الحكم الأعمى الفصل 20 — قربان مُكره

اقرأ الحكم الأعمى الفصل 20 — قربان مُكره باللغة العربية على مانجا تايم.

لم أكن أدرك تماماً ما حدث لي، لكنني عرفت مكاني. استخدم دافيون نوعاً من السحر لجري إلى فجوة في أرضية منزله. أدت إلى هذا النفق الذي بدا متوافقاً مع موقع أسوار دريكستيد. إن كان ذلك صحيحاً، فإن شبكة من الأنفاق تشبه المجاري تحيط بالمعقل. بدا أنه ليس من السهل الخروج من هنا، إذ إن المخرج الوحيد الذي عرفته هو الفجوة التي سقطت منها. حان الوقت لاستخدام مهاراتي الجديدة، وكنت أرجو أن تفلح.

فعلت خط الخريطة، فراقبت الخط الأحمر الذي اعتدت عليه خلال الأسبوع الماضي يظهر أمامي، مقوداً إياي إلى عمق الأنفاق. وجهته ليصنع خطاً دليلياً إلى الخارج، وبدا أنه نجح. تبعت الخط، مراراً يدي على الجدار البارد طلباً لمزيد من التوجيه. كان نهر الدم إلى يساري ينساب ببطء، محدثاً خريراً بينما ملأ نتنه النفق الضيق. بعد نحو مائة خطوة، بدأ الخط الذي أتبعه يتخبط في كل الاتجاهات قبل أن يبهت تماماً.

عبست وحاولت تفعيله مجدداً. للأسف، لم تتغير النتيجة، ولم أملك إلا أن أخمّن أن المهارة لم تبلغ المستوى المطلوب. كان الأمر محبطاً لعدم تمكني من رفع مستوى خط الخريطة بعد أسبوع من استخدامه، لكنني أدركت أنني لم أقم بما يكفي من التحديات لتحسينه. احتاجت المهارات السابقة إلى تلك الدفعات الإضافية للارتقاء، ولم أظن أن خط الخريطة سيكون مختلفاً. ربما إن واصلت محاولة استخدامه الآن، فسيخترق حدوده أخيراً.

واصلت المشي بينما استمررت في استدعاء خط كان يتلاشى دون ناهز. بدأ مخزون المانا الذي أحسه داخلي ينضب ببطء، وهو أمر لم يحدث من قبل مع هذه المهارة. بدت تكلفتها ضئيلة، لكنني الآن أضغط عليها، فصارت تسحب من بئر قوتي بوضوح. اعتادت أنفي على رائحة الدم المستمرة، فقد أدى فرط استخدام الحاسة إلى إرهاقها. مع ذلك كنت ممتناً، إذ إن الحواس المعززة قد ضاعفتها إلى درجة قصوى، ولم يكن النهر ليختفي في أي وقت قريب على ما يبدو.

تغير الدرب أمامي أخيراً، وانقطع الجدار ليمنعطف يمنة. انعطفت معه، مخمناً أنني صرت الآن أسفل الجدار الخلفي لدريكستيد. قبل أن أقطع المسافة ذاتها التي عبرتها في النفق الآخر، غار الجدار الذي ألامسه للداخل، وبدا الدم مندفعاً بسرعة أكبر في هذه البقعة. اتبعت الدرب الجديد المؤدي نحو مركز المعقل. تحولت الأرضية إلى درجات، فهبطت عليها، لتنتهي الخطوة الأخيرة بوقوفي وسط الدم حتى كاحلي.

اختفى الجدار، وبدا أنني دخلت كهفاً من نوع ما. شققت طريقي خائضاً في الأرضية المغطاة بالدماء، وترددت أصوات الطرطشة في الغرفة المترامية الأطراف. مضى وقت غير قصير وأنا أجوب المكان، حتى كظني أنه لن ينتهي أبداً. شعرت بالارتياح حين وجدت أن الأمر لم يكن كذلك، إذ ظهر جدار جديد أمامي. ممشياً بمحاذاته، تحسست بحثاً عن باب أو فجوة أو حتى شق يعني أنني لن أضطر للعودة أدراجي. لُبي سُؤلي أخيراً حين اختفى الجدار من تحت يدي، فتحركت لولوج هذا القسم الجديد.

لكني توقفت عندما سمعت صوت دافيون، واجداً إياه واضحاً بفضل سمعي المحسّن.

سأل بإحباط: "لماذا لا يعمل؟ يجب أن تكون هذه الخطوة الأخيرة!".

سمعت ليويس يئن بخفوت رداً على ذلك، فاندفعت قدمي للأمام قبل أن أوقف نفسي.

سأل بصوت يقطره الألم: "ماذا فعلت يادافيون؟ أين نحن؟".

"أنا أتمم مراسم الدم السماوية فحسب، كما أفعل كل عام".

"ماذا... ما الذي يعنيه هذا؟ ماذا جرى في المهرجان؟".

كان السؤال ذاته يتصدر عقدي، وكنت أتمنى لو يختار دافيون الإجابة. تنهد البطريرك، طارطشاً الدم بخطواته قبل أن يقف.

قال بنبرة متكبرة: "بما أنك لن تعمر طويلاً، فلعلّي أنير بصيرتك. الصندوق الذي صنعته بكل سخاء ليس سوى محفز لاستدعاء قوة فيفدور. يقدم عباده رمزاً ما للمحفز، ثم تتطلب الخطوة التالية قرباناً من الصانع".

لم يذكر دافيون حرق الصندوق، وتساءلت عما إذا كان ذلك من وحي خياللم. إن كان الأمر كذلك، فلن أتفاجأ.

سأل ليويس بصوت متعب: "لماذا لا أستطيع تذكر ما حدث؟ ماذا عن العام الماضي؟ أأنت فعلت الشيء ذاته؟".

انزبر دافيون: "أنا أفعل هذا كل عام، وسأفعله مجدداً! ألا تذكر العام الماضي؟ صنع الصائغ قلادة للمهرجان، وقدم الجميع الزهور، وأنت منهم".

أطلق ضحكة قصيرة.

"حسنأ، لست مفاجأً بعدم تذكرك. رقية بسيطة من نشر الإخلاص وتشويش العقول تكفي لجعلكم أنتم الضعفاء عميان عما أصنعه لملكنا".

تطاير الدم، وفتحت باب النقاش مع نفسي حول ما إذا كان علي التقدم بينما دافيون مشتت بشرحه.

سأل ليويس: "ولكن لماذا؟ لماذا تفعل هذا؟".

ردد دافيون باسترابة: "لماذا؟ فعلت ذلك لأجلب قوة فيفدور إلى آثيون وإليّ أيضاً. فعلت ذلك لأنه أمرني بذلك. فأنا منفذ ملك، وقد بنيت دريكستيد لهذا الغرض بالذات!".

سخر ليويس: "ماذا تقصد بقولك بنيت؟ أتقصد هذه الأنفاق؟".

رد دافيون: "ليس هذا فحسب أيها الأحمق. لقد أنشأت أساسات دريكستيد ذاتها، وكل ما تبعها. أنا البطريرك، والجد الأكبر، والمختار من الملك. سمّه ما شئت".

هتف ليويس بعدم تصديق: "مستحيل! هذا المكان يعود لمئات السنين!".

لم أستطع تصديقه بنفسي، ففكرة أن يعيش دافيون طوال هذه المدة بدت سخيفة. بدا الأمر ممكناً في هذا العالم، لكنه كان تحولاً جذرياً عن الأرض جعلني مترنحاً.

"كل شيء ممكن عبر الملك، يا ليويس. تسري قوته في عروقي بفضل هذه المراسم وإخلاصي".

ابتعدت خطواته عني، وظننت أنه متوجه نحو ليويس.

سأل نفسه: "على ذكر ذلك، يجب أن نعود للأمر. ليست لدي فكرة عن سبب عدم اكتمال المراسم. هل فاتَتني خطوة؟".

تحركت حول الزاوية، آملاً استغلال انشغال دافيون والتفاته بعيداً عني. للأسف، لم يكن فأسي معي، فأخرجت الخنجر الذي أخذته من بريتون، وشعرت أنني عار بلا حماية وفي موقف ضعف.

تمتم ليويس بصوت مرتعش وبدا مذعوراً وهو يتراجع على أرض جافة: "م-ماذا تفعل؟".

"لعل دم الصانع المقدم لم يكن كافياً... سأمضي في هذا حتى النهاية يا ليويس".

نعم، كان على البطريرك أن يموت. لم أجد سبيلاً آخر للخروج من هذا الموقف ولربما مساعدة ليويس أيضاً. بدا دافيون مصرّاً على قتله، لذا لم أشك لحظة في أنه لن يتردد في قتلي إن اكتشف وجودي. كان دافيون، إن كان صادقاً، يبلغ من العمر مئات السنين، لذا لم أدرِ كيف تبدو حالته، ولا إن كانت لدي أي فرصة أمام مهاراته. لقد عبث بعقلي وجعلني مستكيناً بمجرد مهارة، ولم أستطع تخيل ما يملكه في جعبته أيضاً.

لكنني دفعت للمحاولة، لأجل توصيل القصاص لهذا الرجل الذي أساء إليّ. بدا أن هذه الفكرة متأثرة بلا شك بصنفي، وتساءلت إن كنت لأفكر بالطريقة ذاتها لو لم أصبح جلاداً. حسنأ، لم تكن لدي وسيلة لمعرفة ذلك، وقد علقت به. صار جزءاً مني، ولعلّه أيقظ فقط جزءاً كان كامناً في زوايا عقلي. قابضاً على مقبض الخنجر بقوة، تسللت للأمام، حارصاً على ألا أحدث صرخة بطرش في الدم المحيط بكاحلي.

بدا هذا خياري الوحيد للهروب من هذا المكان، لذا سأغتنم الفرصة. المكاسب تنبع من التضحيات، وشككت في أن دافيون لم يعانِ من أي أضرار نتيجة لإطالة عمره. مع عنصر المفاجأة الضئيل الذي أملكه، راهنت على امتلاكي نصف فرصة للنجاح. ظهر هيكل دافيون في نطاق إدراكي، منحنياً ويداه تقبضان بقوة على جانب النتاب الذي لا يزال سليماً، بقوة جعلت الخشب يئز. وضعت ذراعي خلفي، ممسكاً بمقبض الخنجر بين أصابعي.

مفّعلاً النصل الصامت، شعرت بغشاء خفي يلتف حول السلاح. كانت تلك المرة الأولى التي أستخدم فيها المهارة إذ لم اصادف حاجة لها. مع ذلك، أثبتت ملاءمتها لأي سلاح، وسررت لكونها غير مقصورة على الفؤوس كمهارة القطع. استنزفت المهارة قدراً معتبراً من المانا مني، لذا أملت أن تتناسب النتيجة مع التكلفة. الآن، بالكاد استطعت استشعار الخنجر، رغم كونه في يدي. استنشقت بعقوبة قبل أن أزفر ببطء هواءً مثقلاً بالدم.

ثم، منتصباً بوقفتي، شحنت ذراعي بالقوة قبل أن أرميه بدقة نحو جسد دافيون الثابت. ركزت حواسي على الخنجر لأقتفي أثره أثناء تحليقه، كاتماً أنفاسي. انتهى الأمر في لمح البصر. وقبل أن يبلغ دافيون، تصلب، متلوياً بجسده مما جعله يغرس النصل في جنبه، لا في عموده الفقري كما نويت. قرع قلبي بعنف بسبب فشلي بينما أطلق صفيحة متألماً، واتخذت خطوة للوراء مزلزلة، مطرطشاً الدم. بدا أن مهارتي لم تكن قوية بالقدر الكافي لتفادي رصد هذا الرجل الذي ما زالت قوته عصية على الفهم.

ما الذي سيتطلبه هزيمته؟ بدا الأمر مستحيلاً الآن. لم أملك سلاحاً آخر، وكانت مهاراتي القصوى هي القطع. وكانت القوة هي أعلى إحصائياتي أيضاً.

قال البطريرك محتدماً من بين أسنان مصكوكة: "انظر من انضم إلينا".

وقبل أن أستطيع التفكير فيما سأفعله تالياً، التفّت حبال من الدم حولي مجدداً، قابضة على ذراعي وجذعي لتجرني نحو دافيون. تعثرت قدماي وأنا أجذب للأمام، متعثراً على درجات حجرية نحو منصة. اصطدمت معدتي بالنعش الخشبي، وغرزت حافته تحت ضلعي. اختنقت وكأنني طويت نصفين. شعرت بليويس بجانبي، محتكاً ذراعي بذرعه. كان تنفسه ثقيلاً ومجهداً، وظننت أنه فقد وعيه، نظراً لعدم تفاعله مع ظهوري.

قال دافيون، وهو ينتزع الخنجر من جنبه بصوت رطب ومقزز: "أنت الدخيل يا كاين. لماذا تصر على التدخل فيما لا يعنيك؟".

رددت من بين أسناني: "تدخلت لحظة عبثك بعقلي".

تنهد بينما كنت أصارع قيود الدم التي ما زالت تلفني: "هذا صحيح. لكنه كان ضرورياً لأن نشر الإخلاص لم يؤثر فيك. عدم رغبتك في تقبل عظمة فيفدور هي خطيئتك الكبرى".

اختلفت معه بشدة، فإخلاص دافيون كان مقززاً للعين. لماذا علي ربط نفسي بكيان أسمى؟ بدا الأمر أشبه بتكبيل نفسي بصخرة غارقة. لم يبد الأمر مجدداً، حتى لو منحني طول العمر. بدأ جسدي يسخن، وتدفقت النيران عابرة إياي لتتوهج في راحتيّ القابضتين على جانب التابوت. بدت النيران منفتحة للخارج، واملأ رائحة الدخان أنفي. شرع دافيون بالصراخ، مطالباً إياي بالتوقف بينما كنت أدفع بكل قطرة قوة أمتلكها إلى خارج جسدي، آملاً حرق ذلك النعش الديني إلى رماد.

إن لم أستطع النجاة، فسأعطل خططه بأي ثمن. تشكّل نصل من الدم تحت سيطرة دافيون، وشعرت به يشق ذراعي في محاولة لوقف النيران المنبعثة مني. لم أستطع الابتعاد عنه؛ ظل جسدي مكبلاً. صرخت من شدة الألم، ورفعت بشكل غريزي معدل النيران الخارجة مني. فُصلت ذراعي من منتصف عضدي، وتصاعد الألم عبر كتفي ليجعل عقدي ضبابياً. تدفق الدم من جرحي فوق النيران التي خلقتها بنفسي، مسكوباً على الخشب المحترق ليقطر داخل النعش.

بحّ صوتي من الاستمرار في الصراخ، جابداً النيران من جوفي، ومحطماً شيئاً داخل جسدي بينما سحبت من بئر مانا فارغ. بدت الغرفة ساكنة رغم الفوضى، وسمعت دافيون يشرع بالضحك فيما بدا وكأنه نصر. كانت ضحكاته مهووسة، تتواصل بلا توقف، واستطعت سماعها بوضوح فوق صراخي وهدير النيران. أخيراً، أطلقتني حبال الدم التي يسيطر عليها، وانهار جسدي، ضاغطاً على ليويس بجنبي الذي لا يزال يحمل ذراعاً.

نفذت مانا وعقدي، ولم يقم دافيون سوى بالضحك.