كنت لا أزال حذراً حين يتعلق الأمر بالنوم، مدركاً تماماً أن حلماً مزعجاً آخر قد يباغتني كلما حاولت الغفوة. لكن، عادة ما كنت أغفو مرة أو مرتين في الأسبوع وسموك مضغوط بجانبي.
كان القط يجعل الأمر أكثر راحة، على أية حال.
ومع ذلك، بقيت أشياء لا تفارقني. كنت بعيداً عن الحرب منذ أشهر في هذه المرحلة، أعيش في سلام غالباً -رغم تلك الحادثة مع زهرة الأفعى- ومع ذلك ظل نومي خفيفاً، وفي تلك الليلة انتفضت مستيقظاً عند أول شعور بأن شيئاً ما ليس على ما يرام.
جلست على الفراش الرقيق وأرهفت السمع. كان كل شيء ساكناً، إلا من تنهدات الريح وصيحات طيور الليل. رفع سموك رأسه بنعاس، وخيط سميك من اللعاب يصل فاه بمخالبه.
أراد جزء مني أن يقول إنه لا شيء، وأنني ببساطة شديدة الحساسية بسبب وقتي في الحرب، لكنني كنت أعرف ما يكفي لكي لا أشك في غرائزي الآن.
نهضت عن الفراش، أعدل قميصي في الظلام، واتجهت نحو النافذة المفتوحة. من هناك استطعت رؤية مساحة كبيرة من أرضي، وصولاً إلى السياج في الطرف الشمالي من ملكيتي. وحدقت دون أن أرمش في ذلك الظلام، حيث المشهد مضاء بالكاد بأشعة القمر الشاردة التي اخترقت ركام السحب.
مرة أخرى، كان كل شيء ساكناً. ثم سمعته. خافتاً، بعيداً، لكنه لا يخطئه سمع.
ضحكات رجال مكتومة، تتبعها خطوات خفيفة وقرقعة فولاذ. ضيقت عيني، مستحضراً ما قاله لي ريوغا. إن أراد قطاع طرق الإغارة، حتى على قرية صغيرة كهذه، فمن المؤكد أنهم سيفضلون المجيء تحت جنح الليل. وللوصول إلى تيود، تتطلب معظم الطرق عبور أرضي.
هرول سموك صامتاً نحوي، لكنه ظل في مكانه حين أشرت إليه.
قلت: "ابْقَ"، وكانت الكلمة بالكاد همساً.
وأطاع القط، على مضض.
وثبت من النافذة، حاطاً بصمت على العشب في الخارج، ومضيت نحو مصدر الصوت. كانت أجمة شجيرات تقع على مسافة معتدلة فقط خلف نهاية سياجي، مكاناً جيداً بما يكفي ليأتي منه أي قطاع طرق طموحين.
تقدمت، وصولاً إلى السياج، ووجهي صخرة صماء. إن كان لأحد أن يأتي إلى هنا، فأردت إيقافهم قبل أن يتمكنوا من إلحاق أي ضرر بملكي.
يا للهول، كان القمح يبدو جيداً في هذه الأثناء. لم أرغب في خسارته.
ظهروا من بين الأشجار، واحداً تلو الآخر، وبريق فولاذهم يلمع في ضوء القمر. رجال يبتسمون ويقهقهون، يرتدون دروعاً جلدية رثة وعباءات من فراء ذئاب سوداء. وقف رجل بمعزل عن البقية، قابضاً على رمح طويل ثقيل في يده اليمنى. كان وجهه محجوباً بقناع من خشب أسود مطلي، على شكل وجه كلب صيد يتهكم.
قال الرجل المقنع بصوت منخفض وأجش: "لم أظن أن أحداً سيسمعنا قبل أن يبدأ المرح حقاً. لديك أذنان جيدتان".
حدقت فيه بصمت، وأطبقت قبضتي اليمنى ببطء. كان عليّ محاربة كل دافع في عقلي، تلك التي تخبرني بأن أسحق هؤلاء الأوغاد في ضربة انفجارية واحدة. لا، كنت رجلاً مختلفاً الآن. حتى ضد قطاع طرق واضحين، كان عليّ محاولة أن أكون رجلاً مختلفاً. رجلاً أفضل. وتوجيه الضربة الأولى، رغم أنها عملية، هو نوع العنف الذي عبرت محيطاً لأتجنبه.
قلت وأنا أراقبهم بتركيز: "سأسألكم مرة واحدة، ومرة واحدة فقط، أن تستديروا وتغادروا".
قال أحد قطاع الطرق، متجاهلاً كلماتي تماماً بينما صوب منجله نحوي: "هه. إنه غربي".
قال آخر: "يتحدث لغتنا كأنه نوع من القردة".
لاحظت في يديه نوعاً غريباً من السلاح. بدا كقوس مستعرض، لكن في جانبه السفلي سلسلة من السهام ممسوكة معاً في إطار خشبي، وآلية فوق الزناد متصلة به.
قهقه الرجل المقنع، وكان الصوت مكتوماً بقناعه: "لا يمكننا المغادرة يا صديقي. نحن هنا في مهمة عادلة. حسناً، أنا كذلك. فتياني هنا يريدون فقط أي مقتنيات ثمينة يمكنهم وضع أيديهم عليها. أشك في أن لديك الكثير لتتحدث عنه، في قرية قذرة ورطبة كهذه، لكن... نحن لسنا انتقائيين. جين، اقتله".
رفع رامي القوس سلاحه الغريب وضغط الزناد، وانبعثت قرقعة بينما كانت الآلية الغريبة في الخلف تلقم سهماً بعد سهم، وتطلقها واحداً تلو الآخر بينما كانت تسحب وتر القوس إلى مكانه مع كل حركة. كان قد أطلق ثلاثة سهام في الوقت الذي يستغرقه رامي عادي لإطلاق واحد، وانطلقت الثلاثة تصفّر عبر الهواء.
فوجئت قليلاً، فلم أظن يوماً أن سلاحاً كهذا يمكن أن يوجد، لكن المفاجأة لم تعقني كثيراً. لوحت بيدي للأعلى، ضارباً السهام الثلاثة بعيداً في وميض من الحركة. سقطت النصال المكسورة حول قدمي، مبعثرة العشب المسحوق.
حدق بي الرامي، وقد تدلى فكه قليلاً.
هتف: "ممارس طاقة!".
قلت: "آخر تحذير. يمكنني أن أضمن لكم أنكم إن هاجمتموني مرة أخرى، فستموتون. الأمر بهذه البساطة".
"أوه."
مال الرجل المقنع للأمام.
"معذرة يا غريب. لا بد أن طاقتك كانت مكبوتة إن لم أستطع شم رائحتك. لم أقابل ممارساً أجنبياً من قبل. المرة الأولى لكل شيء، أليس كذلك".
أمال رأسه جانباً، مصوباً طرف رمحه نحوي بكسل.
"أنا إينومي. تشرفت بلقائك".
وفي تلك اللحظة شعرت بالطاقة السحرية ترتفع ببطء من حوله، هالة من سواد متراقص تتصاعد حوله. اسودّ العشب حول قدميه وذبل في دائرة تتوسع ببطء، حلقة من موت وبائي.
"و... لقد جعلت من نفسك هدفاً أكبر، في نظري. اهجموا عليه".
جاء أربعة من قطاع الطرق نحوي، وأسلحتهم مرفوعة عالياً. ضيقت عيني، وتشنجت قبضتاي بينما كانوا يثبون فوق سياجي. سياجي، على أرضي.
قال: "سأخاطبكم بلغة تفهمونها، وهي لغة أعرفها للأسف حق المعرفة".
انقضضت عليهم قبل أن يدركوا ما يحدث. أصبت ضلوع رجل ضخم، أصلع الرأس كث اللحية، بظهر قبضتي، فانخسف صدره كخشب نخر. خرَّ إلى الأرض يشهق، وسقط سيفه المنحني من يده.
أصابت هراوة وجهي، لكنني لم أكد أشعر بها، فقد تحطم مقبضها المدعم وتناثر شظايا. لم يملك الرجل الذي كان يلوح بها سوى نصف ثانية ليدرك ما جرى قبل أن تهشم مفاصل أصابعي قمة جمجمته. وفي اللحظة ذاتها، لويت ذراع الثالث بيدي الحرة، بينما اخترقت قدامي اليسرى أحشاءه.
وقف الرابع يراقب رفاقه الثلاثة وهم يسقطون دفعة واحدة، وارتجفت في قبضته منجله وسلسلته الغريبتان. ربما كان يجدر بي تركه، فقد بدا وكأنه على وشك الالتفات والفرار.
لكنني كنت في ذروة المعركة الآن، واشتعل في عروقي ذلك الحماس المقزز المألوف كزيت أضرمت فيه النار. خطوت نحوه، وقربت المسافة قبل أن يختلج في ذهن قاطع الطريق خاطر آخر، بينما كانت أجساد رفاقه لا تزال تهوي. أصبت فكه بلكمة جانبية أطاحت بتوازنه، ثم دفعت رأسه نحو الأرض بقوة جعلت التربة تنشق وتدفن جمجمته المتهشمة في الثرى المرتجف.
رفعت بصري، فالتقيت بعيني إينومي. بدا راضياً، وكانت عيناه الشقراوان تشعان مرحاً من خلف قناعه.
زمجرت: "العنف".