في صباح اليوم التالي، وقبل السادسة بدقائق معدودة، كان جاكي وأوليفيا في الخارج أمام المدخل، ينتقيان المسار ويُراجِعان سيارة نوكتيس قبل أن نتحرّك. قررت التسلل إلى المطبخ لخطف بعض القهوة وتوديع إيغور. كان الطاهي الرئيسي هناك كعادته، يعمل بطريقته البطيئة المنهجية، ويتمتم بكلمات غاضبة تحت ضوء خافت طوال الوقت. وكان كابا يقبع بجانب الفرن محاولاً التدفئة. حاولت إيسيت ليلاً أن تشرح لي أن كابا ليس من ذوات الدم الحار ولا البارد، وأن تلك التصنيفات لم تكن دقيقة على أية حال.
وما استخلصته من ذلك الحديث برمّته هو أن كابا يحتاج إلى نوم أطول بكثير في الشتاء مقارنة بالصيف، لذا دهشت حين رأيته خارج عشه في مثل هذا الوقت المبكر. ولم أندهش حين رأيت جفنيه يتقاتلان لتبقى عيناه مفتوحتين.
صاح كابا: "ميرا!".
وانساب نحوي بينما ضحكت وأصدرت أصواتاً تعاطفية. كنت أدرك تماماً ما يشعر به. كانت السادسة صباحاً مبكرة للغاية، لا سيما في صباح شباط القارس. وحين بلغني كابا في النهاية، حملته وضممته إلى صدري. لم أكن بحرارة الفرن، لكن حرارة جسدي بدت أفضل من العدم.
سألته: "ما الذي أهّبك مبكراً هكذا؟".
أجاب كابا بينما كان يحاول الالتصاق بي قدر الإمكان: "الوداع".
قال إيغور: "إنه معسكر هناك منذ نصف ساعة".
سألت: "لماذا الفرن مشتعل؟ أتقوم بالطهي؟".
"إنه يسخن مسبقاً. أعدّ فطائر محلاة".
"لكنك قلت البارحة...".
"قررت إعداد فطائر محلاة".
استنشق إيغور الهواء.
"في صباح كهذا، نحتاج جميعاً إلى ما يدفئنا".
ابتسمت. أصرّ كابا على مرافقتي حين ذهبت لتوديع إيسيت. وبعد مغادرة المكتبة، وقفت أمام الدرج الكبير، محاولةً أن أقرر ما إذا كنت سأعيد كابا إلى عشه أم أضعه قرب الفرن، حين هبط كونراد على السلالم.
قال حين وطئت قدمه الطابق الأرضي: "آه، تساءلت عما إذا كان كابا سيتمكن من الاستيقاظ في الموعد".
تفوه كابا: "كونراد!".
سألت: "أكنت تعلم أنه سيستيقظ؟".
"سألني البارحة عن موعد رحيلك. أراد أن يودعك. وظننت أن علي النزول لأتأكد من نيله تلك الفرصة".
هزّ رجل الذئب كتفيه.
"أظنه سبقني إلى ذلك".
قفز قلبي فرحاً. لم يكن لدي صديق غريب الأطوار واحد بل صديقان مستعدان للنهوض باكراً لضمان حصولي على وداع لائق. كان ذلك وفراً محرجاً. توجب علي تغيير الموضوع لئلا أغرق في المشاعر والوجدان. فالمشاعر قبل الفطور لم تكن فكرة صائبة قط.
قلت: "لقد كان بانتظاري في المطبخ، وأنت أيها البطة المحظوظة... أعني الجرو المحظوظ! ها! أنت أيها الجرو المحظوظ، تنال فطائر محلاة على الفطور".
تجعّد جبين كونراد، متسبباً في تداخل الفراء فوقه طيات دقيقة.
"ظننت...".
أوضحت قائلة: "لم يشعل إيغور الفرن لأجلك يا كابا. بل يسخنه مسبقاً للفطائر".
استدار كونراد وأطلق زفيراً قوياً.
"آه".
عاد والتفت إلي.
"اعتني بنفسك يا ميرا، وحاولي الابتعاد عن المشاكل قدر الإمكان".
"تجعل الأمر يبدو وكأنني أخطط لشيء ما".
"لا أظنك تخططين لشيء. إن حدث لحقيبتي مكروه...".
لفتّ عينيّ بضجر.
"لن يصيب حقيبتك مكروه".
في أي يوم قريب، سيتحتم علي شراء حقائبي الخاصة، لكن وبما أن كونراد لم يكن مرافقاً لي في هذه الرحلة، فقد تمكنت من استعارة حقيبته العسكرية ذات التحميل العلوي. كانت مستقرة بجانب الباب، إلى جوار حقيبة أوليفيا اليدوية. الجديدة منها. تلك التي اشترتها تور ألبيون عوضاً عن الحقيبة القديمة التي احترمت حتى تحولت إلى رماد بينما كنت استعيرها لأنجز مهمة لهم.
قال كونراد: "أجل حقاً. وإن حدث لحقيبتي أي مكروه، أريد واحدة مثلها تماماً".
"حسناً، حسناً".
انفتح الباب خلفي، دافعاً بهبوب هواء بارد. أطلق كابا صهوة خفيفة وحاول التواري في صدري. دخل جاكي الضخم والتقط الحقيبتين.
قال: "صباح الخير يا كابا، ويا كونراد".
ردّ كونراد: "صباح الخير يا سيد نوكتيس".
"إميرا، نحن مستعدان للانتحار، وأوليفيا متشوقة للبدء".
قلت: "سأكون هناك خلال ثانية".
حمل الحقائب وأغلق الباب وراءه مغادراً.
التفتّ قائلة: "حسناً يا كابا، لدي مهمة بالغة الأهمية لك".
صاح: "نعم!".
"عليك الاعتناء بكونراد ريثما أغيب. ارعَه، اتفقنا؟".
"اتفقنا!".
مددت يدي، فزحف من ذراعي صعوداً إلى ذراع كونراد. ثنى رجل الذئب مرفقه ليجد كابا مكاناً يستقر فيه.
أردفت: "ولا تدعه يتابع أي أنمي من دوني".
قال كونراد: "ستكون هذه المرة الأولى منذ أشهر التي أشاهد فيها عرضاً أمريكياً ليس رسماً متحركاً. أترينني مهدراً لهذه الفرصة؟".
نقلت ثقلي من قدم إلى أخرى بينما كنت اعبث بأصابع يديّ.
قلت أنا البليغة دائماً: "ممم... أترغب... أترغب في عناق؟".
ارتفعت حافة شفتي كونراد السوداوين.
"يسرني ذلك".
حدثت نفسي وأنا أطوق كونراد بذراعيّ: "أنا أسوأ من إيغور. لا يمكن أن يكون سبب رغبتي في العناق هو حاجتي إليه. كلا، أنا أفعل هذا مجاملة لكونراد".
ومثل إيغور، ربما لم أكن أخدع أحداً. أخذت نفساً عميقاً، استنشقت خلاله رائحة فراء كونراد الغريبة. مدّ كابا يده وراح يدلك صلعتي بالطريقة التي اعتاد رؤية كونراد يفعلها بها. بدا الأمر أقل راحة نظراً لأن لكابا أيدي لزجة وصغيرة مكففة عوضاً عن كفوف ضخمة مبطنة يحيط بها الفراء، لكنه ظل محبباً بالقدر ذاته.
هتف كابا: "وداعاً يا ميرا!".
"أراك قريباً يا صاحبي".
رفعت بصري نحو كونراد.
"إلى لقاء آخر يا فتى الذئب".
"إلى لقاء آخر يا فتاة الزومبي".
التقطت ترْمُسَي القهوة اللذين تركتهما على طاولة الرواق، وأخذت معطفي، متجهة نحو السيارة. كانت أوليفيا جالسة بالفعل في المقعد الخلفي. حزام الأمان يلتف حولها، والدفاتر مبعثرة على بقية المقعد. وقد غطت أذنيها بسماعات رأس ضخمة. حين طرقت زجاج نافذتها، لم تستجب. حسناً، إن لم تكن ترغب في المقعد الأمامي، فسرني شغله. وما إن استقرت بي الجلوس، التفتّ للخلف ودفست الترمس الثاني بينها وبين الدفتر الذي كانت تطالعه.
رفعت بصرها ورفعت السماعات عن إحدى أذنيها.
قلت: "إنه أسود، لكنه ساخن. أترغبين فيه؟".
تناولته مني.
وبعد نصف ثانية تمتمت: "شكراً".
التفتّ للأمام.
"إذن، كيف تفضلين قهوتك؟".
لا جواب. ألقيت نظرة عبر كتفي. كانت السماعات قد عادت إلى مكانها، واستأنفت تركيزها على دفترها. تساءلت كيف كانت ستغدو حياتي لو أنني بلغت مستواها في التركيز. لا بأس. لم يكن الأمر ليطيل عمري على أي حال. جلس جاكي في مقعد القيادة وأدار السيارة. اندفعت تلقائياً لأعدل إعدادات التدفئة كيلا نتجمد أنا وأوليفيا أنا وهو. فدرجات الحرارة الملائمة لم تكن تفاصيل يكترث لها جاكي نوكتيس أبداً.
كان لا يزال بحاجة لمن يذكره بأننا لا نحرق الفحم لتدفئة القصر. خرجنا من الممر الطويل متوجهين نحو الطريق الذي سيقودنا حتماً إلى الطريق السريع.
قلت: "أقول يا جاكي؟".
"نعم؟".
"حين تكون وحدك في السيارة، ألا يتبلل الزجاج بالبخار أبداً؟".
تخلل ذلك صمت طويل ومتأمل.
قال: "لا أعلم".
"ألم تلاحظ ذلك قط؟".
"نادراً ما أقيادة وأنا وحدي. فالأسرع لي أن أسدّ...".
تردد قليلاً.
"... بطريقة أخرى".
"أي طريقة تلك؟".
"تشبه المشي، سوى أن...".
"سوى ماذا؟".
"سوى أنها أسرع".
رشفة من القهوة أخذتها لأخفي ابتسامتي. لعل ذاك خير تفسير يمكن أن أتوقعه من جاكي الضخم. فالرجل لم يكن شاعراً. ولا عالماً. ولا إنسانًا حقاً. بل كان هوساً هيكلياً أحادي التفكير، تبنى بعض الهوايات لملء الوقت السرمدي لحياته الخالدة. كان يجمع ألعاب الاستراتيجية والخوارق الضالين.
قال لي يوماً: "أحاول جعل منزلي مريحاً لكائنات قد لا تجد مكاناً لها في هذا العالم سواه".
أدركت أن ذلك يشتملني، وبدا منطقياً أن يشمل إيسيت كذلك. كنت قد سألتها ذات مرة عن عدد المومياوات المتبقية في العالم. فأجابت، على حد علمها، أنها الباقية الوحيدة. فكرت في بقية قاطني القصر وتساءلت كم منهم كان ضالاً.
قلت: "يا جاكي، كيف صرت سيد أوليفيا؟".
"كتبت إليّ رسالة، تسأل عما إذا كنت سأقبل بها متدربة".
"أكنت تعرفها؟".
"لم أكن أعرفها آنذاك".
تردد صوت خافت. لم أرَ قط صدره يتحرك مع التنفس، لذا استغرقني الأمر لحظة لأدرك أن جاكي نوكتيس كان يتنهد.
"كان هناك الكثير مما لم أعرفه حينذاك".
كانت ثمة حكاية هناك. فتجسيد الموت لا يتنهد كثيراً. وكانت أمامي رحلة قيادة تدوم خمس ساعات دون سبب يدعوني لتجنب الفضول.
قلت: "الطريقة التي قلت بها ذلك توحي بندمك على قبولها".
أدار جمجمته نحوي برهة قبل أن يعيد تركيزه إلى الطريق.
"لا ندم عندي. لقد استفدت من هذا الدور أكثر مما تخيلت إمكانية حدوثه. ولعل تلك هي المشكلة".
"ماذا تقصد؟".
"حين وصلتني الرسالة، طلبت من إيسيت أن تحدثني مطولاً عن علاقة السيد بالمتدرب. فقالت إن المتدرب يوافق على المساعدة بلا أجر أو بأجر زهيد مقابل حصوله على فرصة مراقبة السيد والتعلم منه".
أدرت ذلك التعريف في ذهني. وتطابق مع ما أعرفه نذراً يسيراً.
"حسناً. وماذا بعد؟".
"من الممكن مراقبتي، وكنت أعلم أن المراقبة تتيح التعلم الكثير من الآخرين. وما لم أدركه هو أنه كي يُعتبر المرء 'سيّداً'، كان هناك افتراض مسبق بإتقان حرفة أو مهارة ما".
"تقصد...".
"حين كتبت إليّ أوليفيا، كانت تعلم أنني أشغل منصباً خاصاً في عدة تورّات. فظنت أنني ساحر".
"أتت إليك على أمل أن تعلّمها السحر؟".
طبقت شفتي لمنع نفسي من الضحك. ربما كان جاكي حزمة من الألغاز متقنة التخفي داخل بدلة أنيقة، لكنه لم يكن ساحراً قط.
"نست لي مساعدة ساحرة موهوبة وقوية. وربما نالت أوليفيا سيّداً لا يستطيع تعليمها شيئاً".
بدا صوته وقوراً لدرجة تبخرت معها كل روح الدعابة لدي.
واستطرد يقول: "حاولت أداء واجبي نحوها، بالقدر الضئيل الذي أستطيعه، لكنني أخشى أن تكون قد نالت الجانب النيئ من الاتفاق".
استغرقني الأمر لحظة لأفك طلاسم ذلك التعبير الخاطئ.
"تقصد 'الجانب الخاسر من الصفقة'؟".
"ألم أكن هذا ما قلته؟".
"لكن ما إن علمت أنك لست ساحراً، لمَ لم تذهب للبحث عن سيد آخر؟".
"لا أعلم. عرضت عليها المساعدة في إيجاد مكان آخر، لكنها رفضت. إن أردت معرفة أسبابها، فعليك سؤالها".
نظرت خلفي. كانت أصابع أوليفيا النحيلة مستقرة على الدفتر، وكأنها بحاجة لعيناها ويديها لاستيعاب تلك المعلومات بأسرها. وخلة من شعرها الأحمر استقرت بين شفتيها. لعل كابا رآها تمضغ شعرها وتساءل عن طعمه. ابتسمت لهذه الفكرة. كان منطقياً أن يكون لشعرها الأشقر الضارب للحمرة طعم الفراولة. فما عساك تذوق في تلك الدرجة النحاسية المشتعلة؟ معدناً مصهوراً؟ أدرت وجهي للأمام.
"ربما لاحقاً. تبدو مشغولة الآن. ماذا تفعل على أي حال؟".
"تدرس".
"أهناك اختبار مرتقب؟".
"بالنسبة لها، ربما كان كذلك".