«بالصلاحيات التي منحتها إيّاها طوائف التلال السماوية، تُعلِن كاي شيولان عن افتتاح هذا الاجتماع»، هكذا أعلنت ابنة كاي شي كونغ رسمياً. وجالت نظراتها عبر الشيوخ المجتمعين أثناء حديثها. كان هذا أول اجتماع يُدعون فيه جميعاً للحضور منذ ذلك الشهر المشؤوم، حيث كشفت ابنتها عن طموحاتها.
كم تغيّرت الأمور في ذلك الوقت القصير بالفعل. فالنبتة الصغيرة التي زرعتها ابنته كانت تنمو وتكتسب القوة سلفاً. لقد تتبع مسارها باهتمام بالغ، شأنه شأن بقية طائفته. ومثل العشب الذي سُمّيت طائفتهم تيمّناً به، فقد نمت بسرعة، وغطّت التلال باللون الأخضر سريعاً.
أولئك الذين لم يولوا الأمر ما يستحقه من اهتمام، أولئك الذين استُهلكت أفكارهم بالكامل بالبلّورات والأسرار الكامنة فيها، تلقّوا على الأرجح صدمة كبيرة نوعاً ما. فقد افترضوا أن الدم الحار وحماقة الشباب ستعيقان الحركة النامية. وافترضو أن الضغائن القديمة التي يحملها بعضهم تجاه بعض مقدسة، حتى مع الأيمان التي أقسموها.
غني عن القول، إنهم لم يكونوا مستعدين عندما قامت شيولان وحلفاؤها بجولتهم لتشمل كل طائفة في المقاطعة دون استثناء، ليجعلوا أيمانهم ومطالبهم حقيقة واقعة. فلم يسقط الشباب في فخ الصراعات الداخلية التافهة. بل على العكس، أسرت رؤية شيولان قلوبهم جميعاً.
كان لدى الشباب حلم، رؤية مشتركة تتوهج في أعماقهم. حلم بالقوة والمجد والاحترام، طاردوه بكل الشغف والنار التي منحها إياهم شبابهم. لقد كان لديهم شيء ليبنوه، شيء ليصنعوه بأنفسهم، وقد أمسكوا به بكل ما أُوتوا من قوة.
وما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة لأولئك الذين لمو ينذروا المنظمة قط لتصبح بقوة ما آلت إليه، هو أن أفكار شيولان كانت سديدة... وأنها كانت تؤتي ثمارها.
فالمزارعون الذين بدا مؤكداً أنهم لن يتذوقوا سوى المرحلة الأولى من عالم المبتدئين إلى الأبد، قفزوا إلى المرحلة الثانية، بل وحتى الثالثة. وانتقل السادة الشباب والسيدات الشابات من المرحلة الرابعة في أفضل الأحوال إلى قرع أبواب عالم العمق — إن لم يكونوا قد اخترقوه بالفعل.
كان الأمر أشبه بلعنة عظيمة رُفعت عنهم فجأة، كأن يداً كانت تثقل كاهلهم تخلّت فجأة عن قبضتها على أرواحهم، وها هم الأطفال الآن، لا سيما أولئك الذين ألقوا بأنفسهم في هذا الحلم الجديد، ينموون كالأعشاب الضارة.
وهنا بالضبط عملت طبيعة المزارعين لصالح ابنته. كانت تجعلهم أقوى. ولهذا، سُُمح لها بمواصلة عملها.
ومع ذلك، فقد دبر البعض المؤامرات، وخطط البعض الآخر، وتذمر البعض خلف الأبواب المغلقة...
لكن أحداً لم يستطيع في الوقت الحالي دحض أن ما كانت تفعله كان ناجحاً.
كل ما شعر به شي كونغ كان الفخر، وشعوراً بالرضا.
ما زالت الأيام في بدايتها... لكن هذه لم تعد مجرد لحظة عابرة. لقد أصبحت حقيقة قائمة بذاتها.
واليوم كانوا على وشك رؤية المزيد من ثمار هذه الحقيقة؛ فاليوم ستستضيف هذه القمم ضيفاً مميزاً للغاية. ضيفاً لم يكن شي كونغ ليخمن أبداً أنهم سيحظون به.
«نجتمع اليوم لنرحب بأحد أوائل المحسنين للتلال السماوية، أولئك الذين جعلوا من الممكن بالنسبة لي أن أشارككم جميعاً بلّورات الذاكرة التي تحملونها الآن»، قالت شيولان للمزارعين المجتمعين. «أيها القائد تيغو، الرجاء إحضار ضيفينا الكريمين».
انحنى عدد منهم إلى الأمام، وبدت عليهم علامات الفضول بوضوح. ولو لم يكن شي كونغ... لكان الفضول قد ساوره هو الآخر على الأرجح، لكن كونه والد شيولان يمنحه بعض الامتيازات الأبوية.
لذا لم يفاجأ على الإطلاق عندما فتحت أبواب المدرج، ودخل حرس الشرف.
كانوا جميعاً يرتدون الدروع بلا استثناء، وتُعلَن ولاءاتهم للتلال السماوية على الأعلام التي يحملونها. نجحت تيغو الصغيرة في أن تبدو صارمة ومهيبة، بعيدة كل البعد عن الفتاة اليافعة الصاخبة التي عرفها لفترة قصيرة في العام الماضي؛ فقد بدا سلوكها جاداً وعملياً للغاية وهي تواكب أحد المحركين واللاعبين الخفيين في التلال السماوية.
تراجع عدد من الشيوخ إلى مقاعدهم، وقد علت ملامحهم حيرة شديدة. بينما اتسعت عيون آخرين عرفاناً وذهولاً. فبعد كل شيء، كانت السيدة مينغدي، المرأة التي أنشأت متجر البلّورات، وأصدقاؤها المقربون، قد ظهروا بشكل مكثف في العديد من الذكريات المسجلة.
«قرد؟» تساءل أحد الشيوخ بصوت يشوبه عدم التصديق.
«أقدم لكم، السيد جين تين!» هكذا أعلنت تيغو.
كان القرد من الأنواع الشائعة في الشمال؛ يسميه البعض القرد الذهبي الأفطس، أو ببساطة القرد الذهبي نظراً للون فروه الذهبي الغني. كان وجهه أزرق شاحباً، ولم يكن له أنف حقيقي، بل مجرد فتحتين صغيرتين جعلتا وجهه يبدو وكأنه جمجمة بعض الشيء.
لكن ما من أحد رأى هذا القرد يستطيع القول إنه مجرد وحش.
كانتا عيناه. فمثلا بي دي وري زو، مُلئت عينا القرد بوعي وذكاء حادين. لم يكن يكتفي بالرؤية؛ بل كان يتأمل، وعيناه تقيمانهم جميعاً.
دلف ماشيًا على ساقيه الخلفيتين، بخطوات لا تكاد تتجرجر. ارتدى على ظهر ملابس مألوفة — نفس اللون الأزرق الذي ارتَدته شيولان ورفاقها. وارتسم على ظهره رمز السماوي، وفوق قلبه وُجد تصميم لراحة يد مفتوحة. وتزينت معصماه وعنقه بقطع بلّورية — وبعض تلك البلّورات لم يسبق لشي كونغ أن رأاها من قبل.
سار القرد حتى منتصف الغرفة.
«السيد جين، يسرني رؤيتك مجدداً»، قالت شيولان، مستهلة الحديث.
«يسرني رؤيتك مجدداً أيضاً ايتها الفتاة»، قال القرد بصوت قوي وعميق وخشن، أشبه بصوت رئيس عمال مناجم بشري. ذلك النوع من البشر الذين يحدقون في أعين النبلاء ويخبرونهم بأن يغربوا عن وجوههم. «والآن، لدي بضع كلمات أقولها، إن لم تمانعي يا زهرة الأوركيد الصغيرة».
«لا تمانع على الإطلاق يا السيد جين».
ابتسم القرد لِـشيو لان، قبل أن تذوب تلك الابتسامة. رفع نظره إليهم جميعاً، وأخذ يتأملهم بعينين عميقين بلا قرار. ثم أدخل يده في قميصه وأخرج غليوناً، وضغط عليه ببلورة فأشررَت، مشعلةً عشب التدخين في داخله.
أخذ القرد نفساً ثم اعتدل في قفته. لقد كان يتمتع بحضور طاغٍ، هذا جين تين. بدا عتيقاً وصلباً—وكأنه ينظر إلى شيخ زميل، إن كان شيو كونغ صادقاً مع نفسه.
«أنا جين تين، سيّد تل البلور ومورّد تقريباً كل بلورة استُخدمت في متجر مينغدي البلوري. لقد استعمل كل واحد منكم شيئاً استخرجناه، وبعضكم استهلك آلافاً من بلوراتنا. بل إن بعضكم يستخدم ما نملكه حتى هذه اللحظة، حين تنظرون في ذكريات أسلافكم. ومع ذلك... لقد حافظنا على سرية وجودنا. وأنا واثق من أنكم لستم بحاجة لأن أقول لكم السبب»، ملأ صوت جين الأجش مسرح المدرج. وظهرت عدة إيماءات موافقة—بينما بدا أون غانغ مفاجأةً وكأن وعكة ألمّت به.
لكانوا, في نظر أغلبهم، مجرد موارد في أفضل الأحوال. ومع ذلك، كان من المذهل حقاً أن نجاح تجار البلور في الحفاظ على مثل هذا السر الدفين طوال تلك المدة. وأن يكون مورّدوهم الرئيسيون من وحوش الروح...
«قبل أشهر عدة، كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها الماضي بنفسي. لقد طال بحث عشيرتي عن أسرار أجدادنا—فقد ضاع منا الكثير نحن أيضاً. تخيلوا مدى دهشتي وأنا أرى ما كان بحوزتنا في الماضي. والأكثر دهشةً كانت تلك الزهرة الأوركيدية الصغيرة هناك، التي أقسمت أنها ستُعيد تلك الأيام مرة أخرى».
«لقد مضت آلاف السنين منذ أن تواصلنا مع أي شخص سوى أصدقائنا الأعزاء في متجر... حسنًا، لقد أقنعتني بنقاء عزمها. لذا دعمناها بالبلورات التي تستخدمونها لرؤية الماضي. لقد آمنا بعزمها، وآمنا بحلمها. والآن... على ضوء الإصلاحات التي تُجرى على هذا الجبل المبارك... سنمنحكم شيئاً من الثقة نحن أيضاً».
«نحن قرود تل البلور. لن نكون خدماً لكم. ولن نكون مواردكم. لكننا نثق بالأوركيدية. سنؤمن بهذا الحلم، الحلم الذي راود أجدادنا. لذا... نحن مستعدون لمنح هذا القدر من الثقة. فكل شيء يجب أن يبدأ من نقطة ما».
ثم رفع يديه بالتحية التقليدية للاحترام.
«يُقدم هذا العجوز آيات الاحترام لطوائف التلال الزرقاء»، قال القرد. «أنا أُمثل عشيرتي؛ مُعدّني بلورات التلال الزرقاء. وإني أتطلع إلى العمل معكم في إصلاح الجبل».
ساد صمت لفترة قصيرة. كان صوت القرد الهادئ والأجش مفعماً بالقوة والعزم.
حينها، تحدث شيو كونغ.
«أُقدم احترامي للسيّد جين. يسعدني لقاؤك».
«لقد حافظتم على سلامة شعبكم آلاف السنين. إن هذا يستحق الاحترام حقاً»، هكذا تَممْتَر أولاغان باتار، بطريرك طائفة الوادي العظيم.
كان شيء رؤية القرود وهي تساعد في صنع القمتين المتبارزتين شيئاً، ووجود واحد منها أمامهم يعرض خططه الخاصة شيئاً آخر تماماً.
كانت التحيات بطيئة. وكانت التحيات حذرة. لكنها كانت مجرد بداية.
تماماً مثل كل هذا. تماماً مثل بقية أعمال إحياء التلال الزرقاء.
فلأول مرة منذ آلاف السنين، جلس وحش روحي على أحد مقاعد القمتين المتبارزتين— ولمع المقعد، لإزعاج البعض، بثلاثة خطوط تدل على شخصية ذات أهمية.
في الوقت الحالي، وحدهم الأشخاص المشاركون مباشرة في إصلاح الجبل سيُدركون الأمر. ولكن ماذا سيحمل المستقبل أيضاً؟
لم يستطيع شيو كونغ الإجابة.
كل ما عرفه هو أن السفير الجديد من قرود تل البلور إلى طوائف التلال كان يُدعى هو تين، وقد كان كل من تيغو ويين سعيدين للغاية برؤيته.