«أيها القائد، هذه هي التقارير الأخيرة»، قال صوت جاف.
رفع دونغ تشو، المعروف بلقب «خِرق» بين أصدقائه -وحسناً، بين معظم الناس اليوم- نظره نحو مرؤوسه، وشعر بإحباط عندما رأى عدد اللفائف في ذراعيه.
تأوّه خِرق قائلاً: «أنتغدّار يا هويي».
اكتفى هاي هويي، أحد تلامذة شيولان، بكتفَين مرفوعتين في اعتذار، بينما امتلأت عيناه الميتتان بالتعاطف والتسلية معاً. أمّا الشخصان الآخران في المكتب، خاليون من طائفة الوادي الكبير وزي شي بلا الطائفة، فأطلقا ضحكات خافتة على نبرة صوت خِرق.
وبّخهم خِرق بانزعاج: «وأنتما الاثنان! عودا إلى العمل بدل الضحك!»
ردت المرأة القبلية والرجل الوسيم معاً: «حاضر، أيها القائد»، وكانا يتظاهران بالبراءة. واتسعت ابتسامة هويي.
ألقى خِرق نظرة على تقارير الاستخبارات وتنهّد قبل أن يفتح الأول.
كانت كثيرة، لكنّ معظمها لم تكن سوى اختبارات لنظامهم الجديد. تقارير باهتة عن الطقس، إذ لم يكن هناك ما يستحق الذكر. وقد أُجري أغلبها لمعرفة كيف يعمل التبادل ذهاباً وإياباً.
قال هويي محنياً ظهره باحترام مبالغ فيه: «حظاً موفقاً، يا قائد بحر العشب»، قبل أن ينصرف لمساعدة مرؤوسَي خِرق الآخرين.
ما زال هذا اللقب يبدو غريباً. دونغ تشو، قائد بحر العشب، سيّد المعلومات لدى المارشال الكبيرة ونمورها البيضاء. لقد تطوع لهذا المنصب بنفسه عندما كانوا يتحدثون عنه جميعاً.
خِرق... حسناً، من غير تفاخر، كان ماهراً في هذا النوع من الأمور. لقد عرف كيف يبقي إصبعه على نبض ما يجري، وقد أنقذ جلده مرات أكثر مما يحصي. هكذا عرف كيف يُخرج أتباعه إلى بر الأمان قبل أن تنطلق عصابة خاطفي الوجوه في ليلتهم «المرحة». أنقذ تشو قرابة مئة حياة في تلك الليلة. ومع أنّه كان رقماً ضئيلاً... إلا أنه لم يكن سوى بشريّ عاديّ آنذاك.
لكنّ هذه الوظيفة احتاجت إلى أكثر من كون خِرق مجرد شخص عابر في الشارع. كانت شيولان رئيسة الرؤساء... لكنه كان رئيساً أيضاً. لم يكن الرئيس تانهوي يتجول لجمع الغنائم بمفرده، فكان لديه أشخاص يفعلون ذلك نيابة عنه.
وكان على خِرق تغطية مساحة أوسع بكثير من مدينة بحر العشب. لذا احتاج إلى ترتيب الأمور لتدفق المعلومات، والبضائع، والقوى العاملة وغيرها. أطلق الفاخرون على ذلك اسم... اللوجستيات.
بطبيعة الحال، اكتشف خِرق من هم أفضل الأشخاص في جمع المعلومات، ثم سرق بلا حياء كل ما استطاع منهم.
كانت «ظل زهر البرقوق» تعرف بوضوح ما تفعله. لذا، كلما اشترى خِرق معلومات منهم، كان يميل إلى البقاء والدردشة. كان يتحدث عن صعوباتهم وكيف تسير الأمور معهم... وللأسف، أو للدقة للمفاجأة، كانوا منفتحين تماماً بشأن فلسفتهم باعتبارهم أحد «زبائن المالك الكاتب المفضَّلين».
ظلّت شيولان حذرة بعض الشيء من محسنهم الغامض. أما خِرق، فكانت لديه بعض الشكوك حول هوية هذا المحسن. مجرد شكوك، لكن... حسناً، كان شيئاً سمعه صدفة عندما كانت إحدى نساء زهر البرقوق تحدث أخرى.
«بينما قد تفسر الأنساب بعض الأمور, فإن الجدارة هي المعيار الوحيد الذي يهم حقاً. إن عامل يومية يجتهد ليتعلم يتفوق بموضوعية على نبيل لا يكتفي إلا بملذات الجسد».
قيل ذلك بنبرة خفيفة، لكنّ المثير للريبة أن خِرق تعرفه — لأنه سمعه من قبل.
لقد قال ذلك المدعو لو ري. وكان يقرأ بصوت عالٍ من كتيب لطائفة السيف السحابي لـ وا شي.
ظل زهر البرقوق. اسم لو ري العائلي يعني البرقوق. قد تكون مجرد صدفة، لكنّه راهن أيضاً على أنه لو وصف لو ري لأحد أفراد زهر البرقوق، فسيبدو بشكل مريب وكأنه المالك الكاتب.
لكنّ خِرق لم يكن غبياً بالقدر الذي يجعله ينبش في أمر كهذا، لذا فهو «لا» يعرف شيئاً.
هزّ رأسه وقرأ التقارير. وضع علامات على أمور أخرى تحتاج إلى تفحص، وأرشف البقية ليوم الغد.
أخيراً، وضع ريشة الحبر جانباً فور انتهائه من التقرير الأخير وأطلق تنهيدة بعد أن أنهى عمله لليوم. نفض يده ثم التقط كوب الشاي البارد الذي كان مستقراً على مكتبه. ارتشَفَ رشفة، وأخذ نفساً عميقاً ثم أخرجه ببطء.
رفع نظره متأملاً بقية مكتبه، وقد غمر الغروب جنباته بلون ذهبي. كان مرؤوسوه الثلاثة ما زالوا يعملون.
قال خِرق: «خالي، هويي، شي، يكفيكم لهذا اليوم»، وعندما رفع الثلاثة رؤوسهم ابتسم. «الآن اذهبا واشربا شيئاً على حسابي».
اتسعت ابتسامات مرؤوسيه بينما رمى إليهم خِرق جميعاً عملة معدنية — عملة فضية كانت تمثل مالاً أكثر مما امتلكه طوال أول عشرين سنة من حياته. التفكير في أنه يستطيع الآن رمي مثل هذا المبلغ على شخص بنزوة عابرة ويطلب منه الاستمتاع بوته.
هتف شي وها هويي باحترام: «سننصرف إذن، أيها القائد».
قال خالي: «يا رئيس»، وبطريقة ما بدت الكلمة البسيطة محملة بالاحترام ذاته.
غادرا الغرفة.
وحينها أصبح خِرق وحيداً. نظر مجدداً إلى مكتبه. الكرسي الجميل. المكتب الأجمل. كان مصنوعاً من السلوى الصلب، ونحته نجار بارع. لقد أحب تمرير يده على سطحه الأملس.
كان رائعاً. ما زال يبدو غريباً بعض الشيء أنه يخصه... لكنه كان دليلاً على المدَى الذي قطعه.
وتذكيراً له ألا تدعه البهرجة يطير عقله.
لقد كان دونغ تشو، جرذ شوارع من تحت الجسر، تمكن بالحظ والدهاء من الإفلات من عصابة خاطفي الوجوه، وقاد الصغار والكبار الذين انضموا إليه نحو مكان أفضل. ممارس ارتقاء بدأ من لا شيء. يا للتبجح، لم يكن قادراً حتى على القراءة حتى قبل عام مضى.
وها هو هنا الآن. والآن، أصبح يملك القدرة على تغيير العالم.
ليس بالنسبة لأولئك الأوغاد القابعين في أبراج العاج. بل من أجل أمثاله، أولئك الذين لم يستطيعوا— لم يستطيعوا نسيان أهلهم. سكان الجسور السفلى، الذين تلقوا من قسوة الحياة ما يكفيهم، دون أن يحتاجوا إلى المزارعين ليزيدوا طينهم بلة.
أخذ راغس نفساً وهو يتذكر الشيء الذي بدأ كل هذا. تلك الرسوم التخطيطية على جانب الحصن المهجور منذ زمن طويل. الرسوم التي أوقدت دانتيان الخاص به وأرسلته إلى قمم النزال، حيث التقى بمن يستطيع وصفهم بالأصدقاء والرفاق.
كان ما يزال جاهلاً باسمها. ولم يكن متأكداً مما إذا كان يمارسها بالشكل الصحيح. لكنها كانت تتطور على أي حال، تتغير كلما زادت قوته... وكرّس نفسه لقضية كان يعلم أنها عادلة.
«أقسم لكِ يا دونغ تشو. لن يكون هناك المزيد من صن كين. ولن يكون هناك المزيد من تجار الرقيق»، قالت شيولان، وعيناها تشتعلان بزرقة ساطعة.
ضحك راغس بخفة على تلك الذكرى. لقد كانت ذكرى جميلة. ضم يده على شكل قبضة ورفعها إلى مستوى عينيه. فتح راغس كفه، لتظهر فيها ورقة جنكة ذهبية فريدة، أثيرية وكأنها غير مكتملة الوجود، وتسبح في المكان. لقد كانت رمزاً للحياة والحماية.
لقد كانت قوة رائعة.
[الحفاظ على أوراق الجنكة]
طرف راغس بعينيه بينما كان الاسم يسبح في ذهنه. أجل، بدا ذلك صحيحاً.
قُطعت تأملاته على حين غرة إثر طرقات عنيفة على الباب. تنهد راغس.
«ماذا تريد بحق الجحيم؟!», تساءل بانفعال وانفتح الباب، كاشفاً عن الفتى الصاخب وين.
«يا هذا! سنقيم حفلة الليلة! لقد قال تيغو أن ننشر الخبر!»، هكذا أعلن الفتى الصاخب، وصدح صوته ليرتج جدار المكان.
أشرق وجه راغس. «أحقاً ما تقول؟»
«أجل! هيا بنا، يا قائد بحر العشب!»، أعلن الفتى الصاخب.
«أه، حسناً، إن كان لايتينغ لونغ، قائد طليعة الفرسان النمور والفهود، يأمر بذلك، فظنوني قادماً لا محالة»، رد راغس ساخراً، مستخدماً لقب زانغ وي الجديد. لايتينغ لونغ، التنين المجلجل.
لقد كان لقباً مناسباً للغاية، ورائعاً حقاً... لكن راغس لم يكن ليخبره بذلك أبداً.
ضحك ين على احمرار وجه الفتى الصاخب الطفيف.
«اصمت أنت، يا قائد السيوف المشتعلة»، رد عليه مفحماً إياه.
لم يزت ين إلا ضحكاً.
وبينما كانا يتدافعان ويتبادلان الضربات الخفيفة، لم يبد الأمر مختلفاً عن كونهما أطفالاً مجدداً، يلعبون ويتظاهرون بكونهم أبطال مزارعين عظماء.
لكن الأمر لم يعد مجرد تمثيل. لقد باتوا الحكايات الجديدة التي يرويها الناس لبعضهم. أسطورة أبطال الأزرق.
============================
«هي! هو! هي!»، هكذا هتف راغس متسقاً مع إيقاع الأغنية. كانت ذراعاه ملفوفتين حول رقبتي الفتى الصاخب وتيغو. كان الجميع يتمايلون يمنة ويسرة ويركلون بأرجلهم في الهواء. امتد الصف ليضم الجميع. حتى إن ديلون قد انضم إليهم على يسار الفتى الصاخب، بينما تقف شيانغهوا على يمين تيغو.
ولأول مرة منذ وقت طويل... أتيحت لهم الفرصة للاستمتاع بوقتهم فحسب.
حتى المشير الأعظم.
«أوووووه~»، ارتفع صوت شيولان العذب في الأجواء. «كانت هناك عجوز شمطاء، نشيطة قدر ما استطاعت، وكان رفيقها، مصادفة، حماراً صغيراً!»
آه، العجوز الشمطاء النشيطة. لقد عشق راغس هذه الأغنية.
استمروا في الاحتفال حتى ساعات الصباح الأولى، وفي الصباح التالي تسنى لراغس أن يرى شيئاً مذهلاً. فقد سنحت له الفرصة لمشاهدة مياه نقية، وعذبة، وصافية تتدفق من قمم النزال. مياه لا تصيبك بالمرض إن شربتها. ما يكفي من المياه النقية للجميع.
لم يستطع راغس إلا أن يبتسم.