الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 37 — 37 - قمرٌ خافت

اقرأ الفارس الأسود يبحث عن حياة هادئة الفصل 37 — 37 - قمرٌ خافت باللغة العربية على مانجا تايم.

رأينا "لو مون"

من بعيد، مستقرة فوق تلة مرتفعة. يحيط بها سور عظيم متعرج، تتخلله أبراج مراقبة موزعة بانتظام، ورأيت الرماة يجوبونها حتى من مسافة بعيدة. تهيمن على المدينة خلف السور أسراب من المباني المتراصة، تضيق شوارعها وتختنق، كأن أجزاء منها بُنيت على عجل فوق أجزاء أقدم.

وتلوح في الأفق بضع "باغودات"

متعددة الطوابق، لا شك أنها مراكز السلطة في المدينة. في وطني، كانت لتُعد مدينة متوسطة الحجم. ومع ذلك، ومن موقعنا هذا، أبصرت حشوداً من الناس تتدفق دخولاً وخروجاً عبر بواباتها الرئيسية. جلهم يسيرون على أقدامهم، مع قلة يمتطون الخيول أو طيور الكاسوار.

وكما هو متوقع، كانت عربات التجار تشق طريقها في رحلتها عبر "لو مون".

تقدمنا وانضممنا إلى الطابور عند البوابة الجنوبية. وما إن اقتربنا حتى صوب الحراس المحليون رماحهم نحونا.

انخفض "سموك"

نحو الأرض، يزمجر بوعيد في وجوه الجنود.

لم يكونوا كأولئك الأغمار الذين يرتدون بقايا دروع "الآيوديكس"، فقد تبين لي ذلك بوضوح.

كانوا رجالاً أشداء، يرفلون في دروع ويحملون نصالاً صاغها حرفيون مهرة. ومن نظرات أعينهم، أيقنت أن القتل ليس غريباً على بعضهم.

صاح جندي وهو يوجه رأس رمحه اللامع نحو "سموك": "ما الذي يفعله هذا الوحش هنا؟!"

زمجر "سموك"، وجعل صوته من حولنا يقفزون ذعراً: "هذا الوحش لا يروقه أن تُصوَّب الأسلحة نحوه!"

قلت محاولاً الحفاظ على نبرة هادئة، فلم أكن أستسيغ توجيه الأسلحة نحوي أنا الآخر، خاصة بعد ما حدث هذا الصباح: "إنه وحش روحاني. لا يضمر شراً، ليس كقطط الجحيم البرية. يمكنكم الوثوق به".

تقدم جندي من بين البقية، تميز بثلاثة أشرطة فضية مخيطة على كتفي زيه. وبحسب نظرات رجاله إليه، بدا قائداً لهم، أو على الأقل صاحب نفوذ أكبر. كان في يده قطعة يشم صغيرة، نُحتت ببراعة على شكل مقلة عين. نبضت القطعة بخفوت حين رفعها، ثم اشتدت نبضاتها حين صوب العين نحوي.

قال الرجل وهو يمسح لحيته الكثة بيده الأخرى: "ممارس فنون قتالية يأتي إلى لو مون. رصدنا اقتراب أحدهم عبر حجر الاستشعار، لكن... عادة ما يتجنبون المدينة تماماً".

أكان لديهم أجهزة تستشعر السحر؟ أمر مثير. في وطني، كان السحرة وحدهم من يتولون هذا الشأن، وكراتهم البلورية لا تعمل مع البشر العاديين.

قلت: "لدي عمل في المدينة فحسب. ولا أنوي إيذاء أحد".

متى كانت آخر مرة دخلت فيها مدينة دون أن أنوي العنف؟

راقبني الرجل بعينين حادتين كالصوان: "بالطبع يا سيد الممارس. أنا واثق من أنك ستكون زائراً هادئاً ووديعاً في مدينتنا. سنبذل قصارى جهدنا لنضمن سلامتك ما دمت هنا، كما نفعل مع... الجميع خلف هذه الأسوار. فالأمان شاغلنا الأكبر، في نهاية المطاف".

تبعت نظراته إلى الأسوار، حيث تجمع حشد من الرجال يراقبون حديثنا.

عشرات الرجال بالرماح وتلك الأقواس المتكررة الغريبة التي رأيتها لدى قطاع طرق "إينومي".

أظن أن أعدادهم قد تشكل تحدياً لـ "ممارس"

من مستوى منخفض. وربما كان في صفوفهم من يحمل أسلحة سحرية. لم يكن التهديد الضمني خفياً، لكن من يلومه؟

إن كانت "زهرة الأفعى"

مقياساً، فالممارسون يثيرون المتاعب طوال الوقت.

قلت: "بطبيعة الحال يا سيدي. وشكراً لاهتمامك. هيا يا سموك".

مضينا، والجنود يراقبوننا، لكن لم يجرؤ أحد على إيقافنا. إذن لديهم أجهزة تستشعر قوتي حتى من بعيد؟ أمر مزعج، بلا شك. لا يمكنني إطفاء سحري تماماً. فحتى حين لا أستخدمه، تظل القوة تنبض وتجري في عروقي. شعلة لا تنطفئ أبداً. حسناً.

زمجر "سموك": "وقاحة هؤلاء الناس يا أبي. أولاً تلك الساحرة، والآن هذا. يبدو أن الجميع يرغب في تحديك".

"أمر مزعج، لكن... مفهوم. أنا رجل خطر يا سموك. لم تعرفني إلا وأنا أحاول التصرف بغير ذلك".

أمال رأسه، وارتجفت أذنه المدببة: "لكنك رجل طيب يا أبي".

"لا، لست كذلك حقاً".

مددت يدي لأربت على أذني قط الجحيم. قدرت فيه هذا الظن، على الأقل. من الجيد أن يكون هناك من يساندني.

كانت "لو مون"

مكاناً صاخباً ومزدحماً، تصطف في كل شارع حشود تهرول لقضاء أشغالها. متسولون في كل زاوية، سكارى يترنحون في الحانات، ولا نقص في الكلاب والدجاج الضال بين الحجارة. لولا طراز المباني، والأثواب والأردية التي يرتديها السكان، لظننتها مدينة في وطني. مضيت متجاهلاً أكشاك الطعام التي تحاول بيع بضائعها لي، وأخذت أستدل بالسؤال من المتسولين.

لا يمانع هؤلاء الحديث مع غريب ما دامت هناك بضع عملات "جين"

في الأمر، وقليل من الناس يعرفون المدينة كمتسوليها.

كان لـ "لو مون"

مصانع جعة في الجناح الشرقي، وهو شريط كثيف ومكتظ يضم معظم المنشآت الصناعية. كلما اقتربت، زاد صليل المطارق على الحديد الساخن، واشتدت رائحة الدخان. كانت رقاقات الرماد تتساقط من المداخن كثلج أسود متواصل. هنا، حل العمال بملابسهم الثقيلة محل المواطنين العاديين، غطوا وجوههم بأقنعة قماشية لتقيهم من غبار الغازات الخانقة.

أعرف هيئة العمال المنهكين حين أراهم، وكان هؤلاء منغمسين في عملهم لدرجة أنهم بالكاد يلتفتون إليّ أو إلى "سموك".

قال "سموك"

وهو يشم الهواء ثم يعطس بعنف: "الهواء هنا نتن".

"أجل. حرق للفحم على نطاق واسع".

تذكرت مصاهر "نوفوس"

بكل تفاصيلها، حرارتها اللافحة، ونتن دخانها. فيلق من الرجال يعمل بلا كلل لصناعة خطوط لا تنتهي من السيوف، وقطع الدروع، وحدوات الخيول. لتغذية حرب كحربه، كانت الحاجة للصلب لا تنتهي. وكل ما كان يُكسر في ساحة المعركة، أياً كان مصدره، يُصهر ويُعاد تشكيله للحفاظ على دوران العجلة. يبدو أن ذكريات الماضي ستظهر دائماً بطريقة أو بأخرى. في النهاية، انتقلنا إلى منطقة أقل دخاناً، ووصلنا إلى أحد مصانع الجعة.

"الغراب الشاحب"، كما تشير اللافتة، يتعامل بشكل أساسي في تخمير "الساكي"

وعصير التفاح، لكن حجم المكان كان مثيراً للإعجاب: مساحة شاسعة من الخشب والطوب يعج بالعمال. وجدت طريقي إلى المشرف، رجل ضخم البنية يرتدي قميصاً ملطخاً بالسخام، كان منشغلاً بلفافة في يديه حتى أشرت إليه.

التفت إليّ بنظرة منزعجة: "إن كنت تبحث عن شراب، فتوجه إلى الحانة كالبقية. نحن لا نبيع الزجاجات هنا".

"لست هنا من أجل شراب".

أدخلت يدي في جيبي وأخرجت كومة لامعة من عملات "جين".

"أحتاج إلى بعض معدات التخمير. وإن لم يكن لديك ما تبيعه، فأظن أنك تعرف من يملكه".