الحكم الأعمى الفصل 24 — قطع مفقودة

اقرأ الحكم الأعمى الفصل 24 — قطع مفقودة باللغة العربية على مانجا تايم.

طحنت قدماي الرمل، باحثاً عن بقعة خالية من الثلج. تعالت أصوات الأقدام المتثاقلة والهمهمات كلما اقتربت من المدينة. بعد أن خلّفت الهاوية اللانهائية ورائي، بدا الوقت وكأنه يمضي أسرع. وحدها الخيط الأحمر لـ [خط الخريطة] كان يربطني بهذا العالم. كانت الخطوة تذوب في التي تليها، وتلك في التالية، وهكذا دواليك. لذا، كان تدفق همسات الحضارة إلى أذني مفاجئاً. يبدو أن أليا لم تكن تكذب.

لم أرَ شيئاً لافتاً بينما كنت أقترب مهدئاً من سرعتي. ما تيقنت منه هو ضخامة المكان. امتد سور لأميال، محيطاً بالمدينة ككل الأماكن التي مررت بها في هذا العالم. لامست أطراف أصابعي السور حين اقتربت بما يكفي، فتبين أنه من الحجر الرملي. وخلفه مباشرة، سمعت صخب الناس في حركتهم. التقطت هنا وهناك شذرات من أحاديثهم.

"هل تصل الشحنة اليوم؟"

"...تأخرت القوارب. لم يذكر مدير الميناء سبباً."

ركضت مجموعة من الأطفال قرب الجانب الآخر من السور، وارتطمت أقدامهم بالأرض. ضحك أحدهم، حاثاً إياهم على الإسراع.

"هيا، علينا الحصول على تذاكر الغد! أسرعوا قبل أن تنفد!"

تذمر البقية من إلحاحه لكنهم تبعوه. سرعان ما تركاني في الغبار بينما واصلت السير بمحاذاة السور. لم يطل بي الوقت حتى لاحظت مدخلاً، بدا أقل استخداماً نظراً للملل الذي يغمر الحارس الوحيد المرابط هناك. كان يجر قدميه فوق الرمل متثائباً، بينما كان رمحه يخدش جدار بوابة المدخل. جعلت خطواتي أثقل، مبتعداً قليلاً عن السور. التفت حين لاحظ وجودي، وبدأ جسده يشع توتراً طفيفاً. ربما كان الزوار من هذه الجهة أندر مما ظننت.

"حدد غايتك!"

أمرني، فتوقفت على مسافة ليست ببعيدة منه.

"أود دخول المدينة،"

قلت له، رافعاً ذراعي.

"أبحث عن عمل."

"من أين جئت؟"

"من الغرب."

توتر أكثر، ثم أطلق ضحكة قصيرة.

"مستحيل. لا أحد يأتي من الغرب. لا شيء هناك سوى الصحراء."

تصاعدت في صدري فقاعة تشبه التسلية. بدا كل مكان في هذا العالم منعزلاً للغاية، ومقطوع الصلة بغيره. كانوا مجموعات صغيرة من السخط والصراعات، مفعمة بمعتقداتها الخاصة. لا تُتبادل معلومات، ولا يبدو أن أحداً يبحث عن شيء جديد. كان الأمر مختلفاً جداً عن الأرض، حيث كانت الأماكن تتبادل الأخبار خلال يوم واحد حتى لو فصلت بينها المحيطات. بدا هناك نقص في الرغبة في الاستكشاف، ووجدت ذلك غريباً.

كان مخالفاً لطبيعة البشر الذين ظننت أنني أعرفهم. كيف يعيشون، ومعظمهم محصور في مسقط رأسه؟ بلا معرفة خارجية؟ أنا واثق أن بعضهم أراد أكثر مما بدأ به.

تجرع الحارس ريقه بصوت مسموع، مما جذب انتباهي مجدداً، قبل أن يتمتم مكملاً عبارته السابقة: "حسناً، باستثناء الصحراء وبوابة الجحيم."

خطوت أقرب، وقد استثير فضولي.

"بوابة الجحيم؟"

سألت، رغم أنني كنت أعرف تماماً ما يتحدث عنه.

سخر مني قائلاً: "أتعرفها، المكان الذي يمر به الجميع حين يموتون؟ إن كنت جئت من الغرب، فأنت تعرف ما أتحدث عنه."

"أجل، مررت بها. الحفرة التي تبدو وكأنها تمسك بك وتجرك إليها، حيث الموت لا يبعد سوى خطوة."

أكدت كلامي، محاولاً كسب ثقته. بدا وكأنه يفكر في أمري للحظة، بينما كانت يده تقبض على رمحه وتنبسط، فأصدر الخشب صريراً.

"أين في الغرب؟"

سأل أخيراً.

"بلدة صغيرة بعد الحفرة بيومين."

"لماذا غادرت؟"

ابتسمت له بمرارة.

"لماذا يغادر أي شخص بلدة صغيرة؟ كانت أصغر من أن تتسع لي."

ضحك قليلاً، لكنني شعرت بعينيه تمسحان جسدي.

"لا تزال تبدو فكرة غير سديدة بالنسبة لك، بالنظر إلى ذراعك المفقودة وعماك الظاهر."

حك جانب رأسه.

"لست متأكداً إن كان أحد سيوظفك بحالتك هذه."

أومأت برأسي، باذلاً قصارى جهدي لأبدو موافقاً.

"هذا جزء من سبب وجودي هنا. سمعت عن معالجين في الشرق يمكنهم إعادة إنبات الأذرع. أنا مستعد للعمل مقابل ذلك."

بدا الحارس مصدوماً حتى الصمت قبل أن يبدأ بالضحك. ضحك طويلاً وبقوة، مليئاً بعدم التصديق والتسلية. بدأ يلهث لالتقاط أنفاسه بينما استمر ذلك، فانتظرته حتى يتوقف.

"ستكون... ستكون رجلاً عجوزاً قبل أن تسدد ذلك! إن عشت حتى ذلك الحين!"

قال لاهثاً. ورغم دعابته، أكد لي أن الأمر ممكن. وقف باستقامة، مستجمعاً نفسه.

"حسناً، لا تبدو رجلاً سيئاً. أعرف شخصاً لديه معالج تحت تصرفه، وعلى الأرجح سيوظفك."

سعل متمتماً: "يبدو أنه يوظف أي شيء يمكنه التحرك."

"إذن يمكنني الدخول؟"

سألت.

"أجل، أنت بخير. سأدلك على ليدفول. أحذرك فحسب، إنه يُشقي من يعملون لديه. أقصد، يشقيهم حقاً. اسمي أليك إن أردت يوماً الابتعاد عن العمل لليلة. تعال وابحث عني، وسأشتري لك شراباً."

تقدمت، فربت على كتفي الأيسر.

"شكراً لك يا أليك. أقدر ذلك."

"لا شكر على واجب. مرحباً بك في مملكة راكفول."

* * *

بدت الشوارع مقفرةضيقة. الصوت الوحيد المتردد هو قرع ما يشبه الأجراس المعلقة على المداخل. قدرت أن هذه منطقة سكنية وتساءلت عما إذا كان السكان هنا قد ربطوا حجارة معا لصنع زينة. بدا النسيم لطيفا وهو يلاطف رقبتي العالقة بين المباني. مر شخص بين الحين والآخر لتصدر أقمشة فضفاضة حفيفا على جلودهم أثناء تحركهم. اتجه الأغلبية نحو مركز المدينة. وجهني أليك نحو تلك البناءات أيضا بتوجيهات مقتضبة وغير دقيقة البتة.

قال: "توجه نحو مركز راكفول حيث يتجمع حشد من الناس الآن. انتظر في الصف المتكون وعندما تصل إلى المقدمة اطلب من بائع التذاكر لقاء زاكرين ليفدول. على الأرجح سيسألونك عن السبب لذا أخبرهم أنك ترغب في الاستفسار عن غراثسكين. لا يعرف الكثيرون هذا الاسم لذا ينبغي أن يدخلوك. سواء ليقتلوك أو ليسمحوا لك برؤية ليفدول فهذا متروك للقدر يا صديقي".

أشياء كثيرة لم أفهمها ولوح في الأفق تهديد مميت آخر. لكن هل كان لدي أي خيار آخر حقا؟ وكما قال اتسعت الشوارع وأمامي مجموعة كبيرة من الناس متراصة معا. لم أستطع فهم تلك الفوضى المترنحة فبقيت في الخلف أملا في أن ينتهي بي المطاف في الصف الذي ذكره أليك. اندمجت الأصوات كافة في ضجيج هادر وبدا الأمر كأنه انهيار جلدي يضرب أذني. بعد ما بدا كأنه أسابيع من الصمت ملأ الصبيح رأسي وصارعت لألا أرفع يدي لأضغط بهما على أذني.

قالت إحداهن: "ماذا ترين سيكون الأمر هذه المرة؟"

وقال آخر: "لا تريد الأم أن—"

وقال ثالث: "لقد أخذته من قبل ويمكنه فعل ذلك بنفسه—"

وصاح آخر: "أرأيتم صرة نقودي؟ أقسم أنها كانت هنا للتو!"

"ما الذي يستغرق كل هذا الوقت؟"

"لم تكن مزدحمة هكذا من قبل أتظن—"

امتزجت الأصوات ببعضها وعلت أحيانا أصوات أعلى فوق البقية. لم يكن التنفس بانتظام بمثل هذه الصعوبة منذ فترة طويلة. ملأ أنفي عبق الرمل والغبار ممزوجا بعرق البشر مع نفحات من الملح. حاولت تركيز سمعي بعيدا عن الحشد إلى أطرافه محاولا العثور على صوت الريح. نجح الأمر وجعلني التركيز على الهواء المتحرك كأنني على شاطئ ألمس النسيم على وجهي. ظللت منتبها بينما انكمش الحشد مثل قطرة ماء تمر عبر سد.

ثم متبعا ببطء لم يبدو طويلا حتى زادت سرعة تحرك الصف فسحبت حواسي إلى وضعها الطبيعي.

صاح رجل غير بعيد أمامي: "نفدت المقاعد! لم تعد هناك تذاكر متاحة لكن احرصوا على مشاهدة المباريات من خارج الحلبة!"

صاح بهذا مرتين أو ثلاثا وتفرق باقي الحشد. حاولت تجاهل تذمرهم. دفعت نفسي عبر المتخلفين متجها نحو الرجل الذي صاح. كان جالسا في بناء صغير وجدت أن جزءا من جدارها مفقود عندما وضعت يدي على القطعة السفلية مما يجعلها تبدو كنوع من الأكشاك.

سأل ويبدو عليه التعب: "ألم تسمعني؟ لقد نفدت المقاعد بأسرها".

أجبته: "سمعت؛ لست هنا من أجل ذلك فحسب. أود رؤية زاكرين... ليفدول؟"

توتر وتجمدت يداه في قبضتين على الطاولة. توترت أنا أيضا مدخلا يدي تحت معطفي.

"لأي غرض؟"

"أريد سؤاله عن غراثسكين".

انحنى إلى الأمام عندئذ وشعرت بأنفاسه على وجهي.

هس بي الرجل: "أين سمعت هذا الاسم؟"

لم أجب مبقيا وجهي مائلا نحوه. استقام فجأة دافعا مقعده إلى الخلف.

"حسنا. اتبعني".

غادر بائع التذاكر الكشك الصغير من باب وبدأ يبتعد عنه فتبعته من مسافة قصيرة. غادرنا الساحة الخالية الآن متسللين إلى شارع حيث دخل الرجل مبنى بسرعة. تسللت خلفه مغلقا الباب وراء. كان هناك ثلاثة أشخاص آخرين في الغرفة التي دخلناها وقد كشفت أنفاسهم وأوزانهم المتحركة عن مكانهم. أدرت رأسي نحو الثلاثة جميعا بينما اتبعت البائع عن كثب أملا في أن يردعهم ذلك قليلا إن كانوا يخططون لأي شيء.

تركناهما خلفنا بينما صعدنا مجموعة من الدرج وما زال الرجل صامتا. في الأعلى مشينا في ممر قصير قبل أن يطرق بابا. سمح لنا صوت بالدخول. كانت الغرفة دافئة وحرارة الشمس تسطع على وجهي عبر ما بدا أنه نوافذ. شغل المكان شخص واحد فقط. رجل على الجانب المقابل للمدخل يهتز على كرسي وصرخ الخشب أمامه كأنه يضغط عليه.

سأل بصوته العميق المتمهل غير المبالي: "ما الذي جلبته لي هذه المرة؟"

"زبون فيما يبدو".

"أه؟ زبون يشتري ماذا؟"

نقرت قدم بائع التذاكر على الأرض.

"خدمات غراثسكين".

أنزل الرجل الجالس —ويُفترض أنه ليفدول— قدمه وجلس مستقيما فضرب الأرضية الخشبية بطرقة سريعة.

"يا للاهتمام! لقد مضى وقت طويل أليس كذلك؟"

امتزج الحماس بالخبث في صوت.

تمتم الآخر: "نعم يا سيّدي".

طرد ليفدول فجأة: "يمكنك الانصراف الآن".

كان صوت انغلاق الباب بنقرة كطلقة بندقية في الصمت المفاجئ. غيرت وقفتي مستعدا للتراجع إن لزم الأمر.

رن صوته فجأة فجعلني أرتجف: "إذن! لقد جئت من أجل العلاج أليس كذلك؟ إنه واضح تماما من مظهرك. ومن الواضح أيضا أنك لست من هذه النواحي. كيف عرفت أمر غراثسكين؟"

"أخبرني رجل متعاون".

"مم نعم الكثيرون من أمثاله هنا".

نهض ليفدول محدثا حفيفا بملابسه.

"والآن الجزء الأهم. كيف يمكنك الدفع مقابل ما تريد؟"

أخبرته: "سمعت أنك تبحث عن عمال. أنا مستعد للعمل مقابل أي شيء مدين به له".

ضحك برقة.

"لقد سمعت الكثير أليس كذلك؟"

توقف مؤقتا قبل أن يسخر.

"لكنني بحاجة إلى رجال قادرين على القتال. أشك في أنك ستصمد ثانية واحدة".

حدثته رغم أن قشعريرة رعب سرت في عمود الفقري: "إذا استعدت ذراعي —وربما عيناي— فلن تكون هذه مشكلة".

من يدري إن كان بإمكانني الصمود في وجه أي شيء أراد مني قتاله. لم تكن لدي أي فكرة عما ينتظرني.

"هاه! متغطرس ألس كذلك؟ حسنا لا مانع لدي من عقد صفقة مع رجل مثلك".

مشى متقدا وأمسك بيدي السليمة وهزها بقوة. شعرت كيف أنه كان يعلو علي.

"أتطلع إلى ذلك. أوه سيكون هذا ممتعا".