جلستُ في كوخ الساحرة، أحدّق بعبوس في الشاي الذي صبّته لي، بينما كان سموك يرمق الساحرة الشابة بنظرات حادة عبر الطاولة المستديرة. لم أكن واثقاً لِمَ وافقتُ على الدخول، لكن... أظنني كنت لا أزال مذهولاً من الهجوم، لدرجة أن اعتذاراتها المعسولة قد أثرت فيّ. لقد جاءت في وقت مناسب على الأقل، إذ أشغلتني قبل أن يفيض غضبي.
قالت داجي وهي تبتسم لي بلطف: "لا يسعني إلا الاعتذار عن حماقة تلميذتي، حقاً. ربما هي... مفرطة في الحماس حين يتعلق الأمر بسلامتنا".
لم تبدُ كبيرة في السن، ربما في الثلاثينيات أو أوائل الأربعينيات. لكن شأن السحرة والمشعوذين، الحكماء منهم حقاً، أنهم حتى لو بدوا صغاراً... ثمة شيء في أعينهم يكشفهم إن كنت تعرف أين تنظر.
تململت ساكورا في مقعدها وقالت: "أنا... الكارما السلبية التي تحوم حوله-"
قالت داجي وهي تقلب عينيها: "أجل، أجل، الكارما. صدقاً، لو كانت لديه نوايا سيئة لشقّ طريقاً من الدماء عبر الغابة بأكملها. لقتلك بمجرد أن وقعت عيناه عليك، قبل أن تتمكني من فعلتك الغبية".
حدقتُ فيهما وقلت: "ما الذي تعنينه بالكارما بحق الجحيم؟"
أجابت داجي: "خطاياك... كل شر اقترفته يوماً".
قلت: "آه"، وتململت قليلاً في مقعدي.
حسناً، لا بد أن الكارما الخاصة بي كانت بارزة كحريق غابة في هذه الحالة. ربما لا يمكنني لوم الأخرى على حذرها الشديد.
تنهدت داجي وقالت: "كل هذا، ولم تحصلي حتى على الفطر اللعين. حقاً يا ساكورا. ربما لم يعد بوسعي الوثوق بك خارج الكوخ".
رمقتها ساكورا بنظرة غاضبة وقالت: "أنا امرأة بالغة".
زمجر سموك: "حمقاء".
"اهدأ أيها الروح النبيل. أعترف أن تلميذتي كانت متهورة قليلاً. ومع ذلك... أنا في قرابة الثلاثمئة من عمري، ولا أكاد أذكر آخر مرة رأيت فيها رجلاً يشعّ حضوراً كحضورك".
كانت داجي تراقبني، وشدة نظراتها تتناقض بحدة مع ابتسامتها العابثة.
سألتها وأنا أرفع حاجباً: "هل يمكنك رؤية خطاياي إذن؟"
"بالفعل. هي صفة نبحث عنها في المتدربين. ليست ضرورة لكون المرء ساحراً، لكننا نحب أن يمتلك من هم في رتبتنا هذه البصيرة".
ثم ركزت داجي على تلميذتها، وظهر ضيق جديد في تعبيراتها.
"هذا ليس عذراً لمحاولة قتل أصحاب الكارما الشريرة بمجرد رؤيتهم".
"إذاً، حتى مع معرفتك بأن هذا السواد يتبعني، لستِ قلقة؟"
أمالت رأسها وظلت تلك الابتسامة المزعجة ثابتة: "هل ينبغي لي؟ ما زلنا على قيد الحياة، أليس كذلك؟ لو أردت بنا سوءاً، لكان لديك أكثر من مبرر للهجوم. ومع ذلك، أنت تكبح نفسك. أنا في قرابة الثلاثمئة من عمري، وقابلتُ أصنافاً كثيرة من الرجال. وأنت يا آمون، تبدو لي رجلاً يحاول... تحسين نفسه. وترك طرقه الشريرة خلفه".
اعترفت أخيراً: "امرأة ذكية".
تمتم سموك وعيناه المشقوقتا الحدقتين تتنقلان بين الساحرتين: "وربما امرأة خطيرة أيضاً".
قد تكون القطة المتوحشة على حق. لم أكن غريباً عن قتال من يملكون السحر، لكنني لم أقاتل ساحرة قط. كنّ يتجنبن التدخل في شؤون الممالك، مفضلات العزلة. لكن، بالتأكيد، كانت هناك حكايات كثيرة عن مدى خطورة الساحرات.
"اخرجي واجلبي ذلك الفطر يا ساكورا. وتفضلي بالامتناع عن افتعال المزيد من المشاجرات وأنت في الخارج".
تذمرت الساحرة الشابة، ورمقت معلمتها بنظرة غاضبة. ومع ذلك نهضت، وخرجت من الكوخ بصمت. أغلق الباب خلفها محدثاً ضجيجاً، تاركاً إيانا الثلاثة وحدنا.
"أنت أيضاً صنف نادر من الموتى الأحياء، أليس كذلك؟"
ضيقّت عينيّ نحوها وسألت بحذر: "جانب آخر من 'عينك الثالثة'، على ما أظن؟"
ارتشفت داجي شايها قليلاً وقالت: "شيء من هذا القبيل. عائد من الموت... أو 'أونريو' كما يسميهم الناس في تسوكيو. من يقف في غسق الحياة والموت، جسده المتلاشي مشحون بفيض من السحر لإحيائه، ثم يغذي خلوده ما دام حقده باقياً. من ذا الذي قد تكرهه لدرجة تكفي لتأجيج تلك النار في صدرك؟"
لمست ابتسامة عارفة شفتيها للحظة. أجل. كانت هي وأنا نعرف إجابة ذلك. حسناً، سأكون ملعوناً إن اعترفت لها بذلك. لم أكن في عجلة من أمري لأعترف بكرِهي لنفسي حتى.
"عائد من الموت في تسوكيو. حقاً، نحن نعيش في أزمنة غير مسبوقة. لا تصل الكثير من أخبار الغرب إلى هنا، ومعظم السكان يفتقرون لأي اهتمام بما يحدث عبر البحر من الأساس. لكن، حسب فهمي، هناك حرب كبرى لا تزال مستعرة هناك. نفس القصة القديمة لمغفل يملك الكثير من القوة والكثير من الطموح، أليس كذلك؟"
زفرتُ بضيق، وأخذت رشفة طويلة وموزونة من الشاي. كان... شاي لذيذاً بجدارة. وبدا أن سموك يشاركني الحماس، إذ كان يلعق من الوعاء الخشبي الصغير الذي يحوي نصيبه.
"أنتِ على حق. هذا هو ملخص الأمر".
اتبع الناس نوفوس لأسباب شتى. الطمع، الطموح، الانتقام، الولاء... لكن نوفوس نفسه كان مدفوعاً بالكامل تقريباً بالغرور وطموح قد لا يكتمل أبداً، حتى لو استولى على إندريس بأكملها.
"سئمت من ذلك. سئمت من... الشيء الذي أصبحت عليه. لكنني لست من النوع الذي يرغب في إنهاء حياته، ولا أملك اهتماماً بمواجهة 'العدالة' عبر البحر. كانت حياة جديدة هنا أفضل خيار بيدي. الخيار الوحيد، في الواقع".
أومأت برأسها مع شرحي.
"مم. مع اختلاف التفاصيل، لستُ غريبة عن رجال يسعون للهرب من ماضيهم، لإعادة بناء حياتهم من جديد. مهما فعلتَ سابقاً، لا أظن أن الأمر يعنيني. ولست حمقاء لألقي بنفسي في طريق رجل يملك 'تشي' كخاصتك. على عكس تلميذة معينة لي. لكن إن كنت تسعى لتكون رجلاً أفضل، أظن أنك اتخذت خطوة أولى جيدة في الاتجاه الصحيح".
قلت وأنا أحدق عبر الطاولة إليها: "لا أحتاج لموافقتك".
قال سموك بصوت منخفض وغني بحماسه: "الأب رجل فاضل. أحكم وأنبَل المحاربين".
ضحكت داجي وقالت: "بطريقة ما، أظن أنك أنت نفسك ستفكر مرتين لو سمعت بعض حكايات 'حياة أبيك السابقة'. هناك الكثير من القتل في عينيه".
قلت وأنا أنهض من مقعدي: "كفى. قلتِ ما عندك. أشكرك على حسن ضيافتك، لكننا أضعنا وقتاً كافياً هنا".
قالت داجي وهي تلوح لنا مودعة: "بالطبع، بالطبع. ابقَ على الطريق القويم. واعلم أنك إن احتجت يوماً لعون ساحرة، فبابي مفتوح دائماً للزبائن الذين يدفعون".