أسئلة كثيرة، وأول ما سألت عنه تعلق بالحكمة.
قالت لي: "الحكمة شيء يُكتسب على مدى سنوات طويلة. تجربة واحدة وحدها لن تزيد حكمتك. وحين تطبق ما تعلمته، وتتغير بناءً على الأخطاء، ستكتشف أن حكمتك قد ارتفعت بشكل عشوائي".
تنهدت، ثم تابعت: "بالطبع، هناك من تمكنوا من صنع قطع أثرية ترفع خصائص مختلفة، وتأتي الحكمة في مقدمتها. لكن تلك الأشياء تحرس بعناية أشد من الملك نفسه".
سألت بغية إشباع فضولي: "كيف يرتفع الذكاء؟".
أجابت تيريزا: "يرتفع عندما تكتسب معرفة جديدة وتستخدمها".
بدا ذلك منطقيّاً، نظراً لأن ذكائي قد ارتفع عندما علمتني كيفية تشكيل النواة. لكن الأمر ظل محيراً لأنني استطعت استحضار أحداث عديدة في هذا العالم تعلمت فيها كيف أقيم شيئاً ما، ومع ذلك لم يرتفع ذكائي. لكن في كل ما فعلته حتى الآن، كنت قد علّمت نفسي بنفسي أساساً أو طبقت مهارات عملية كنت أعرفها مسبقاً. كان السحر والمانا مفهومين جديدين كليّاً، وأصبحت كلمات تيريزا أكثر عقلانيّة كلما فكرت فيها.
لم أستطع تفسير كيف استدعيت النيران للمرة الأولى، إذ لم تكن لدي أي معرفة بأن أمراً كريماً كهذا ممكن الحدوث. لقد حدث ذلك فقط بسبب غريزة مشوهة ما. ما زلت عاجزاً عن عقلنة بعض جوانب الأمر تماماً، معتقداً أن ذكائي كان يجب أن يرتفع في بعض الحالات، لكنني لن أحاول فهم القوة التي تمنح زيادات الخصائص.
قادني ذلك إلى سؤالي التالي: "كيف تحسّن المهارة؟".
فكرت للحظة قبل أن تجيب: "تتطور المهارات كلما استخدمتها. لا توجد قفزة مفاجئة، والإبداع مطلوب منك. إذا لم تر أي طريقة يمكن للمهارة أن تتحسن بها، فلن يحدث ذلك أبداً، لأنك لا تبذل الجهد المطلوب. هناك نقاط انكسار يمكن للمهارات عندها رفع مستواها، لكن تلك المحفزات نادرة".
بدا أن هذا هو الحال مع [استدعاء اللهب]. قبل كل زيادة في المستوى، لم أستخدم المهارة سوى لأمور صغيرة، ثم حدث ذلك الانفجار الذي استخدمته ضد دافيون، يليه اللهب الأصغر الذي استطاع حرق اللحم. لم يكن هناك جهد واعي من جانبي لتحسينها، ولكن لعلّني مدين بالفضل في ذلك للقب والمهوس بالنيران. كان دائماً يدفع نيراني إلى الأمام، دافعاً إياي لجعلها تحترق ببريق أشد. لذا لم يكن مفاجئاً أن يتحسن [استدعاء اللهب]
بتحشيد منه.
قاطعت تيريزا تأملاتي وهي تنفخ بضيق: "هل ستكتفي بطرح الأسئلة، أم أن هناك شيئاً تحتاج إلى مساعدتي بشأنه؟".
إذا كنت سأفكر في عرض أولمور وفريدريك، فكان لزاماً عليّ اكتساب المزيد من المعرفة. للأسف بالنسبة لها، كانت لا تزال لدي أسئلة كثيرة لتيريزا، كما احتجت إلى إعطاء الأولوية لنمو نيراني. بدت تلك القوة هي السبب الرئيسي وراء اقتراب الاثنين مني.
أجبته: "أخشى أن لدي المزيد من الأسئلة في الوقت الحالي"، فتنهدت.
لكنها لم تمنعني، فواصلت: "أنت تعلمين على الأرجح أنني أعمل لصالح ليفدول لأن غراثسكين أعاد لي زرع ذراعي. بواقعية، كم سيستغرق سداد ذلك الدين؟".
أجابت: "حالياً، لا يوجد سوى معالجين اثنين موثوقين في المملكة، ويُعد غراثسكين الأكثر مهارة بينهما. وذلك يثير استياء أفراد العائلة المالكة، لكن هناك قوانين تحظر العمل القسري. أما سبب عمله لصالح ليفدول فهذه قصة أخرى. على أي حال، مع هذا الطلب المرتفع وشح العرض، فإن أسعارهما باهظة للغاية بالنسبة للشخص العادي. لو أنهما قدما الخدمات لكل فرد في المملكة لما توقفا عن العمل أبداً. يستخدم المعالجون طاقتهم وماناتهم لمساعدة الآخرين، ولسوء الحظ، يسيطر ليفدول على أحد هذين المعالجين. هذان العاملان تجعلان الأسعار باهظة للغاية، كما أن تدريب المعالجين أمر بالغ الصعوبة. أظن أن الأمر قد يتطلب ربما ثلاثة أعوام من قتالات الحفرة لسداد دينك".
قطّبت حاجبي، وسألت: "كيف يُحسب ذلك الوقت؟".
تمتمت وهي تفكر: "دفع تاجر ثري للغاية ذات مرة ألف قطعة ذهبية لإعادة إماء ساق فقدها أمام وحش بري. إذا تقاتلت كل أسبوع خلال عام، كاسباً عشرة قطع ذهبية وفقاً لأسعار ليفدول في كل مرة، سيستغرق الأمر نحو عامين في الواقع. بالطبع، إذا أضفت مكافآت فوزك، فسيقل ذلك الوقت".
أومأت برأسي. لم يكن القتال في الحفرة طوال تلك المدة يروق لي بتاتاً. كان الأمر محفوفاً بالمخاطر، إذ إنني في كل مرة أقاتل فيها من أجل حياتي—كدت أموت أمام سكورن. الاستمرار طوال تلك المدة لم يكن أمراً أرى أنه سيحدث بسهولة. من ناحية أخرى، إذا دخل لقبي حيز التنفيذ، مساعداً إياي على التحسن بمعدل لا تستطيع البقية مجاراته، فلربما تخيلت نفسي أنجو لمدة عامين. لكني كنت أدرك أنني لا أريد ذلك.
مع ذلك، جرى حل لغز واحد، فانتقلت إلى التالي. لمواجهة الجليد، ستكون النيران أولوية. إذا كنت سأفكر في هذا الاغتيال، وجب عليّ معرفة ما إذا كانت هناك ميزة متاحة لي.
قلت لها: "أنا مستخدم للنيران، ولست متأكداً من كيفية تحسين مهاراتي. لذا أود الحصول على توجيه بشأن ذلك".
سألتني: "ما اسم المهارة والمستوى؟".
أجبته: "[استدعاء اللهب]، المستوى الثالث".
شهقت تيريزا: "كنت تستخدم مهارة من المستوى الثالث بلا نواة؟ أيها الملوك، لقد كدْتَ تموت. لا عجب أن أحشاءك بدت متفحمة عندما فحصتك. غراثسكين ماهر حقاً، لأنك سليم كأنك جديد تماماً الآن".
بسطت يديّ إلى جانبي، وقلت: "لم تكن لدي أي فكرة عن حاجتي إلى نواة. بعد أن ارتفعت المهارة إلى المستوى الثالث، صار استخدامها يسبب لي انزعاجاً أكبر بكثير من ذي قبل".
تمتمت: "أراهن على ذلك. حسناً، أرني إياها. لا تجعلها كبيرة للغاية رغم ذلك".
أومأت، ثم سمحت للمانا بالتدفق من نواتي إلى كفّي. راقبت النيران وهي تندلع، دافعة إياي لتصعيدها.
همست تيريزا: "رؤيتها أمر ساحر حقاً. ألا تظهر إلا من يديك؟".
أجبته: "حاولت إبعادها عن جسدي، لكنها لم تبتعد كثيراً قط".
قالت: "إذن هذا ما أقرره، اجعل النيران تظهر بعيداً عن يديك. وصفها لا يتضمن أي قيود، أليس كذلك؟".
رددت: "يقول فقط: استخدم المانا لاستدعاء النار".
قالت تيريزا: "جيد، جيد. هذا يعني أنه يمكنك استدعاؤها من صدرك، أو حتى في الهواء أمامك دون تحريكها عبر يديك، نظريّاً. يتطلب تطوير كهذا أطنان من العمل، لكن الاختراق سيعني حتماً زيادة. لا أعتقد أن الفعالية بحاجة إلى عمل؛ باستطاعتي شعور بالحرارة من هنا"، فأخمدت النيران.
سألتها: "كيف أمضي في فعل ذلك؟".
سخرت قائلة: "أنا متأكدة من أنك ستكتشف الأمر بنفسك. إذا شعرت بالمانا تنتقل إلى يديك عند تنشيط المهارة، فلا شك عندي في قدرتك على التلاعب بها في مكان آخر. لكنت ساعدتك، لكن عملية كهذه تتطلب أسابيع من التدريب. سيكون من الأفضل لك البدء فيها بنفسك".
كنت أثق بمعرفتها، لذا لم ألحّ في طلب مساعدتها.
سألت: "ماذا عن المهارات الكامنة؟ كيف تتحسن تلك؟".
أجابت تيريزا: "التجربة الخالصة هي الشكل الأكثر شيوعاً لزيادة المستوى. نظراً لتطبيق المهارات الكامنة واستخدامها مراراً وتكراراً، فلا خيار أمامها سوى الارتقاء في المستوى. غير أن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً. كما هو الحال مع كل شيء"، وأضافت ذلك.
لم أكن قد طبقت [الحساسية المحسنة] بنشاط مؤخراً، ليس مثلما فعلت في المعسكر ضمن الاتحاد. لقد أصبحت الأصوات والروائح المضخمة والألم المحرق الناتج عن الإصابات أمراً غريزيّاً وحسب، ولم أجد الحاجة لدفع المهارة إلى أبعد من ذلك. كان جزء مني يخشى ما قد يحدث إن فعلت. هناك قدر محدود من التحفيز الذي يمكنني تحمله قبل أن أنهار. لقد انطبعت تجربة اكتساب المهارة في عقلي، وكنت أرغب في تجنب ما قد يكون أسوأ من ذلك.
ناقشت مع نفسي ما إذا كان عليّ طرح سؤالي الأخير، إذ قد يورطني في مسار خطير. ومع ذلك، ارتأيت أنه يجدر بي اغتنام فرصتي.
"هل تتمتع مهارات النار بميزة على الجليد؟".
أوضحت قائلة: "يعتمد الأمر حقاً على شدة النار. يمكن للنار أن تنتصر إذا كانت قوية بالقدر الكافي لتحويل الجليد إلى غاز أو امتلكت قوة كافية لتحطيمه عند الاصطدام. لكن إذا كان الجليد صلباً للغاية، فسوف يعمر طويلاً متجاوزاً النيران متى ما كان. لذا ففي القتال، كل ثانية لها أهميتها، وكل ثانية يصمد فيها الجليد تعني فرصاً أكبر لخسارتك".
كنت أتوقع ذلك إلى حد ما، إذ بدا أن أياً منهما لا يملك ميزة جوهرية للوهلة الأولى. إذا كان عليّ القتال ضد الجليد، فاعتقدت أن مهاراتي الأخرى ستكون حاسمة أيضاً إن لم تصل نيراني إلى المستوى الخامس، وهو احتمال ضعيف للغاية. ومع عدم وجود أسئلة ملحة أخرى يمكنني تذكرها، شكرت تيريزا، ودفعت لها، ثم غادرت. قضيت اليومين التاليين مركّزاً على نيراني وفأسي. كان تحويل المانا عن مسارها المحدد سلفاً إلى يدّي أمراً يكوا يكون مستحيلاً.
حتى محاولة توجيهها بدءاً من نواة المانا الخاصة بي لم تنجح تماماً، وبدا أن القوة الكامنة داخلي لها إرادة خاصّة بها. استطعت مع ذلك إبعادها عن يدّي كما فعلت في الغابة قرب الاتحاد، لكن النار أصبحت ضعيفة للغاية عندما لم تكن متصلة بي. بحلول اليوم السادس، كنت قد اكتسبت بعض التحكّم في مانا الخاصّة بي، فوجدت القدرة على تحريكها عبر المسارات. لكنني عجزت عن فعل ذلك فور تنشيط المهارة، إذ كانت المانا تتدفق عندها من تلقاء نفسها.
مع ذلك، اكتسبت نقطة أخرى في الذكاء. كان إتقاني لـ[استدعاء اللهب] التحسن الحقيقي الوحيد، فقد صار تحديد الكمية المستدعاة وحرارة النيران أشبه بالتنفس. لم يعد الأمر انفجاراً ناريّاً خارجاً عن السيطرة، بل بات شيئاً قادراً على توجيهه. انصهر ذلك اليوم في اليوم التالي، ووجدت نفسي مجدداً في الحفرة. انتفضت في غرفة الانتظار الصغيرة عندما أعلن ليفدول أنني سأقاتل وحدي هذه المرة، ولكن مع الاحتفاظ بسلاحي.
قبضت يدي على الخشب والجلد عندما أمسكت بفأسي المستعار. لم أستطيع سوى افتراض أنني سأقاتل مخلوقاً —أو مخلوقات— نظراً لأنه كان مفترضاً بي الدخول وحدي. عما إذا كانوا طيور كروفيا مثل المرة السابقة، فلم أكن أدري. استبعدت ذلك، بالنظر إلى ميل ليفدول نحو التجديد. لم يمض وقت طويل حتى حان دوري، بينما كانت الجماهير تهدر فوق رأسي، مقتربة وكأن سحقاً يهبط ليسحقني. العصابة على عيني، والفأس في يدي.
ارتفعت بوابة في مواجهتي، مصصدرة صوتاً معدنيّاً أجشّ. قابل الهدير في المدرجات هدير غاضب، مزمجراً كالرعد. مخالب على الأرض، مخالب على الأرض—مهما يكن ما أواجهه فقد تقدم، والرمال تتزحزح، بصوت أشد خشونة حتى من صوت ليفدول المدوي.
"كاين الأعمى في مواجهة التارهورن! وكما يدل اسمه، فهو يتميز بقرون حادة كالسيوف، وعيون سوداء كالقطران. فمن سيخرج منتصراً!؟"
صرخ المتفرجون رداً على ذلك، وأطلق التارهورن فحيحاً وسط الضوضاء. سحبت فأسي على طول الأرض، فاستقر المخلوق في مكانه. خطوة ثقيلة باتجاهي، ثم تلتها ثلاث خطوات أخرى. سحبت فأسي إلى الوراء، منتظراً الهجوم. كنت العدو المعروف، لذا ركض نحوي. بدا أن الأرض تهتز، وصدر هدير على بعد بضعة أقدام فوقي. تفاديت المخالب الداسة، ساقطاً في حركة تدحرج، وتطاير الرمل في فمي. استدار التارهورن بسرعة مفاجئة وهاجم مجدداً.
لوحت بفأسي نحو إحدى ساقيه، وشعرت أنه يكاد يلامسها، سامعاً أسنانه تنطبق فوق رأسي. وحدها رقبة مرنة للغاية تستطيع تحقيق إنجاز كهذا. بدت تبادلاتنا وكأنها بين ثور ومصارع ثيران، إلا أنني كنت الرداء الأحمر. ضخّخت المانا في فأسي، منشطاً [النصل الصامت] مع اندفاع التارهورن مجدداً. كان أسرع مما توقعه المخلوق، فاستقر في أسفل ساقه قبل أن يتسنى له التفادي. أطلق عواءً، يختلف عن أي صوت حيوان سمعته قط.
بدأ يدور حولي، أكثر حذراً، مزمجراً بثبات في أعماق صدره. لم أراود نفسي على فكرة الركض نحوه، إذ استحال عليّ مجاراة وحش بهذا الحجم. كانت مشيته غير متزنة الآن، لكنني كنت أعلم أنه قد يظل أسرع مني. متسللاً بقرب، انقضّ إلى الأمام، دافعاً قدميه الخلفيتين بقوة عن الأرض. انحنيت إلى أدنى حد ممكن، راجياً ألا يقتلع التارهورن رأسي بالمخالب الحادّة التي سمعتها تحكّ الأرض. نحيب الريح وهو يعبر من فوقي، فسمحت لفأسي بالارتفاع، مستهدفاً أي شيء في متناول اليد.
خدشت شيئاً ما، ربما قدماً خلفية، فأطلق التارهورن فحيحاً رداً على ذلك. استدرنا لنواجه بعضنا مجدداً، وكان صوت تنفسي يتردد بصوت عالٍ في أذني. انقضّ مخلب المخلوق نحوي، ضارباً كنمير. لن أتمكن من تفادي مداه المقوس، لذا قذفت بفأسي إلى الأعلى، فاصطدمت المخالب بسلاحي دافعة إياي إلى الوراء. يا له من قوة، تتناسب حقاً مع مخلوق بهذا الحجم. شعرت بارتياح جزئي لأنني لم أستطع رؤية التارهورن—لم أستطع رؤية المخالب الفتاكة، ولم أتمكن بصريّاً من استيعاب تفوقه في الكتلة والقوة.
كانت حيوانات ضخمة كهذه مجرد خيال على الأرض، لكنها كانت واقعي الآن. ضرب نحوي مجدداً بينما استعدت توازني، ولم يكن لدي خيار سوى الصد. انزلق قدماي إلى الوراء بينما ثبت نفسي، وأقسم أنني سمعت خشب الفأس يئن بفعل القوة. ومع ضربه مجدداً، شعرت بوجود مساحة كافية لتفادي الضرب إلى اليمين، لتطير قدماي فوق الرمال. عادت تلك المخالب نحوي، ولوح فأسي لملاقاة الهجوم، منزلقاً في الجلد خلف أحد المخالب مباشرة.
توغل أعمق مما فعلت عندما قطعت ساق التارهورن، وبدا أنه قطع شيئاً حيويّاً. استدار مبتعداً، معولاً، وسمعت لسانه يبدأ بلعق الجرخ، بينما ينزف الدم على الرمل في مسار ثابت. تقدمت نحو الوحش، لكنه لا يزال سريعاً وهو يتعثر مبتعداً، مصدراً فحيحاً. عطلتني قوة اندفاعي الأمامية عندما انقضّ فجأة، ممدداً مخلبه المصاب. سقطت إلى الخلف، وخطان من الألم شقا صدري. اتخذ ذلك إشارة للتقدم، فضربني مجدداً.
اصطدمت بمخالب التارهورن على جوانبها، دافعاً المخلب إلى اليمين. متبعاً ذلك بضربة صاعدة، غرس [النصل الصامت] فأسي في معصم المخلب المصاب، محدثاً ضرراً حقيقيّاً هذه المرة. بصوت طقطقة، سقط مسترخياً، وتلامس ظهر تلك المخالب الحادة كالشفرة مع ذراعي. بصوت محزن، بدأ التارهورن يعرج مبتعداً. ركضت نحوه، والفأس في يد، وقفزت على ظهر الحيوان. فيما كان الفأس يغوص في اللحم، قبضت يد الأخرى بشكل مدهش على الريش.
قفز، مزمجراً وهو يحاول إلقائي، ومطلقاً صيحة ألم بينما غرست الفأس في جلده بعمق أكبر. زاحفاً إلى أعلى ظهره، ارتطم جسدي صعوداً وهبوطاً، واصطدم جذعي بألم ضد عضلات التارهورن الصلبة. عاضاً على أسناني، حاولت الإسراع. وصلت إلى رقبة طويلة، حيث كان الريش أثخن، ثم وجدت قرناً ذكره ليفدول. احترقت ذراعي من الإجهاد، وأقسمت أن أسناني ستتكسر من شدة عضي عليها. بدأ التارهورن يهز رقبته من جانب إلى آخر، فسطّحت جسدي للأسفل، وعجزت ذراعي حتى عن الالتفاف بالكامل حول رقبته.
ثنى الحيوان حلقه إلى الأسفل، ثم ألقى به إلى الخلف. انزلت قبضتي، وخلت أطير في الهواء إلى الخلف. مددت ذراعي، قابضاً على الريش في ظهر التارهورن، وممزقاً بعضه بينما استمررت في الانزلاق إلى الأسفل. ثم، متسلقاً صعوداً بينما كان أقل هياجاً، أخرجت سكيناً بيد واحدة وطعنت بوحشية إلى الأسفل. مع غرز السكين حتى مقبضها، تشبثت بكل ما أمتلكه بينما صاح التارهورن في وجهي. ثم، هازّاً جسده، بدا أنه استقر على قرار ما.
انقلب عالمي بسرعة، وانزلق السطح تحتي عن محوره. صرخت بينما حشرت سقي اليمنى تحت جسد التارهورن، لتخدر بسرعة مع توقف الدورة الدموية وصراخ عظامي تحت الوزن. لقد ألقى المخلوق بنفسه على جانبه، محاصراً إياي تحته. مع إلقاء رأسي إلى الخلف من الألم، تخليت عن خطتي للوصول إلى رأس التارهورن. سحبت سكي، ووضعتها في الغمد على الورك الذي لم يكن محاصراً. غارزاً يديّ في ريش الوحش، سمحت لنيراني بالاشتعال.
تدفقت المانا عبري، وبدأت النار في النمو. انتشرت، بلا حاجة لأي مساعدة مني، محترقة عبر فراء الريش الفخم على جسد التارهورن. تسبب زيادة الحرارة في وثب الحيوان مذعوراً، لكن الأوان كان قد فات. ساحباً نفسي إلى الوراء، راقبت نيراني وهي تنتشر في الظلام، بينما يتصاعد رائحة الدخان واللحم المحترق عبر الهواء. صمد التارهورن طويلاً، راكضاً بأقصى سرعة ممكنة مع ساق ممزقة. لكنه لم يستطع إيقاف انتشار النيران.
جرت كتلة النار المحترقة عبر كل زاوية في الساحة، معولة، وبدأت تتباطأ تدريجيّاً، حتى سقط التارهورن كومة من اللحم المتفحم. وقفت، قادراً على العرج على ساقي المصابة، واستعدت فأسي. تلطخ صدري بالدم، رطباً ودافئاً. كان صمت الحجم مصماً للآذان.