الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 38 — 38 - رفقة حول النار

اقرأ الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 38 — 38 - رفقة حول النار باللغة العربية على مانجا تايم.

حل المساء، وأخذت الشمس تغطس خلف التلال البعيدة، بينما كنت أشق طريقي في الشوارع حاملاً صندوقاً ثقيلاً. اشتريت قارورتين كبيرتين، وقضيت شطراً من نهاري في التجول، أقتني بعض البذور ومركبات كيميائية لأضمن حيوية تربتي. لم تكن جولة تسوق رخيصة، لكنني جلبت معي بضع جواهر من الغرب، وكان المرابون المحليون أكثر سخاءً في عروضهم. حاول بعضهم خداعي ببخس ثمنها، ظناً منهم أنني مغفل يمكن استغلاله.

في تلك الحالات، كانت نظرة حادة مني كفيلة بإعادة السعر إلى مستوى عادل للطرفين. بقي في جيبي بعض المال بعد جولتي. وإذا نجحت في بيع محاصيلي في تيود، فسيكون ذلك مورداً أثبت من الأعمال العرضية التي كنت أقتاتها.

"هل سنبيت في المدينة الليلة؟"

سأل سموك ونحن نمر عبر شارع السوق المركزي. كانت المدينة قد بدأت تهدأ، وأغلق العديد من التجار أكشاكهم، وارتفعت أضواء القناديل الدافئة لتطرد الظلام الزاحف.

"لا. أعتقد أننا قضينا وقتاً كافياً بعيداً عن البيت. سأعيدنا، أو على الأقل سنقطع معظم الطريق ليلاً."

كان جزء مني يغبط أصحاب الفنون السحرية الأكثر قوة. أولئك الذين يتحولون إلى سحب من الظلام، أو حزم من الضوء، فيقطعون المسافات الشاسعة في لمح البصر. ومع ذلك.. كنت سريع الخطى بدوري. عبرنا بوابة المدينة، تحت أنظار صف من الجنود، لكن لم يوقفنا أحد في طريقنا للخارج. وما إن ابتعدنا عن لو مون، وسلكنا إحدى الطرق الفرعية المبتعدة عن الطريق الرئيسي، أشرت لسموك أن يقفز فوق الصندوق الذي أحمله.

لم يزد وزنه شيئاً.

"تمسك،"

قلت، معدلاً وضع الصندوق الثقيل في قبضتي. أصدرت القارورتان رنيناً عالياً في الداخل.

"بالطبع، يا أبي."

بدأت الهرولة، بوتيرة ثابتة كإنسان. ثم زدت سرعتي تدريجياً حين اطمأننت إلى ثبات الصندوق. لم يمض وقت طويل حتى كنت أعدو بكل قوتي في الطريق الترابي، بسرعة جعلت الخضرة على جانبي الطريق تبدو كطيف ضبابي. قطعنا مسافة معتبرة ونحن نواجه غروب الشمس، ولم نكد نرى مسافراً واحداً في تلك الطرق الموحشة الباردة ونحن نقفل راجعين. وما إن بلغت بيت الساحرات حتى زدت سرعتي أكثر، فلا رغبة لي في المخاطرة بكمين آخر.

ارتفع القمر، وكنت أهدئ من سرعتي حين سمعت قرقرة معدة سموك.

"آه. اعتذر لك،"

قلت.

"لا يزال لدينا بعض اللحم المجفف في الحقيبة، لكنني أظن أنك تستحق شيئاً طازجاً بعد يومنا هذا."

"يا أبي، لا داعي لـ-"

"وفر كلامك،"

قلت، وأنا أزفر وأضع الصندوق أرضاً للحظة.

"ستحصل على لحم طازج."

في جوف الليل، كان من الصعب على صياد عادي أن يجد شيئاً. أما بالنسبة لي، فلم يكن صعباً أن أجد خنزيراً برياً وأقتله، فبصري حاد في الظلام. سحبت الجثة إلى حافة الطريق، وتركتها مع سموك والصندوق، وجمعت بعض الحطب بسرعة.

"تعال،"

قلت، مشيراً لسموك إلى فسحة خالية من العشب. لم تكن مخيماً فاخراً، لكنني عشت ما هو أسوأ. راقبني سموك، جالساً فوق الصندوق بعدما جلبته، بينما نقرت بأصبعي فاستحضرت جمرة متقدة. اشتعل الخشب، وأسرعت في سلخ الخنزير وتنظيفه. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى أصبحت قطع من اللحم تشوى فوق سيخ مرتجل، لتمتلئ الفسحة برائحة اللحم وأزيز الشواء على النار.

"كل،"

قلت، وأنا أقطع بضع قطع ناضجة وأرميها له. التهمها سموك بنهم، وملأ صوته المكان. ربما كان سموك يتمتع بذكاء يقارب البشر، لكن غريزته الحيوانية لم تكن بعيدة قط. ثم، ونحن نأكل، انبعث صوت مفاجئ لأوتار تُنقر. أشبه بأوتار العود، أو هذا أقرب تشبيه حضرني. تطلع سموك للأعلى، وانبسطت أذناه على جانبي رأسه. راقبت من مكاني دون حراك، حتى حين خرج رجل نحيل يرتدي رداءً أسود رثاً من بين الشجيرات.

كان يضع قبعة قش ممزقة على رأسه، ويحمل في يديه ما بدا كعود نحيل بوترين وجسد صندوقي الشكل.

"تحية يا مسافر. أعتذر عن اقتحام مخيمكم، لكن الضوء جذبني كما تجذب الشمعة الفراشة."

كانت بشرته شاحبة، وابتسامته ناعمة تكاد تذيب الحذر، لكن ظل قبعته حجب نصف وجهه العلوي.

"لا أتحكم في مسارات الناس. افترض أن بوسعك تدفئة عظامك، إن شئت. مع أنني متفاجئ لأن رفيقي لم يذعر."

ضحك الغريب بخفة.

"أوه، حسناً. بما أنك لم تخف من مرافقته، افترضت أنه أليف."

انحنى قليلاً لقط الجحيم.

"رأيت الكثير في ترحالي. قط جبل أليف لن يكون أغرب ما رأيت."

جثا عند النار، مستمراً في النقر على آلته الغريبة. بدا كأنه استشعر اهتمامي.

"أنت... من الخارج، أليس كذلك؟"

سأل.

"أنا كذلك."

"آه، إذاً هذه الآلة ربما جديدة عليك أيضاً. نسميها شاميسن. هي المفضلة لدى الشعراء المتجولين لخفتها ومتانتها."

نقرت أصابعه النحيلة على الأوتار بسرعة مريبة، فملأت الفسحة بلحن متناغم.

"آه. اغفر لهذا العجوز حماقته. لم أخبرك باسمي، أليس كذلك؟ نادني كيري."

استمر في العزف، وتصاعدت حدة الصوت وتعقيده تدريجياً. عاد سموك للأكل، بعد أن فقد اهتمامه بالرجل.

"إذاً أنت نوع من الشعراء المتجولين؟"

كان في طرف سكيني قطعة لحم، أقضمها بكسل وأنا أتحدث.

"أوه نعم. عبرت طول وعرض تسوكيو الجميلة. من خليج الخطاف، عبر الحقول الفضية، وصولاً إلى منحدرات المبارزين. لا أعتبر نفسي موسيقياً ذائع الصيت، لكن بالتأكيد لدي حكايات لأرويها."

استمر نقر الأوتار. إيقاع منخفض يكاد يكون منوماً يتردد صداه بين الأشجار.

"وأنت يا صديقي؟"

سأل دون أن يرفع رأسه.

"الغربيون عملة نادرة، خارج المدن والموانئ الكبرى على الأقل. لا بد أن لديك قصة ترويها."

"أوه نعم، يا كيري، لدي الكثير حقاً،"

أجبت بصوت منخفض.

"أخبرني إذاً. القصص هي شريان حياة البشر، في نهاية المطاف. صفتنا العظمى الحقيقية التي تميزنا عن الوحوش."

ضحكت خفيفة.

"حسناً، أظن أن هذا صحيح. لكن، ثمة أمر... أنت تحاول تنويمي بموسيقاك هذه، أليس كذلك؟"

توقف النقر فجأة، وانتفض كيري بذهول.

"ما... كيف عرفت-"

"التنويم، الأوهام، السحر الذي يؤثر على العقل، لا يجدي معي نفعاً. السحر المتقد في دمي يحرق رأسي كلما حاول أحدهم ذلك، فيمحو تلك التأثيرات. لكني أظل واعياً حين يحاول الناس ذلك. إذاً... ما اللعبة؟"

صمت كيري لبرهة. ثم اهتزت كتفاه بضحكة صامتة.

"يا للهول، هذا محرج."

رفع يده، وأخيراً رأيت عينيه. أو بالأحرى، الموضع الذي كان يفترض أن تكون فيه عيناه. بدلاً منهما، كان هناك مساحة من الجلد الشاحب الشمعي تغطي المحجرين. ابتسم لي ابتسامة عريضة، كاشفاً عن قواطعه الضخمة.

"عادة لا يدرك الناس نواياي إلا بعد أن آخذ قضمتي الأولى منهم."