عمياء كساحرة (نوكتيس 4) الفصل 32 — اليقين

اقرأ عمياء كساحرة (نوكتيس 4) الفصل 32 — اليقين باللغة العربية على مانجا تايم.

وجدني كوزمو عندما فرغ من الحديث إلى إيليس، غير أنّي لم أظفر بفرصة لسؤاله عن شيء. أولاً، لصعوبة أن أشرح له كيف عرفت ما يكفي لأسأله عن التحذير، وثانياً، لأنّ كون المرء ساحراً مهمّاً يجعله محبوباً تلقائياً في حفلات السحرة. لك أن تتخيّل. أراد الجميع فرصة للحديث إلى كوزمو. بالنظر إلى الرشاقة التي تعامل بها مع الأمر، لم أكن متأكدة إن كنت أنفع شيئاً بصفتي حارسة. ثم لمّحته ينظر إليَّ فور سؤالي ما كنت متأكدة أنّه سؤال غبيّ لساحر هبَّ ليُفسّر كيف لا أفهم شيئاً.

تدفقت الامتنانات من عينيه. كان بوسعنا كلينا الوقوف هناك والاستماع إلى المرأة وهي تثقفني. ولن يضطر التورمان إلى النطق بكلمة. اتّضح أنّ الجهل قد يكون مفيداً بقدر المعرفة تماماً.

بعد ساعة، في أول لحظة فراغ أُتيحت له منذ عودته إلى الغرفة، قال كوزمو بصوت خفيض: "أترين أن بإمكاني الهرب الآن؟"

أجبته بنبرة هامسة: "اركض نحو الباب! سأغطيك."

رمقني بنظرة.

"هذا لن يكون مؤدباً. عليَّ إلقاء التحية على المُضيف على الأقل."

أرهفتُ السمع بحثاً عن ضحكات. كانت تلك عادةً علامة موثوقة على قُرب رال أكستون. لا توجد بارقة أمل.

قلت: "لا أعلم إن كان رال في الغرفة."

"إذن سأودّع إيليس."

كانت تقف على بُعد بضع مجموعات، تتحدث بطريقة مرتاحة وهادئة، وتشعر بالألفة التامّة مع الانتباه الموجّه إليها. عندما لمس كوزمو مرفقها، استأذنت ومشت معنا أقرب إلى الباب. وما إن ابتعدنا عن بقية الحضور حتّى أوضح كوزمو أنّه مغادر.

سألت: "بهذه السرعة؟"

"عليَّ القيادة عودةً إلى موتلي لنيل قسط من النوم. يجب أن أكون في المدينة صباح الغد. شكراً مرة أخرى على استضافتك. لديك منزل جميل."

"شكراً لحضورك، أستاذ أولر."

عجبتُ لمدى عفوية أسلوبها. لو لم أكن أتنصّت عليه شخصياً، لما صدّقت أبداً أنّ هذين الاثنين كانا يتجادلان. ربما كان كوزمو يفكر في الاتجاه نفسه. فتح فمه كمن يريد قول شيء، ثم توقف وعدّل نظّاراته.

قال: "حظاً سعيداً، سيّدة أوليفيرسن. اتصلي بي إن احتجتِ شيئاً."

"سأفعل."

استدار التورمان.

"شكراً لمؤانستي يا إيميرا. ألقِ التحية متى رأيتني."

ابتسمتُ باتساع.

"هذا وعد يا كوزمو."

أي رجل يمدحني وأنا أرتدي فستاناً دوّاراً هو صديق مدى الحياة تلقائياً. أومأ لنا للمرة الأخيرة ثم مغادراً. راقبناه وهو يعبر وسط الحشد ليختفي في الرواق، تاركاً وراءه غرفة مليئة بالألوان، وحركات خفية، والثرثرة الهادئة لعشرات الأصوات.

قالت إيليس: "من أنتِ يا إيميرا كول؟"

التفتُّ إليها. كانت لا تزال مطرقة ببصرها نحو المدخل، لكنّها ما إن شعرت بعينيّ عليها حتّى رمقتني.

قالت بالنبرة الهادئة المستوية نفسها: "من أنتِ حقاً؟"

كان عليَّ ابتلاع ريقي قبل أن أتمكن من الإجابة.

"لا أحد."

"لستِ ساحرة، ومع ذلك تنادين تورمان باسمه الأول، بينما يعرفك آخر من على بُعد ياردات ويهرع لتحيتك."

"إنّه الشعر. من السهل رصده. خصوصاً إن كان مشمساً."

لم يرفَّ لوجهها جفن.

حثستها: "أتعرفين؟ من الوهج؟"

لا ردّ فعل البتّة. فكرت: واه، حشد صعب.

تابعت إيليس: "أخبرتني نيلا أنكِ تدّعين عدم امتلاك أي قوة."

أمالت رأسها، لكن عينيها لم تفارقا وجهي قط.

"لا أرى ذلك. ثمّة شيء ما فيكِ. ربما لم تكن قوة، لكنّكِ لستِ لا أحد."

أدرتُ وجهي بعيداً قبل أن تلاحظ نظراتي.

"يوجد كثير من الأشخاص غير المهمين في العالم، سيّدة أوليفيرسن. أحياناً نجد طريقنا إلى حياة المهمين."

تجاوبت أخيراً: انحدرت شفتاها الفاتنتان إلى ابتسامة خبيثة.

"يا له من تعبير مثير للاهتمام."

أخذت نفساً وسمحت لعينيها بالاسترسال فوق الغرفة. ما إن غادرتا وجهي حتّى شعرت بالارتياح.

مضت تقول: "بالطبع، سيجادل بعض الناس بأنّه لا وجود لشيء اسمه حياة غير مهمة. ما رأيكِ أنتِ؟"

انسَي وجود شيء مميز فيّ، لقد كان ثمّة شيء ما فيها. كان صوتها مذهلاً. ينحدر من كلمة إلى أخرى من غير استعجال.

قلت: "أعتقد أنّ هذا تلاعب بالمصطلحات. أكلّ الحياة مهمة؟"

هززت كتفيَّ.

"لكنّني أعلم أن بعض الحياة تصنع فارقاً أعظم للع العالم من سواها."

كانت تراقبني مجدداً. دفاعاً عن نفسي، قلبت الحوار عليها.

سألت: "ما رأيكِ أنتِ؟"

"أعتقد أنكِ شديدة الفطنة."

هذا قدر ما يكفي من ذلك التشتيت. كنت على وشك إشهار درع، حين التفتت إيليس برأسها. طافت نظراتها فوق الحشد حتى استقرت على شيء ما.

"أليست جميلة؟"

تبعتُ خط نظرها. كانت إيليس تراقب ابنتها الصغرى. كانت أوليفيا تقف في مجموعة صغيرة مع أشوورث وساحرتين لا أعرفهما. حتى بجوار أشوورث، كانت تتوهج. كانت ابتسامتها، وضحكتها، وحركاتها طبيعية تماماً وخالية من التكلف. إن كانت إيليس تتمتع برشاقة من تتخذ وضعية مثالية، فإنّ أوليفيا كانت تتمتع برشاقة من لا وضعية لها. تخثرت قطرة حسد في قلبي كقطرة عصير ليمون في ماء. تكفي لإضافة نكهة، لا لتجعلها حامضة.

يا له منغّص.

اعترفت: "هي كذلك."

"لمَ ترين السيد أشوورث مهتماً بها إلى هذا الحد؟"

رفعت بصري نحو إيليس. كانت لا تزال تراقب ابنتها، لكني تذكرت تلك النظرة الحسابية القاطنة خلف مقلتيهما، وقررت، في هذه المسألة، أنّني لست بحاجة للعب دور الجاهلة.

"اكتشف مؤخراً أنها متلمذة لدى جاكي الكبيرة. أظنّه فضولياً حيال ذلك."

تمتمت السيّدة أوليفيرسن: "ولمَ لا نكون جميعا."

وأردفت بعد ثانية: "لكان زواجاً ذكياً."

كان على دماغي القيام بعدة دورات قبل أن يلحق بما كانت تقوله.

"تعنين أشوورث وأوليفيا؟"

جاهدت لإبعاد الاستنكار عن صوتي. أشوورث لم يكن شخصاً تواعده. أشوورث كان شخصاً تضعه خلف زجاج لتتأمله. ويجب أن يكون زجاجاً ثخيناً حقاً لكي لا يصل إليك. لا بدّ أن ثمّة نوعاً من الخطوط التي تعبرها؛ فلو كنتَ بهذا الجمال، أو بهذه القوة — أو الأفضل من ذلك، كليهما — فحينئذ يمكنك تقييم أوين أشوورث كمادة للمواعدة. أنا لم أعبر ذلك الخط. لم استطع رؤية ذلك الخط حتى بالمنظار. لكنّ إيليس أوليفيرسن خلفت ذلك الخط وراءها بعد ثلاث ثوانٍ من خروجها من مرحلة ما قبل المراهقة المحرجة.

قالت: "إنه ساحر قوي، وبارع للغاية. توجد، بالطبع، مشكلة لا كون أوليفيا لا تزال قاصراً..."

ابتسمت عندما سمعت النبرة الحادة في صوت إيليس أوليفيرسن. مهما كانت، ظلّت والدة أوليفيا في النهاية.

"—لكن رال سيتدخل إن ظنّ أن السيد أشوورث يمنحها قدراً مفرطاً من الاهتمام. إنه حمائي لأبعد حد تجاه بناته."

مالت نحوي وخفضت صوتها.

"وهو أمر في غاية الظرف، باختصار."

شعرت بقلبي يخفّ. كنت أحظى بلمحتي الأولى لتلك الإيليس أوليفيرسن التي وقع رال أكستون في حبّها.

سألت: "السحر يتزوج السحر؟"

"عادة."

ترددت.

"أنتِ لا... أنتِ لا ترتبين ذلك، أليس كذلك؟"

"نحن لا نبلغ ذلك الحد. لكن ثمة منافسة ضارية لإيجاد شريك ملائم."

عبست إيليس، وهبط صوتها إلى همهمة.

"على الأقل لن تضطر أوليفيا للتعامل مع ذلك."

تلاشى العبوس فور ظهوره تقريباً، تاركاً وجهها ناعماً وساكناً. كانت نقاط التوتر الوحيدة في جسدها مستقرة في كتفيها. كانت ترفعهما إلى الأعلى.

قلت: "ماذا تعنين؟"

حين التفتت إيليس نحوي، ضاقت عيناها. لا أعلم ما الذي كانت ترتاب بشأنه، لكنّها ارتاحت عندما رأت تعبيرات وجهي.

"بسبب حالة... أوليفيا... لن يضعها معظم ذكور السلالات القوية في الحسبان كزوجة. إنه لأمر مؤسف من بعض النواحي. لكنه يمنحها قدراً هائلاً من الحرية."

"أهو أمر جلل إلى هذا الحد؟ أعني، ما زالت قوية، أليس كذلك؟"

"لو جرت الأمور بخلاف ما جرت عليه، لكانت أوليفيا إحدى أقوى ساحرات العالم. لكانت فخر سلالتي أوليفيرسن وأكستون."

نظرت إيليس إلى الأرض، وتصلبت عضلات فكها.

"لكن ذلك لم يحدث."

بينما كنت أتأمل إيليس، تسلل شعور غريب باليقين إلى جسدي. تجمّع من كل نقطة بعيدة، متجمعاً في صدري حتّى كدتُ أستشعر ثقله. لقد اعتدت الثرثرة المستمرة لعقلي — ولم أكن معتادة على حمل أفكار غير منطوقة بين أضلعي.

وجدت نفسي أقول: "لا، لا أستطيع استيعاب ذلك. كيف لا تكون قوية؟"

أطلقت السيدة أوليفيرسن زفرة قصيرة. بدا الأمر وكأنّني نجحت أخيرًا في إزعاجها. لقد استغرق الأمر وقتاً أطول ممّا ظننت.

"آنسة كول، أيمكنك تخيل مدى ما كان بوسع أوليفيا إنجازه لو امتلكت ذرة واحدة من الموهبة؟"

"أيمكنكِ تخيل مدى ما كان بوسع أوليفيا إنجازه لو سُمح لها باستخدام المعينات؟ أنا أستطيع. لقد راقبتها وهي تعمل."

كانت مبالغة. لم أستطيع عقد مقارنة، حتى بالمخيلة، لأن أوليفيا كانت إحدى السحرة القلائل الذين رأيتهم في عملهم. ولكن، هيه! بدا الأمر مؤثراً بالنسبة لي، ولم أكن لأدع أمراً مزعجاً كالمنطق يفسد حجتي.

قالت السيدة أوليفيرسن: "معينات؟"

"رونيات. أدلة ورقية. أدوات."

"آه."

التلت ابتسامة إيليس على جانب واحد.

"لستِ على دراية بثقافتنا، أليست كذلك يا آنسة كول؟"

قلت: "كلا."

لم أقل عمداً، في تلك اللحظة، إنّني لا أرى في ذلك سلبيّة كبرى.

"السحرة لا يستخدمون تلك الأنواع من الأدوات."

"أوليفيا تفعل."

"من المرجح أن أوليفيا أصبحت معتمدة عليها."

"كنت تقولين قبل لحظة إن أشوورث قوي وبارع. إنه مشعوذ. أيفعل ذلك؟"

"عليه فعل ذلك. أما الساحرة فلا ينبغي لها."

"أوليفيا لا تحتاج إلى ذلك أيضاً. كم سنة أمضتْها في تلك المدرسة لتثبت أنها قوية بالقدر الذي يمكنها من ركل مؤخرة الجميع وهي معصوبة العينين؟"

"آنسة كول، أنا أقدر أن هذا منظوركِ، لكنّكِ لستِ ساحرة، ولن تفهمي."

لم تكن هناك شعلة غضب أو حنق في صوتي، لكن كلماتي التالية انبعثت من اليقين القابع في صدري، وحملت معها ثقل ذلك اليقين أجمع.

"العالم يتألف ممّا هو أكثر من مجرد سحرة، سيّدة أوليفيرسن، وأعتقد أنكِ لو كنتِ أقل هوساً بما كان يمكن لابنتكِ أن تكونه، لكنتِ قدّرتِ الابنة التي بين يديكِ."

لقد تماديتُ كثيراً. أدركتُ ذلك فور خروج الكلمات من فمي. احمرّ وجه إيليس، وارتجفت يداه، وانطبق فكها بإحكام. وبينما كنت أراقب الغضب المكبوت وهو يختلج حول ملامحها، فكرت في قتال رال أكستون بلا ضوابط، وتساءلت عما إن كان سيبقى مني ما يكفي لملء جزء من ملعقة شاي.

قال صوت إلى جانبنا: "ما الذي يجري؟"

التفتُّ أنا وإيليس. كانت أوليفيا. لم يلاحظ أي منا اقترابها. كانت عيناها تتنقلان بيننا. وكان جسدها مشدوداً، وتعبيراتها متوترة. أخذت إيليس نفساً وابتلعت ريقها. وعندما تحدثت، راحت عيناها تتجولان بقلق، ناظرتين إلى أي مكان عداي أنا أو ابنتها.

"لديك صديقة جيدة يا أوليفيا. إنّها تكاد تماثلك في اللباقة. اعذراني."

غادرت إيليس الغرفة، مجتاحة المكان متجاوزة رال وهو يعود للداخل ومتجاهلة إياه حين نادى باسمها.

استدارت أوليفيا نحوي محتدة: "ماذا قلتِ لها؟"

تركتني لمستي مع الموت امرأةً أكثر تواضعاً. استأنفت التنفس وسمحت لرجفة أعصابي بالخروج من جسدي. ثم لعقت شفتيَّ وحاولت التفكير في طريقة للإيجابة.

جازفت بالقول: "أستصدقينني لو أخبرتك بأنه لم يكن أمراً مهماً؟"

"أكنتما تتحدثان عني؟"

"أممممم... ربما قليلاً."

"ماذا قلتِ؟"

"انظري، لديَّ بالفعل ساحرة واحدة غاضبة مني—"

"لديكِ اثنتان. أجيبي عن سؤالي."

"أخبرتها أنني لا أفهم لم لا تُعتبرين قوية لمجرد أنكِ لا تستطيعين استشعار السحر!"

عضضت على شفتي بقوة فور تلفظي بها، لكن فوات الأوان قد حاق.

"إذن أنتِ تعلمين."

كان صوت أوليفيا هادئاً. أبعدت بصري عن وجهها. لم أكن أدري ما سأراه إن نظرت إليها، ولم أظن أنها تريد مني رؤيته. أطلقت ضحكة قصيرة. وثب رأسي للأعلى. كانت أوليفيا — لم أكن أتخيل شيئاً. كانت إحدى ذراعيها متقاطعة فوق صدرها، تسند مرفقها الآخر. واستقرت أصابعها المرفوعة على صدغها، وكانت تهز رأسها.

تمتمت أوليفيا: "نجل. هذا سيجعلها تغضب حقاً. لم أظن أنها ستغضب إلى هذا الحد."

كنت مرتبكة لدرجة أنني لم أدر ما أقوله.

نظرت إليَّ أوليفيا: "أنتِ حقاً تجيدين اختيار أعدائك يا إيميرا."

أه. واه. بات بإمكاني الكلام الآن.

"أهذا الكلام يخرج منكِ أنتِ؟"

أسدلت يديها إلى جانبيها.

"يا إيميرا، السحرة لا يستطيعون سوى رؤية طريقة واحدة للأمور. إن لم تستطيعي فعلها بتلك الطريقة، فلستِ قوية. لا أستطيع أن أكون مثلهم، لذا ففي نظرهم، أنا حالة ميؤوس منها."

شعرت بلمسة ريشية من الاحترام المليء بالشجن حين سمعت مدى عمليّة نبرتها. كنت أدرك المدة التي يتوجب عليك حمل عبء فيها قبل أن تنسى أنه عبء.

أضافت: "لكنّ الأمر لا يهم."

"لا يهم؟"

"حين تتعلمين ألا تبالي بما يظنه الآخرون، تجدين كل الحرية التي تحتاجين إليها لإنجاز الأمور. أنا أُفضّل حريتي على ما يعدُّه السحرة قوة."