لم تكن المسافة بين وسط المدينة ومنزل أوليفيا تتجاوز خمس دقائق بالسيارة. أو بيت أمها بالأحرى. فأوليفيا تتبرأ من أي حقّ في ملكيته. لم تكن تطيق حتى تسميته منزلاً.
بل «المكان الذي يجب أن نمكث فيه».
كان اتقاز أوليفيا لذلك المكان عميقاً إلى حدّ تسلّلت معه صورة مشوهة للمنزل إلى مخيلتي. كنت متأكدة من أنه قصر متهالك. تمتلئ زواياه بظلال أعمق بكثير من الأشياء التي تلقيها. درجات سلالم تصرخ. أعشاب فاسدة في الحديقة. جدران ملطخة بالرطوبة. وربما بضع خفافيش. لذا تفاجأت عندما انعطفنا إلى الممر الأمامي لمنزل أنيق من الآدم الأحمر. تحيط بنوافذه الكثيرة إطارات بيضاء مبهجة. وتتدلى مصاريع أنيقة بلون كحلي تتطابق مع الباب.
كان الباب يزينه إكليل شتوي وفتحة بريدية نحاسية لامعة. منعتني تراكمات الثلج من رؤية الحديقة. غير أن الشجيرات التي تصطف على جانبي الممر كانت مقلمة ومغطاة بالخيش لحمايتها من الرياح. وكان العمال قد جرفوا الثلج عن كل الممرات بعناية. كانت الظلال تبدو طبيعية تماماً في فترة بعد الظهر من شهر شباط. ولا وجود لأي خفافيش. كنا ما زلنا نهمّ بالنزول من السيارة حتى انفتح الباب الأمامي وخرج رجل وامرأة.
بدا الرجل في أوائل الستينيات من عمره. وحفرت تجاعيد الضحك المتعرشة وجهه المعبر. كانت له عينان زرقاوان جريئتان، وشعر أبيض خفيف وممشط بعناية، شارب أبيض محفوف بعناية فائقة. يرتدي بنطالاً قماشياً وحذاءً مريحاً، وتبرز ياقة مطوية من تحت كنزة أنيقة. كانت ابتسامته عريضة ومشرقة. أما المرأة التي تقف خلفه فلم تكن تبدو متحمسة لرؤيتنا البتّة. ارتسم على فمها أبلد تعبير حيادي رأيته في حياتي، وضيقت عينيها قليلاً.
كانت في أوائل العشرينيات من عمرها، ولها شعر بني غامق يتخلله لمعان أحمر يظهر بوضوح تحت ضوء الشمس. ترتدي بنطالاً قماشياً فاشراً وحذاءً بكعب عالي. وبدا إما أن جسدها مصمم خصيصاً ليناسب قميصها الراقي، أو أنها استانت بخياط ماهر. بدت ملابسي المكونة من سروال الجينز والكنزة القطنية رثة للغاية فجأة. على ذكر ذلك، فرغم أن أوليفيا كانت ترتدي التنانير والفساتين، إلا أن أغلبها كان عادياً، وكانت تمتلك الكثير من القمصان القطنية.
وهو ما جعلها بمثابة الفتاة المتمردة ذات الطابع القوطي في العائلة. ومع ذلك، كانت تلبس أفضل مني بكثير. حاولت ألا أفرط في التفكير في الأمر. تقدم الرجل نحو جاكي مادّاً يده.
قال: "سيدي نوكتيس! يسعدني حقاً أن ألتقي بك أخيرًا. أشكرك ألف مرة على اعتنائك بابنتي."
درت أنا وأوليفيا حول السيارة لنقترب من مكان الحديث.
بينما كان يصافح جاكي، قال الرجل: "أنا رال أكستون، الرجل الديكوري هنا. لا يحتاجون إلي حقاً لتحريك الحبكة، لكن في هذا العصر، لا بد من وجود هذا التنوع، أليس كذلك؟"
أدارت أوليفيا عينيها بسخرية. مدّ السيد أكستون يده نحوي تالياً.
"ومَن تكونين أنتِ؟"
أجبت: "إيميرا كول. وأنت رال... أكستون؟"
"أوه، أدرك ما يدور في ذهنك. لكن عائلة أكستون عريقة ومحترمة بالقدر الكافٍ الذي سمح لي بالاحتفاظ باسم عائلتي حين تزوجت إيليس."
مال نحوي رافعاً حاجبيه الأبيضين الرقيقين.
"أو ربما لم تكن عائلة أوليفيسن راغبة فيّ."
غمزني بعينه. ابتسمت. لقد أدى الرجل الديكوري دوره الككوميدي ببراعة. تحولت ابتسامة أكستون نحو أوليفيا. كان وجهه مفعماً بالبهجة من الأساس، لكنه ما إن وقع بصره على ابنته حتى بلغ درجة إشراق جديدة كلياً. كان حريّاً بي إحضار نظارات شمسية.
قال: "وها أنت ذا، يا فتاة الصغيرة الجميلة. أطول بسنة وأكثر أنوثة من أي وقت مضى."
"أنا بنفس الطول يا أبي."
"إذن لا بد أن ذلك عائد لكل تلك الخلايا العصبية التي تطورينها. إنها تجعلك تبدين أطول. إذا لم توخي الحذر، فستنفجر كل تلك الكتلة الرمادية الزائدة من جمجمتك مباشرة."
أدارت أوليفيا عينيها مرة أخرى. وبدأت أفهم كيف اكتسبت هذه العادة.
سأل: "ألا يمثل إعطاء عجوزك عناقاً إهانة تقضي عليك؟"
"نعم."
"إذن سأبكي على قبرك."
لفّ ذراعه حولها وعصرها بقوة. فبادلتها العناق على كره منها. التفت أكستون وأشار للمرأة لتتقدم. فخطت خطوة إلى الأمام.
قال: "هذه إحدى بناتي الأخريات الجميلات اللواتي لسن صغيراً تماماً، نايلات."
صافحت جاكي أولاً.
قالت: "نايلات لورين صوفي إيما تارا غريس أوليفيسن."
قال: "جاك نوكتيس، لكن معظم الناس ينادونني جاكي الكبير."
ثم صافحتني.
أعدت قول: "إيميرا كول."
تحركت عيناها نحو الأسفل ثم صعدتا وهي تتفرس فيّ.
وكان من الصعب تبين ما إذا كنت قد اجتزت اختبارها من كلمتها الهادئة "هوة".
أعادت إدخال يدها في ذراعيها المكتوفتين. وكانتا مضمومتين بإحكام إلى جسدها لتبقيها دافئة.
علق أكستون: "اللعنة، الجو بارد هنا. هل هناك الكثير من الأمتعة؟"
قال جاكي: "حقيبتان كبيرتان فقط وبضع أكياس."
"أهذا كل شيء؟ إذن سأساع في إيصالهما إلى غرفتيكم. نايلات، لم لا تأخذين أوليفيا وإيميرا إلى الداخل حيث الدفء وتهيئين بعض المشروبات الساخنة."
أومأت نايلات برأسها، ثم استدارت عائدة نحو المنزل.
بدأت أوليفيا تقول: "أبي..."
"عليك أن تتركيني أتظاهر بأنني رجل نبيل يا أوليفيا على الأقل."
"لكن..."
"لن تقولي إنني عجوز، أليس كذلك؟ لكي أعلمك، لدي ابنة لا تعدو كونها متدربة فحسب. وأنا أمارس الرياضة."
حدقت فيه أوليفيا بغضب.
"إذا أردت، يمكنني خلع قميصي واستعراض عضلاتي لأثبت ذلك."
"يا للهول! لقد فزت!"
استدارت أوليفيا وخطت بخطوات ثقيلة باتجاه المنزل. ركضت بضع خطوات لألحق بها.
تمتمت محاولة خفض صوتي لئلا تسمعنا نايلات التي كانت تنتظرنا عند الباب: "مهلاً، هل يعتاد الرجال هنا حمل ألقاب زوجاتهم؟"
ظهرت تكشيرة خفيفة على وجه أوليفيا.
"نعم، لكنك تسألين السؤال الخاطئ. يقضي العرف بالاحتفاظ باسم العائلة ذات السلالة الأكثر قوة. ومعظم أفراد عائلة أكستون في نفس مستوى عائلة أوليفيسن تقريباً."
لاحظت حرصها على استخدام كلمة "معظم".
قلت: "إذن الأمر متعلق بالقوة؟"
كشفت أوليفيا عن أسنانها في ابتسامة متكلفة وقالت: "مرحباً بك في كرافتبورو، حيث كل شيء يدور حول القوة دائماً."
ما إن دخلنا حتى توقفنا لنخلع أحذيتنا المبللة، وخلعت أوليفيا قبعة الساحرة الخاصة بها.
لاحظت نايلات: "أه، أنت تخلعينها حقاً في الداخل. كنت أتساءل حيال ذلك."
كانت نبرتها بريئة أكثر قليلاً مما هو مريح لي. وحرصت على تركيز كل انتباهي على فك رباط حذائي.
أجابت أوليفيا بصوت يعكس هدوءاً تاماً لا شائبة فيه: "بالتأكيد أفعال ذلك، فارتداؤها داخل المنزل أمر وقح."
"وها أنت ذا تتخلين عن فرصة لإزعاج أمي. يا للهول، كم نضجت."
"أنا لا أرتديها لإزعاج أمي فحسب."
أطلقت نايلات سخريتها.
فقالت أوليفيا: "إنها تزعجك أنتِ أيضاً."
وضعت حذائي على صينية الأحذية بالقرب من الباب وأخذت وقتي في التأكد من اصطفافها. لم يكن ذلك مطلوباً — إذ كانت أحذية أوليفيا ملقاة على جوانبها بشكل عشوائي — لكنه جنبني الاضطرار للوقوف وسط الدراما العائلية.
سألت نايلات: "ما نوع الشراب الساخن الذي تفضلينه يا آنسة كول؟"
ما عدت أستطيع المماطلة أكثر. نهضت كجندي يطل برأسه من خندق.
"هل لديك شوكولاتة ساخنة؟"
أومأت برأسها.
"وأوليفيا؟"
"شاي بالنعناع من فضلك."
قالت نايلات: "جانانيس تعد العشاء الآن. سأهتم أنا بالمشروبات. يمكنكما الانتظار في غرفة الجلوس."
مع كل خطوة خطتها نايلات مبتعدة عنا، استرختا كتفا أوليفيا بمقدار ربع بوصة إضافية.
سألت: "هل جانيس أخت أخرى؟"
أشارت لي أوليفيا لكي أتبعها في الممر.
"تفضل جانيس أن تُدعى مدبرة منزل، لكنها تعد كل وجبات العشاء الخاصة بنا أيضاً. ليندسي لم تعد تعيش هنا."
"ليندسي؟"
"إنها أخت نايلات الكبرى. أختي غير الشيقيقة."
حدث بعض المحو والشطب السريع في عقي وأنا أحاول رسم شجرة عائلة أوليفيسن.
"هل نايلات أخت غير شقيقة أيضاً؟"
تنهدت أوليفيا بضجر، وكأن لا شيء في العالم قد يكون أكثر إملالاً من وصف عائلتها.
"تزوجت أمي من صامويل أوكويل عندما كانت صغيرة. وأنجبا ليندسي ونايلات. ثم مات، فتزوجت أبي، وأنجبايني."
لكزتها بمرفقي قائلة: "أرأيت، لم يكن الأمر بهذا العناء."
رمقتني أوليفيا بنظرة. حين دخلنا غرفة الجلوس، أدركت أن السيدة أوليفيسن قد انتقت كل قطعة أثاث، وزخرفة، ولون طلاء. كان لكل لون مسحة رمادية خفية — وهو ما خلق طابعاً كلاسيكياً هادئاً — وكانت الدرجات البيضاء تميل أكثر إلى لون القشطة. وتشاركت كل قطعة أثاث الطراز المزخرف نفسه. أينما نظرت، كانت التفاصيل تكمل الديكور. ولن أفاجأ لو أن بعض الزخارف الأكثر حيوية التفتت إلى بعضها البعض وتحدثت عن مدى روعة مظهرها وكم هو رائع عملها معاً بانسجام، حين يخلد الجميع إلى النوم ليلاً.
كان المنزل بأكمله ينضح بذلك الألق. وكأن الذوق الطبيعي للسيدة أوليفيسن في التصميم الداخلي قد خلق بغير قصد بيئة مثالية لها. وفي مواجهة ذلك، برز لباس أوليفيا الأسود بالكامل مثل غراب صارخ في مؤتمر للحمام. جلست على الأريكة. وبقيت أوليفيا واقفة.
سألت: "أيجعلك ذلك الطفلة المدللة المحبوبة في العائلة؟"
"لا."
ابتسمت.
"ألست فتاة أبي الصغيرة الجميلة؟"
"لعلك لاحظت، تتمثل هواية أبي الأساسية في محاولة إحراجي علناً."
"وهو بارع في ذلك حقاً. أما أختك..."
ارتفعت كتفا أوليفيا وتصلبتا. وانكمشتا زاوتا فمها إلى عبوس مستقيم.
"ماذا عنها؟"
"لديها نفس أسماءك الوسطى."
استرختا.
"قبل قرن ونصف تقريباً، ظنّت إحدى الساحرات أن تسمية بناتها تيمناً بسلالة السحر في عائلتهن فكرة ذكية حقاً، وبات ذلك تقليداً الآن. كانت غريس الأولى. ثم تارا. ثم إيما."
لوت أوليفيا يدها في الهواء للدلالة على واستمرار السلسلة. استعرضت أسماء أوليفيا في عقلي.
"لا وجود لإيليس في تلك القائمة."
—(بسخرية إضافية)— "أوه، لن تسمي طفلك على اسم نفسك. سيكون ذلك متجبر وقبيحاً."
أسندت مرفقي على مسند الأريكة، وأسندت ذقني على مفاصل أصابعي، وأخذت أتأملها. هل يمكن للعيون السوداء أن تلمع؟ إن أمكن ذلك، فغالباً كانت عيناي تلمعان.
قالت: "ماذا؟"
كنت أفكر في المرة الأولى التي التقيت فيها أوليفيا ومدى الفخر الذي بدت عليه وهي تسرد كل واحد من تلك الأسماء. كيف يمكنها أن تكنّ كل هذا الاحتقار للتقليد، ومع ذلك تكون متعلقة بأسماءها إلى هذا الحد؟ لكن ربما لم يكن الأمر كذلك. ربما كرهت أوليفيا مدى الازدواجية في فعل أمر متغطرس كهذا ثم التوقف بدعوى التواضع.
أبعدت يدي عن وجهي وقلت: "أوه، لا شيء. هل ستخبرين عائلتك بسبب وجودك هنا؟"
"لا أخبر عائلتي بشيء إن استطعت تفادي ذلك."
مدّ جرح قديم أصابعه الطويلة حول قلبي وعصرها.
قلت: "أبوك يحبك. لقد اتقد وجهه نوراً حين رآك."
عبست أوليفيا.
"أبي لطيف، لكنه لن يفهم."
"لن يفهم ماذا؟"
"أي شيء. إيّاّي. أو..."
لوت يدها في الهواء وهي تكافح لتجد مثالاً آخر.
"...أي شيء."
حاولت الحفاظ على تعابير وجه جامدة، لكن شيئاً من دهشتي قد تسلل إلى الخارج.
حين رأت تعبيرات وجهي، قالت في همس متسارع: "انظري، إنه لطيف، لكنه ليس سوى ممسحة أرجل لأمي. أنا لا أخبره بالأشياء."
خفضت بصري وهززت رأسني بخفة.
قالت أوليفيا: "إنها ديناميكيات العائلة، حسناً! لن تفهمي ذلك."
تذمرت: "لا يمكنني المجادلة في ذلك."
"فقط لا تبتلعي طُعمهم. لا تقومي بأي شيء يجعلك تبرزين، لا تحيديهم، ومن فضلك، لا تقولي أي شيء غريب."
"غريب بأي طريحة؟"
"أنت تعلمين — غريب."
تباً. كانت تلك مجموعة شروط ثقيلة. ولن يكون الشرط الأخير سهلاً في التنقيذ. لم أكن أجيد قط إبقاء فمي مغلقاً.
سألت: "هل لديك أي غراء فائق؟"
"لا."
"إذن لا أعطيك أي وعود."
"أرأيت؟ هذا بالذات. تلك الأمور غريبة. تظاهري بأنك فتاة غنية متغطرسة تحاول الانضمام إلى نادٍ ريفي نخبوي وستبلي بلاءً حسناً."
"أوه، لكن يا عزيزتي، من دون الغراء الفائق، أنا عاجزة تماماً، أما علمت بذلك."
أغمضت عيناها ودلكت جبينها. كتمت ابتسامة. لم يكن الأمر أنني أتعمد إحراج أوليفيا، بل كان هناك عفريت صغير يسكن روحي، وكان يقهقه ساخراً كلما فعلت ذلك. فكرت في عقد منافسة بيني وبين السيد أكستون لنرى ما إذا كان أي منا قادراً حقاً على جعل أوليفيا تنفجار من الإحراج — لكن ذلك كان سيخالف القاعدة المتعلقة بعدم تحديهم. سمعنا صوت أكستون يتردد صداه في المر، ويزداد علواً وهو يقترب منا.
استدارت أوليفيا لتواجه المدخل.
وحين دخل أكستون وتاكي الغرفة، نادى أكستون ابنته قائلاً: "كنت أمتحن سيدك، لكنه يقول إنه لا يدري كم من الوقت سنبقيك معنا! إن كان الأمر غير محسوم، هل يمكنني الإدلاء بصوت نبقيك فيه للأبد؟"
قالت أوليفيا بما اعتبرته قدراً غير معتاد من الدبلوماسية بالنسبة لها: "لا أظن أن ذلك سيعمل مع السيد نوكتيس."
أفرقع رال أصابعه ورسم على وجهه تعبير خيبة أمل.
"إذن حتى يوم الثلاثاء على الأقل، أليس كذلك؟ لقد عملت أمك بجهد كبير على مهرجان هذا العام."
دخلت نايلات الغرفة حاملة صينية محملة بالأكواب وإبريق شاي وبعض البسكويت.
"أرجوك يا أبي. ليس الأمر كأن أوليفيا اهتمت بذلك يوماً."
ظل هذا "الذاك"
— الاحتفال، أو "ذاك"
— مدى جهد أمها، مبهمين، وكنت واثقة تماماً أن ذلك قُصد عمداً.
كانت أوليفيا تعرف القواعد؛ فلم تبتلع الطعم. وتقبلت الشاي من أختها بصمت مطبق. ناولت نايلات زوج أمها كوباً كبيراً. وجلس بعد أن خطف إحدى قطع البسكويت.
قالت نايلات: "ظننتك تحاول أن تكون صحياً."
"وأنا كذلك."
رفع أكستون كوبه نحوها.
"لهذا السبب صنعت لي قهوة منزوعة الكافيين."
سألت أوليفيا: "منذ متى وأنت تشرب القهوة منزوعة الكافيين؟"
بلع أكستون قضمة من البسكويت قبل أن يجيب: "كل ذلك جزء من خطة أمك لإبقائي حياً إلى الأبد."
رفض نوكتيس أي مشروبات أو مرطبات وذهب ليقف بجانب أوليفيا. التقطت نايلات أحد الأكواب وناولته لي.
"أمانع إن سألت عن طبيعة قواك يا آنسة كول؟ لست ساحرة، أأنت كذلك؟"
علق السؤال في الهواء لحظة، ثم تلاشى، مخلفاً إحساساً مبهماً بأن فخاً قد نُصب. حين التفتّ نحو أوليفيا، التقت أعيننا لفترة وجيزة فوق حافة كوبها، وحين مرّ بصري على رال أكستون، رأيت انخفاضاً طفيفاً في زاويتي فمه. كان هناك شيء ما يحاك يقيناً، لكن تجاهل سؤال مباشر بدا وقحاً.
"يمكنك مناداتي بإيميرا."
منحتها ما رجوت أن تكون ابتسامة ساحرة.
"لا أمانع. ولا، لست ساحرة. ليست لدي أي قوى."
تحرك فك جاكي، لكن أوليفيا لكزته بمرفقها، فأبقى فمه مغلقاً.
"همم."
وضعت نايلات الصينية على طاولة القهوة وجلست أمامي.
"حسناً، إنه لامرء ممتع دائماً أن يلتقي المرء بأحد أصدقاء أوليفيا."
كان هناك شيء ما في نبرتها أزعجني — تلميح لتلك النبرة العالية والمغلفة بالعسل التي استخدمتها وهي تسخر من أوليفيا حين كنا نخلع أحذيتنا. أي شخص أقل دفاعية من الناحية الاجتماعية كان ليفوتها حتماً، لكن أذناي كانتا متيقظتين دائماً للنبرات. يا للعار، لم يكن عقلي يعرف دائماً كيف يتعامل معها. لقد نقب في خيار تلو الآخر، محاولاً العثور على ما قد يفسر تعليقها. لمع في ذهني خاطر...
تلاشى تفكيري، تاركاً رأسي خالياً من كل شيء عدا صدمتي. كلا. لن تفعلها. لا يمكن لأحد في كامل وعيه أن يحكم على أوليفيا لمجرد أنها تصادق شخصاً بلا قوى. أأعقل أن يفعلوا؟ لكن هذه كانت كرافتبورو، حيث كل شيء يدور حول القوة دائماً. تفاجأت حين لم يسمع أحد صوت تحطم الزجاج عندما أخذت كل قواعد أوليفيا وألقيتها من النافذة.
صرخت: "يا للهول! لقد ضبطتموني! لسنا صديقتين. لم ترغب أوليفيا أصلاً في دعوتي — بصراحة، لعلها تفضل رؤيتي في قاع المحيط على أن أكون على بعد عشر أقدام منها — لكن كان لزاماً علي الحضور."
أشرت إلى جاكي الكبير.
"حيثما حلّ، أحلّ."
حين تعافت نايلات من مفاجأتها، قالت: "لماذا؟"
"حسناً، تلك هي مشكلة القوة، أليس كذلك؟"
بسطت يدي جانباً في حركة استخفاف.
"أنا مسؤولة عن إدارته نوعاً ما. يفضل التورر وجود شخص يراقبه. ومفترض بي الاتصال إن حدث أي أمر جلل."
رمقت نايلات جاكي بنظرة جانبية. كدت أرى عقلها وهو يعتمل بما قلته، محاولاً استكشاف نوع القوة التي تستدعي تعييناً كهذا — أو مقدار تلك القوة. ها قد فعلت. لقد برّأت أوليفيا من أي ارتباط بي ورفعت من مكانتها بجعل سيدها يبدو وكأنّه رجل خارق بالكاد يسيطر عليه أحد. لكن الغريب — حين التفتت نحو أوليفيا، لم تبدو ممتنة. بل بدت في غاية الإحراج.
قال جاكي بصدق تام: "لقد قيل لي إن السيطرة علي أمر عسير."
بحقّك، إيسيت. التفتت نايلات نحوي مجدداً.
"ولديك صلاحية الوصول إلى التورر؟"
"لدي وحدتا إنفاذ على الاتصال السريع."
كنت أبالغ في الكذب بعض الشيء حين ادعيت أن داريوس وكونراد يشكلان كل منهما وحدة إنفاذ مستقلة بينما كانا يعملان معاً غالباً، لكنني ظننت أنني قد أنجو بفعلتي نظراً لأنهما كانا قويين بما يكفي ليكوّنا وحدة من رجل واحد عند الحاجة. ضيقت عينيها.
"إذن لا بد أنك تعرفين رجال التورر."
لم تبد وكأنها تصدقني. مسكينة حمقاء.
"بالتأكيد أعرفهم،"
قلت.
"ثوربورن، أشوورث، أولر، رينال. لا أعرف كلارا رينال جيداً، لكننا التقينا. الحاخام دافنا رائعة، لكنني لا أظن أن معظم الناس يعتبرونها من رجال التورر. يا للغراسة، بالنظر إلى كل ما تفعله."
قال جاكي: "إنه التقليد يا إيميرا. الأب ثوربورن هو رجل التورر، ودافنا تعمل كمستشارة."
"ها قد عرفتِ. التقليد."
ملت إلى الأمام وخطفت قطعة بسكويت.
"هذه تبدو رائعة."
تراجعت نايلات إلى الوراء وطلبت ساقيها. وشبكت أصابعها أمام صدرها.
"وكيف حصلت على هذا التعيין؟"
"أوه، لقد نبشوا عني في مكان ما."
غمست البسكويتة في الشوكولاتة الساخنة وأخذت قضمة مصاصة.
وفمي لا يزال نصف ممتلئ، قلت: "لم أكن أفعل شيئاً آخر على أي حال."
"لكن..."
قلت بأعذب طريقة ممكنة: "عذراً، لا يمكنني الحديث عن الأمر حقاً. إنه سري."
قاطع تحديقنا المتبادل قهقهة أكستون.
قال: "يبدو أنك تورطتِ في أمر عميق يا أوليفيا. أنا فخور بك."
تحول وجنتا أوليفيا من اللون الوردي إلى القرمزي.
صاح: "حدثيني الآن عن دراستك! أم أن ذلك سرياً أيضاً؟"
استمر الحديث في التشعب بينما أنهينا مشروباتنا. عارض أكستون أخذ الأطباق والصينية إلى المطبخ بينما رافقتنا نايلات إلى غرفتنا. قادتنا إلى الطابق العلوي، وسارت في الممر إلى الباب الثاني، ودلفت إلى الداخل. توقفت أوليفيا أمام المدخل.
"هذه غرفتي القديمة."
توجهت نايلات نحو النافذة وفتحت الستائر الداخلية على مصراعيها.
"نجل، لكنها غرفة ضيوف الآن. لم نكن نعتقد أنك ستعودين."
التفتت لتواجهنا، وكتفت ذراعيها، وانتظرت. دخلت أوليفيا أخيراً. وكنت أتبعها بخطوة واحدة. كانت الغرفة تطابق بقية المنزل، وخالية من أي لمسات شخصية. وكأنها اقتزعت من فندق مريح وراقي. صحيح أنها كانت مرحبة، لكنها أعطت انطباعاً أيضاً بأنها مخصصة لإقامة مؤقتة فحسب. أفكت نايلات ذراعيها المكتوفتين ومشت باتجاه الباب.
"أعدت جانيس السرير وأحضت أغطية وسائد جديدة. توجد بطانيات إضافية في الصندوق، ويمكنك إيجاد مناشف نظيفة تحت المغسلة في الحمام. السيد نوكتيس في الغرفة المجاورة لغرفتكما."
رمقتني بنظرة حادة.
"تحسباً لحدوث أي أمر 'جلل'."
ابتسمت.
"لا يمكن للمرء الحرص أكثر مما ينبغي."
أغلقت نايلات الباب خلفها وهي مغادرة، تاركة إياي أنا وأوليفيا نقف جنباً إلى جنب، بمفردنا، في الغرفة المعقمة.
قالت أوليفيا: "أنا أكرهك نوعاً ما."
وضعت يدي على خصري: "نوعاً ما فحسب؟ ها! أنا أؤدي بشكل أفضل مما ظننْتُ!"