لربما كان الهتاف ثلاث مرات للتقاليد الاجتماعية أكثر من اللازم بمرتين. أردت الجري خلف أياً ما كان ذلك الشيء الذي رأيته، لكن الرواق كان مزدحماً، والتفت الناس لمراقبتي وأنا أشق طريقي بمراوغة. احمرّت وجنتاي، وأرغمت نفسي على الإبطاء. بعد لحظة، اندفعت خارجاً من بين الحشود. صار جميع الضيوف والخادمات ورائي. وامتدّ المنزل الفارغ أمامي، ولا تتخلله سوى شخصية أو شخصيتان. استدرت بسرعة وفتّشت المجموعة التي خرجتُ منها.
بدا كل شيء وكل شخص عادياً تماماً باستثناء—حالحكم من نظرات القلق القليلة التي ألقوها—أنا. عُدتُ إلى استدارتي ورحت أتخبط في الرواق الخالي بمعظمه، ممتناً لتلك المساحة وخلوّها من العيون الفضولية. قطّبت جبدي وأنا أنظر إلى السجاد أثناء المشي، وراح عقلي يتجاوز جهله ببلاغة، محاولاً التقاط بعض البصائر فلا يظفر بشيء. كنتُ شارداً لدرجة أنني كادت اصطدم بأحدهم.
قالت صوت دافئ وودود: "عذراً".
رفعت نظري. لم أكن أعرف تلك المرأة. كانت طويلة وفي وزنها بعض الزيادة.
التفّ شعرها الأشقر في كعكة أعلى رأسها، ويفرض عليّ الصدق أن أصف فستانها البيج الضيق بأنه "غير ملائم".
حين اصطحبني داريوس لأشتري ملابس للمحاكمة، منعني من شراء حذاء بلون الرمادي المائل للصفرة. زعم أن اللون قريب جداً من الرمادي الفاتح لسروال بذلتي.
أوضحت: "أنت بحاجة إلى التباين".
لقد استسلمت لأن المرء لا يجادل مصّاص دماء ضحى بيطوم إجازته ليصحبك إلى عشرة متاجر ملابس مختلفة، لكني فهمت الآن إصراره فهماً عميقاً وشبه روحي. لقد مسّني إشراق الأزياء. كانت درَجة فستان المرأة قريبة جداً من لون بشرتها. وتألقت الترترات بشكل رائع، ولكن في إضاءة الرواق السيئة، كان عليك أن تنظر مرتين لترى أنها لم تكن عارية ومغطاة بالندى. فسّر ذلك الأمر. ها هو لا شيء الخاص بي، وكان مغطى بالترتر.
كافحت رغبة عارمة في معانقتها.
سألتُ مشيراً ببعص: "أكنتِ للتو هناك بالأسفل؟"
أقرت قائلة: "كنت هناك".
وبدت مرتبكة.
"تزعجني الحشود بعد حين. يساعدني أن أستطيع الابتعاد".
"أفهمكِ يا أختي".
ابتسمت حين سمعت أننا أقرباء بطريقة غير متوقعة.
سألتُ: "هل من أحد آخر هناك بالأسفل؟"
"في الرواق، لا، ولكن إن كنت تبحث عن مكان للاختباء، فأنصحك بألا تفعل. السيدة أوليفيرسن والسيد أولر يتحدثان في غرفة الدراسة".
انتصبت أذناي. أوليفيرسن وأولر، أتقولين ذلك؟ نعم، سيخرج أي شخص عاقل عن طريقه لتجنب سماع حديث هاتين الساحرتين، مخافة وقوع أي سوء فهم مؤسف بشأن التنصت. لوحت بيديه مبعداً قلقها.
"لن أستغرق سوى دقيقة. أنا متوجه إلى الحمام. ينتظر أحدهم عند الحمام الآخر".
أومأت ومضت في طريقها. بعد أن اختفت وسط الحشود، تسللت في الرواق باتجاه غرفة الدراسة. وحين صرت قريباً، ألصقت نفسي بالجدار واقتربت بحذر من الفجوة بين الباب وإطاره. سمعت أولاً صوت كلامهما—يتحدثان بالتناوب، بصوت منخفض وسريع. كانت في الصوت حِدّة تذكرني بشجار، وبدا وكأنهما يتحدثان منذ فترة. وما إن تمكنت من تمييز الكلمات حتى توقفت وحبست أنفسي.
قال إيليس: "من أين سمعت ذلك؟"
كانت أذناي تتوترا بأقصى طاقتهما، لكن لم يكن هناك رد.
تحدثت السيدة مجدداً: "إنه صحيح على أي حال. لذا، كما ترى، نحن مستعدون بالفعل في حال حدث أي شيء".
سأل كوزمو: "هل حدث أي شيء؟"
"لا".
حدث توقف آخر.
حضّ إيليس: "السيد أولر؟"
"ألم تَمَلَّ أبداً محاولة فعل كل شيء بنفسك؟"
تلاشى ما تبقى من حِدّة في صوت كوزمو. لم يبق سوى إرهاقه. كنت أسمع كل كلمة وهي تغوص فيه، كأنها صخور تُرصّ في رمال ناعمة.
قال إيليس: "لا أستطيع القول إنني مللت".
"ربما الأمر أسهل بالنسبة لكما أيتها السيدات. كل عصبة عبارة عن محارة مغلقة. كل ما عليك فعله هو رص الصفوف. أنا من يتوجب عليه التنقل محاولاً فتحكن جميعاً. بعد بضع سنوات، يصبح الأمر متعباً".
لم تكن المحارة تمتلك ما تردّ به.
تابع كوزمو: "أنا لست عدوك يا إيليس. أريد المساعدة إن استطعت، لكن أكبر العقبات التي أواجهها هي الأشخاص الذين أحاول مساعدتهم..."
قاطعه صوت إيليس؛ وكان سريعاً ورافضاً.
"لقد ساعدت يا سيد أولر. لقد قدمت لي التحذير. ما الذي يمكن لك فعله أيضاً؟ أرجو ألا تتوقع مني أن أسمح لك بالتدخل في عصباتي".
قال كوزمو بصبر يبدو من حديد، وبصوت لطيف: "قد يخص هذا الأمر ما هو أبعد من عصباتك وحدها".
"هذا فقط إن كانت شكوكك صحيحة، وإن كانت كذلك، فهذا شأنهم. سأحمي ما يخصني".
قال صوت مجاور لأذني تماماً: "إيميرا".
قفز قلبي إلى حلقي كأنه كان مستقراً في مدفع مشتعل. كان عليّ صفّع يدي على فمي لكتم شهقتي. وما إن انقشعت الزغب البيضاء من رؤيتي واستقر قلبي في إيقاع لا ينافس سوى نبضات الطبول الأبطأ، حتى قبضت على يد جاكي الضخم وسحبته بعيداً عن باب غرفة الدراسة، إلى عمق الرواق المهجور.
بدأ يقول: "ماذا—"
كفَتني نظرة حادة واحدة لأجعله يغلق عظم فكه الثرثار. كنا على بعد غرف بضع، نقف بجوار الدرج المؤدي إلى القبو، حين أفلتّ يده أخيراً واستدرت نحوه.
همست بحدة: "ماذا تفعل؟ كدت تقتلني!"
على الرغم من الغياب التام لأي وجه يملك تعابير، نجح جاكي مع ذلك في أن يبدو متشككاً.
"ليس من طبعي ’أن أكاد‘ أقتل الناس يا إيميرا".
"أه، حقاً. هذا مريح حقاً".
تلفتّ حوله لأبقي عيني على الباب.
أوضح جاكي: "رأيتك تغادرين الحفل فتبعك".
ارتدّت عيناي نحوه فجأة.
"كنت تتبعني؟"
أومأ.
سألتُ: "ولم أكن أراك؟"
"بَدُوتِ مصممة على أمور أخرى".
"منذ متى وأنت تقف بجواري؟"
"لست جيداً في تقدير الوقت".
بدا صوته عاتباً، كأن كان عليّ معرفة ذلك. وكنت أعلم ذلك حقاً. كان يوم وعقد يبدوان سيّان لجاكي نوكتيس.
متى ما أخبرك أنه سيعود إلى البيت "قريباً"، كانت الفكرة السليمة هي الضغط عليه للحصول على بعض التفاصيل.
لربما كان يقف بجواري في ذلك الرواق لثانية، أو لربما كان هناك طوال الوقت. أزعجني التفكير في أن شخصاً بمثل هذه الأهمية بالنسبة لي يمكنه الوقوف هناك مباشرة ويمكنني تفويته.
سأل: "ماذا كنت تفعلين؟"
"كنت أتجسس على السيدة أوليفيرسن وكوزمو".
"لماذا؟"
"كان يحاول تحذيرها بشأن أمر ما".
"يحذيرها؟ بشأن ماذا؟"
"لا أعرف. لم ألتقط الأمر".
أطلقت نظرة سريعة نحو الباب مجدداً.
"أيمكنك سؤاله؟ أعني، أستاذُه أنت، أليس كذلك؟"
استدار جاكي وحدّق نحو غرفة الدراسة.
"سأتحدث إلى إيسيت".
"ليس إيسيت يا جاكي! كوزمو! أريدك أن تسأل كوزمو!"
"لقد فهمت الطلب يا إيميرا، لكن علاقتي بالتور ليست بسيطة كعلاقة رئيس بمرؤوسيه، وأُفضّل ألا أضع السيد أولر في موقف يجعله راغباً في الكذب عليّ".
انطبق فمي بقوة. بشدة. سرى برد في معدتي. لا. لم يكن أحد يريد ذلك—لا جاكي، ولا أنا، وبالتأكيد ليس كوزمو.
قال داريوس سابقاً: "يميل جاكي لمعاملة إغفال الحقائق بشكل مختلف عن معاملته للأكاذيب".
لم أكن متأكدة كيف يتعامل جاكي الضخم مع الأكاذيب—كنت خائفة أكثر من أن أسأل—لكن الانطباع الذي وصلني كان... سيئاً. تنهدت وأسندت ظهري إلى الجدار المجاور. وانضم إليّ جاكي.
سأل: "هل أنت متعبة؟"
أومأت.
"أكان لديك كابوس آخر الليلة الماضية؟"
"نعم، لكنه ليس بشيء جديد. ألا يزال كيربي حياً؟"
"نعم".
همست: "جيد".
وبعد ثانية، قلت: "يا جاكي، كيف هي الأمور في قاعة أرك؟ أيمكنك إخباري، أم أن ذلك نوع من الأسرار؟"
"في ظل الظروف الحالية، لا مانع لدي. لكن تقديراً للعصبة، أنصحكِ ألا تكرري ما أخبرك به".
تذكرت المسكين كوزمو، المتعب من التجسس طوال الوقت، وازدراء أوليفيسيا لتقليد الصمت.
سألتُ: "أهذه السرية مهمة إلى هذا الحد؟"
اعترف جاكي: "لا أعرف. من السهل رؤية المشاكل التي سببتها. من الصعب رؤية تلك التي ربما منعتها".
"معك حق".
وجّه جاكي محجري عينيه نحو بقعة خالية عشوائية بالقرب من سقف الرواق.
"لديهم غرفة كبيرة تُستخدم للتجمعات والمؤتمرات—وهناك ستقام العشاء الرسمي غداً. لديهم أيضاً العديد من الغرف الأصغر للاجتماعات والدراسة المنفردة، وبضعة مكاتب، وثلاث مكتبات رئيسية".
"لماذا لديهم ثلاث مكتبات؟"
"الأولى مخصصة لتخزين النماذج الأولية والأمثلة الأساسية للأجهزة والأدوات والتعاويذ المادية التي ابتكرها أعضاء العصبة. والثانية هي قسم المراجع العامة. وهي المكان الذي يمكن للطلاب والساحرات الممارسات البحث فيه عن معلومات حول النظريات السحرية والتعاويذ المحددة. المكتبة الأخيرة هي أرشيفهم".
الأرشيف. كان للكلمة وقع تاريخي جليّ.
سألتُ: "ماذا يوجد في أرشيفهم؟"
"أفترض أنه يشبه معظم أرشيفات العصبات الأخرى. سيحتوي على جميع السجلات والكتابات الهامة التي أُنشئت طوال تاريخهم".
"أفترض؟ ألم تكن هناك من قبل؟"
"لا. تلك هي منطقة القاعة الخاضعة لأكبر قدر من الحراسة والأمن".
"لديهم غرفة مليئة بالألعاب السحرية التي تنفجر!—لكنهم يعتقدون أن أهم الأشياء التي يجب حمايتها هي سجلاتهم؟"
بدا جاكي حائراً.
"أليس ذلك منطقياً؟ أيهما ستختارين لحمايته—الأجهزة، أم السجلات التي تعلمك كيفية صنعها؟"
أسكتني ذلك.
سأل جاكي: "هل كان سؤالك عن قاعة أرك مرتبطاً باختطاف نولان كيربي؟"
"كنت أحاول معرفة ما قد يكون مستحقاً للسرقة من هناك".
"لسوء الحظ، يحتوي هذا السؤال على إجابات محتملة كثيرة جداً".
"يبدو الأمر كذلك".
أسقطت رأسي إلى الخلف مسندة إياه على الجدار.
تابع جاكي: "ولا أرى كيف ستكون تلك المعلومات مفيدة. أعرف أننا نعمل بناءً على افتراض أن الخاطف هو نفسه اللصوص، لكن كيف سيساعدنا معرفة هدفهم في قاعة أرك؟"
"ظننت أن ذلك قد يساعدنا في معرفة هويتهم".
حين لم يردّ جاكي، أدرت رأسي لألقي نظرة عليه. كان يتأملني بأعمق جزء من محجري عينيه الفارغين.
حاولت الشرح: "كنت أتحدث إلى ميسيرلي وأشور. أعرف أن كليهما سيسعد بالحصول على تصريح مجاني لدخول ذلك المبنى، لكني توقعت أنهما لن يهتما بالشيء نفسه. ربما يتجه أششور إلى التعاويذ، لكني أراهن أن ميسيرلي ستكون أكثر اهتماماً بالأجهزة. إن استطعنا معرفة ما كان اللص يستهدفه، فلربما استطعنا معرفة أي نوع من الأشخاص سيستفيد أكثر من امتلاكه، وبوم!"
قال جاكي: "ينفجر أحد الأجهزة؟"
"لا! بوم! أصبح لدينا قائمة بالمشتبه بهم!"
"آه. أرى ذلك".
توقف برهة.
"هناك عدة مشاكل في نظريتك يا إيميرا".
على حد ما أستطيع قوله، لم تكن هناك سوى مشاكل في نظريتي، وتركز معظمها حول حقيقة أننا لم نكن نملك أي طريقة لمعرفة ما كان اللص يسعى خلفه. أي شيء سيضيفه جاكي لن يكون سوى طبقة التزيين على كعكة الكارثة.
قلت: "تابع".
"أولاً، لا يسرق اللصوص لأنفسهم دائماً. غالباً ما يبيعون ما يأخذونه".
أشرت موضحة: "لكن ذلك لن يهم في هذه الحالة. ليس إن كانوا يحاولون الحصول على نوع من الأدوات التي ستساعدهم في... لا أعرف—في أياً ما كانوا يخططون لفعله".
قال جاكي: "وهذا يقودني إلى نقطتي الثانية. ليس بالضرورة أن يكون الشخص الذي سيستفيد أكثر من امتلاك الشيء المسروق هو الأكثر استعداداً لسرقته. يعتمد ذلك كثيراً على ظروف اللص. قد يفضل الساحر عادةً الحصول على تعاويذ، لكن إن كان ما يحتاجونه لتحقيق هدفهم هو جهاز..."
هزّ جاكي كتفيه. كان على حق. قبل أن أستطيع استخلاص أي نتائج، كنت بحاجة إلى فكرة أفضل بكثير—أو أي نوع من الأفكار على الإطلاق—حول ما كان هدفه النهائي.
سألتُ: "أي شيء آخر؟"
"نقطة ثانوية أخرى أخيرة".
لماذا لا؟ قد تكون تلك هي الكرزة التي توضع في القمة. أشرت له ليتابع.
"أنا أعرف مسبقاً نوع الساحر الذي سيستفيد أكثر من الحصول على شيء مسروق من قاعة أرك، بغض النظر عما يكونه ذلك الشيء".
"أي نوع؟"
"ساحرة".