وضِعَتْ في يدي أداة غريبة وقبضتُ عليها بقلق. ثم مرّرتُ كفّي على طولها وشعرتُ بخشبها البارد وهو يستدقّ نحو نصل معدنيّ ذي حدّ مستوٍ.
قال لويس: "هذه مِقشَطة لحاء، أو حديدة تقشير. تُستعمل لإزالة اللحاء عن الأشجار".
وأضاف: "أريدك أن تنزع اللحاء كلّه عن الجذوع التي تقطعها، ثم تعالَ إليّ لننقلهما إلى الورشة في الداخل".
أدرتُ مقشطة اللحاء بين يديّ محاولاً تبين طريقتها. وأطلق لويس نفساً ثقيلاً، وسمعتُ أظفاره تحكّ فروة رأسه وهو يشدّ شعره.
"امسكها مثل المرفاة. أماسكتَ مرفاة من قبل، أليس كذلك؟"
أومأتُ برأسي ناقلاً يدي اليسرى إلى رأس الأداة وتلتها اليمنى من الأسفل كأنّي أحمل مرفاة.
"حسنًا. والآن، عليك أن تحكّ اللحاء كأنّك تحفر".
ربّت لويس على كتفي بخشونة دافعاً الجزء الأعلى من جسدي إلى الأمام. وشعرتُ بفمي يلتوي تبرّماً.
وقال وهو ينصرف عائداً إلى الداخل: "ستكتشف بقية الأمر وحدك".
هززتُ رأسي بيأس والتفتُّ أتحسّس أحد الجذوع المبعثرة. كان أحدهم قريبًا فأسندتُ نصل المقشطة على قمّته. وضغطتُ للأسفل كأنّي أهمّ بالحفر فاخترقتُ الخشب. وانكمشتُ بمرارة حين غاصت الأداة بعمق وقطعت ما بعد اللحاء. وبدلت زاويتي وزلّقتها على السطح لتفادي قصّ الكثير. لم أكن أدري لِمَ يتوجّب عليّ تقشير هذه الأشجار، أو لِمَ أمضي مع الأمر وحسب. وتساءلتُ أيضاً لِمَ يسمح لويس لرجل أعمى بفعل ذلك.
لم استطع تقدير كمية اللحاء المقطوع أو معرفة إن كنت أحكّ خشباً أملس مسبقاً. وما كنتُ لأصلح لهذا العمل بالقطع. كثرتِ التساؤلات وغابت الإجابات. وما كانت تلك إلّا أسئلة صغاراً فتجنّبتُ البقية العالقة برأسي. ولأتبين إن كنت أحرز أيّ تقدم في الجذع، انحنيتُ لأمرّر كفّي على طوله. وتحرّكت يدي بحثاً عما تبقى من اللحاء، وما إن حدّدت المواضع حتى نهضتُ لأحك الشجرة الساقطة مجدداً.
وتكررتِ العملية فدخلتُ في إيقاع الانحناء والحكّ. كان اللحاء ليناً وملتصقاً بالخشب الداخليّ. ولا تنفصل عنه قطع كبار دفعة واحدة، ممّا أبطأ العمل. وأخذ أسفل ظهري يوجعني واشتدّ حرّ النهار. ولم يُمنَحْ أيّ مهرب إذ تحرّكت ظلال جدران الحصن لتكشفني للشمس. أسقطت حديدة التقشير ومرّرت الجذع متحسّساً طوله للتأكد من خلوه من أي لحاء شارد. وارتضيتُه أخيراً قبل الانتقال إلى الجذع التالي.
وسأل المهووس بالنار جالساً على جذع آخر: "لمَ لا تحرقه وحسب؟".
استقرّ وجهه الأجوف على ذقنه، وبدا لي شكله واضحاً على الرغم من العالم المظلم.
قلتُ من غير أن أتوقف عن عملي: "إنه خشب. لا يمكنني حرقه".
وعلا صوت حكّ الأداة بلحاء الجذع ليخترق باطن أذنيّ.
"لمَ لا؟ ألست تدمره؟"
اقتربت أسئلته من سذاجة الأطفال فتمنيتُ لو أستطيع تجاهله.
"أنا لا أُدمره. أنا أنحفه فحسب...".
وعجزتُ عن إيجاد وصف آخر لفعلي. استند المهووس إلى الخلف رافعاً رأسه.
"أليس هذا عين الدمار؟ إنك تدمر جزءاً منه".
هززتُ رأسي ضاغطاً بقوة أكبر.
"ليس الأمر سيّان. الأجزاء المُزالة لا تزال سليمة. وحين أحرقها ستتلاشى كلّها".
ضحك فشدّ جلده.
"أنت مخطئ، مخطئ. ستبقى الأسماد. ستبقى إلى الأبد، حتى حين يتحول عظامك إلى رماد".
دوى طقطقة عالية في أذنيّ، ووجدتُ الأداة التي بيدي قد حفرت في الأرض. كانت قبضتي محكمة حتى خيل إليّ أن أصابعي تخدّرت. وفقد وجهي الإحساس هو الآخر فانتزعت المقشطة من التراب. ثم عدتُ إلى الجذع المشقوق متجاهلاً الضرر الذي أحدثته لأحك اللحاء. وحين حرّكت الأداة شعرتُ كأنّي أحكّ وجهي وأزيل ملامحي حتّى يتدفق الدم من الفتحات المكشوفة. وسيلتئم وجهي حتماً ليغدو توأماً للمهووس.
وتسارعت وتيرة عملي من جذع إلى آخر، إذ انحصر هدفي الوحيد في إنهاء هذا العمل بأسرع ما يمكن. ووجّهت إحساسي المعزز نحو سمعي تاركاً أصوات المعدن على الخشب وتشقق اللحاء تصرخ في رأسي لتغطي على أفكاري الأخرى كافة. ولن أتفاجأ إن بدأت أذناي تنزفان. مرّرت يداً مرتعشة بين شعري العرقان ثم أسقطت مقشطة اللحاء. وباتت الجذوع المشقوقة بلا لحاء كلّها وخلورأسي. وناداني باب منزل لويس فخطوتُ للداخل مرحباً بالظلّ.
تتبعتُ صوت التمتمة متحسساً طريقي متجاوزاً باباً. جلس لويس على كرسيّ داخل غرفة رحبة وبدا شكله المبهم منحنياً فوق يديه. وعبق المكان برائحة نشارة الخشب التي شعرتُ بها على جلدي.
قلتُ له: "لقد انتهيت".
فالتفت فجأة شاتماً.
"تبّاً، لقد أفزعتني".
وقف لويس مقترباً مني. ومرّ دافعاً كتفي طالباً مني إتباعه.
"حين تنتهي إذن فلننقل الخشب إلى الداخل".
وخرجتُ من البيت مجدداً أقف خلفه وهو يفحص عملي.
"أحسنت صنعاً. ثمة قطع صغيرة من اللحاء هنا وهناك لكنه أملس نسبياً في مجمله".
وأحسستُ به يرفع أحد طرفي الجذع فأخذتُ التلميح وتحركت لأرفع الطرف الآخر. ومن خفة الوزن المتناهية، أيقنُت أنّ لويس يستطيع حمل الجذع بمفرده ولربّما بدا حمله شاقّاً فقط.
وسألتُ بينما شققنا طريقنا عبر المنزل عائداً إلى الغرفة التي وجدته فيها: "لمَ لا تتركوه في كومة بالخارج؟".
سخر لويس ثم شرع يشرح بخشونة.
"بما أن هذه الجذوع مجردة من اللحاء فهي أكثر عرضة للمطر والتعفن والحشرات. والخطوة التالية هي تقطيعها إلى ألواح وهذا يتطلب متانتها".
وضعنا الجذع بجوار الجدار وعدنا للخارج لنقل البقية. وصاحب عملنا صمت اخترت ألا أكسره بالمزيد من الأسئلة. ووضعنا الجذع الأخير على طاولة فالتقط لويس أداة مستندة إلى الحائط. وتفرستُ فيها لأدرك أنها منشار يدويّ، وأمسك بها لويس بإحكام ساحباً الجذع نحوه.
"سنقطع الجذوع إلى مستطيلات الآن. والقطع التي نحتاجها لما نبنيه ستأتي منها".
قطّبت حاجبيّ مندهشاً من استخدامه لكلمة "نحن".
وبدأ لويس القطع بعد أن ثبت المنشار فوق الجذع. لم استطع تحديد ما يفعله بدقة لكنه أنهى عمله سريعاً. وتنقل حول الطاولة متخذاً وضعيات مختلفة أثناء القطع. أطلق زفيراً ووضع منشاره جانباً.
"انتهيت من هذا الجانب. تعال، المس".
قبض على ذراعي بسرعة مذهلة دافعاً إياها لتلامس الجانب الأملس من الجذع الآن. وكان القطع متناسقاً تماماً، فأعجبتُ باستقامة جانب الجذع.
تمتمتُ: "إنه نظيف حقاً".
وكدْتُ أشعر بزهو لويس لهذا الثناء.
"نعم، كذلك هو. لابد أن يكون هكذا وإلا جاءت النتيجة سيئة".
وكان العمل مذهلاً بالنظر إلى قطع الخشب في كوكب الأرض بمناشير الطاولات والآلات الأخرى على حد علمي.
وسألته بينما تحرك ليبدأ جانباً آخر: "كيف فعلتَ هذا؟".
"أملك مهارة في ذلك. تحافظ على ثبات أي خط أرسمه، إنها لأداة لا تُقدر بثمن".
بدا الأمر مريحاً بالفعل وتساءلت إن كان بالإمكان تطبيق الخط على شيء آخر غير الخشب. وربما أمكن رسم خط إلى مكان آخر بحيث لا يضلّ المرء طريقه أبداً. وسرعان ما قطع لويس الجذع حتى لم يبقَ سوى كتلة خشبية ملساء الجوانب حسبما لمستها. ثم انتقل ليلتقط جذعاً آخر حاملاً إيّاه بسهولة وحده. وفرز نصفي الجذعين اللذين أفسدتُهما واضعاً إياهما على طاولة أخرى.
قال لويس بصوت مشوب بابتسامة ماكرة وهو يناولني منشاراً إضافياً: "يمكنك التدرب على الذي أفسدتَه. فقط اقصص جوانبه الأربعة بخط مستقيم وستخرج بنتيجة مقبولة".
أومأت متبعا توجيهاته. وعملنا بصمت لبضع دقائق قبل أن يتكلم.
سأل: "كيف وجدت طريقك إلى هنا؟".
لم أدرِ أكان يقصد المعنى الحرفي ويسأل كيف سافرت أعمى. لذا قررت الإجابة بصدق.
"لم أجد طريقي بالحقيقة. لقد جئت إلى هذا المكان صدفة".
ضحك لويس بخفة وكدتُ أسأله عما يضحكه قبل أن يرد.
"يبدو أن الحال هكذا لكل من ينتهي به المطاف هنا. بلا وجهة، ليظهر دريكستيد في طريقهم".
"كأنهم سيقوا إلى هنا؟".
تذمر من سؤالي وصمت مفكراً.
تمتم لويس لتتطاير كلماته في الهواء المليء بالغبار: "لعلّ فيفدور يرشد الناس إلى حيث يمكنهم تقديم عبادتهم".
فوجئت إذ لم يبدُ رجلاً متწვّداً. وقالت أليا أيضاً إنه لم يحضر مراسم الصلاة التي استضافها دافيون.
سألت وفضولي يقود أفعالي: "أَتؤمن بفيفدور؟".
قال بصوت حازم: "أفعل. إنه ملك هذا المكان لذا أهبه إيماني".
ثم زمجر لويس مطلقاً صوتاً خفيفاً من الضيق.
"فقط لا أمنحه للرجل الذي يسمي نفسه بطريركاً".
كان مثيراً للاهتمام رؤية اختلاف رأي لويس المناقض لتفاني أليا المخلص لدافيون. وتصاعد شعور بعدم الاحترام من لويس ولم أملك إلا التساؤل عما أشعل عداوته. ولكني اخترت طرح سؤال في اتجاه آخر.
"لمَ تؤمن بفيفدور؟".
لم يرد لويس وخفتُ أن أكون قد أضبته بسؤالي. فلم أكن متأكداً إن كان السؤال عن عقيدة المرء أمراً شخصياً أكثر من اللازم. ونقل لويس قطعة خشب منتهية إلى الأرض ليجيب أخيراً.
"ليس الإيمان بفيفدور بقدر ما هو إيمان بملك. يبدو أن الإنسان بحاجة لمصدر إيمان. شيء يتطلع إليه ويطلب منه الهداية، أفلسنا جميعاً تائهين بلا هدف؟".
تأملت كلماته وكانت رؤيته جديدة عليّ. وبدا فيفدور أقل أهمية من كونه شيئاً يُهَب له التعبد. أكان الإيمان بشيء ضرورة للمضي قدماً؟ فتشتُ في عقلي علّني أجد شيئاً أؤمن به. فلم تظهر نتائج، حتى مع مراقبة الكاهن الحزينة لبحثي. وما مغزى وجود الكاهن إن لم يُكرّس من قِبل ملك؟ وبدا خلقه من قِبل عقلي المكسور ضرباً من النفاق.
سألت: "وماذا عن وجود الملحدين؟".
ألم يكن رجل مثلي منحرفاً من وجهة نظره، ومختلفاً عن البقية؟
برّر لويس قائلاً: "ألا يؤمن الملحدون بوجود العدم؟ لا بد أنهم يعتمدون أيضاً على غياب الملك، تماماً مثل الشخص الذي يعتمد على ملك".
وشعرتُ بالتمزق جراء محاولته شرح أمر كهذا بهذه النظافة. والأكثر من ذلك أنني لم أكن واثقاً حتى من صحة تقييمه للملحدين لكونه ليس منهم. هل آمنت بوجود العدم؟ طالما بدا حاضراً أمامي، سواء أكان السواد أمام عينيّ المفقودتين أم الفجوة التي بدت أحياناً وكأنها تتشكل داخل جسدي. أكان ذلك إيماناً رغم ذلك؟ عجزتُ عن تعريفه وحنى الكاهن رأسه متنهداً. وتشابكت يداه في دعاء وبدت كلماته المتمتمة وكأنها موجهة إليّ.